تحذير المسلمين من اللهو والمعاصي

زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

  • ليس عذرا أمام الله، وليس مقبولا أمام الأمة وأمام أنفسنا وأمام التاريخ وأمام أجيالنا القادمة؛ أن نستسلم لرؤية حفنة مجرمة، ولا أن ننخدع أنْ طبّل لهم منتسبون للعلم الشرعي نعلم يقينا أنهم يخالفون ما أنزل الله وأنهم يقولون هو من عند الله، ولكن ما هو من عند الله.

    رسائل التخدير والتضليل والخداع

    من الأحداث المشهورة في التاريخ المعاصر، ما حدث ليلة ضرب الجيش اليهودي للجيش المصري عام 1967م ، فقد كانت كل الإذاعات العربية تقريبا تذيع حفلا للمغنية أم كلثوم يتم عمله شهريا وينتظره الناس من الشهر للشهر، وكانت النتيجة نجاح الحفل مع هزيمة الجيش المصري هزيمة مخزية، وخسارة القدس والجولان والضفة الغربية، ومقتل الآلاف من الجنود وغيرهم، وسواد وجه الرئيس المصري – جمال عبد الناصر – وأنصاره الذين كانوا بالملايين في طول وعرض البلاد العربية والإسلامية لا في مصر وحدها..وفي أعقاب تلك الهزيمة المدوية كان الحكام والقادة الخونة في أمس الحاجة لتخدير الشعوب لينسوا آلام الهزيمة وأحزانها، ويتغاضوا عن الفشل الذريع لأولئك الحكام ؛ فتم تنظيم عدد من الحفلات الفنية المتتالية لتلك المغنية التي كان شأنها عظيم عند جهلة العوام، وكانوا يلقبوها: كوكب الشرق – في أبرز العواصم والمدن العربية وغيرها بزعم تخصيص ريع تلك الحفلات لدعم المجهود الحربي المصري..فتناسى الناس المجهود الحربي وتعالت آهاتهم وأصوات إعجابهم بأداء مغنيتهم..وقد نبه لخطورة ذلك التخدير والتضليل في حينها الشاعر الإسلامي الأردني الأزهري يوسف العظم – المتوفي عام1428 ه رحمه الله تعالى ، الملقب بشاعر الأقصى ؛ لأنه جعل جلَّ شعره حول القضية الفلسطينية والقدس المحتلة والأقصى المبارك -؛ يقول في قصيدته المشهورة والتي بعنوان: خدريهم يا كوكب الشرق:

    كوكب الشرق لا تذوبي غراما ودلالا وحرقة وهياما

    لا ، ولا تنفثي الضياع قصيدا عبقريا أو ترسلي الأنغاما

    فدماء الأحباء في كل بيت تتنزى وتبعث الآلاما

    وجراح الأقصى جراح الثكالى ودموع الأقصى دموع اليتامی

    خدريهم باللحن یا كوكب الشرق وصوغي من لحنك استسلاما

    حرب على القيم والأخلاق وتبديلها

    وها هو التاريخ يعيد نفسه -بصور أكثر إغراء ورونقا وبريقا-، فها هم يخدرون شعوبهم مع الهزائم – بألوان من المتع الرخيصة؛ كالغناء والرقص والتمثيل والابتذال..ومن يرى تلك الحفلات والألعاب والمجون يظن أنها أمة منتصرة غلبت عليها سكرة النصر وترف الثراء، ولكن الواقع غير ذلك تماما؛ فالأزمات الطاغية والحروب الطاحنة – في الكثير من البلدان الإسلامية – تعم أرجاء العالم الإسلامي، وتستدعي وقوف الأمة كلها صفا واحدا سعيا للتغلب على الأزمات، والنصر وهزيمة أعداء الملة..وبدلا من ذلك نجد من المؤتمنين على رعاية المسلمين وحفظ بيضتهم من يبذل جهودا ضخمة لصرف شباب الأمة ونسائها وأطفالها عن دينهم ودنياهم؛ لتتحول إلى أمة فاسقة مترفة تافهة ترفع المغنين والراقصين والممثلين واللاعبين وأمثالهم ليكونوا نجوما وقدوة لهم من غير أدني خجل..

    وفي المقابل حرب فكرية دائرة رحاها بواسطة مجرمي خبراء الإعلام وأشباههم ليل نهار لتتناسی الأمة أمجادها وتاريخها الرائع – بل ولتتناسى أصولها وثوابتها-؛ ليتم التخدير على أكمل وجه، وليسهل إزالة المسلمين من مراكز ريادة الأمم ودعوتهم لله رب العالمين وتعبيدهم له عز وجل؛ ليصيروا مسوحا جهلة عابدين لأهوائهم وشهواتهم..

    عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال : «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات (وذكر منها): وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب»11- رواه مسلم (2901)..

    وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها». زاد ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان والبيهقي: «يعزف على رؤوسهن بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير»22- (أخرجه أحمد (22900)، وأبو داود (3688)، وابن ماجه (4020)، وابن حبان في صحيحه (6758)، والحديث صححه السيوطي، والألباني في الصحيحة (90) )..

    واجب العلماء والدعاة اليوم

    فالواجب على كل ناصح أمين – لا سيما أهل العلم والدعاة – أن تتصاعد جهودهم لإنقاذ المخدرين، وتوعية عموم الأمة بخطورة المعاصي وبحجم المخاطر التي تهدد الهوية الإسلامية ..ومن ذلك:التذكير بأفذاذ الأمة الجديرين بأن يكونوا هم النجوم وهم القدوة، وعلى رأسهم رسول الله صلی الله عليه وسلم الذي كان كما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحه عري في عنقه السيف وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا»”33- [رواه البخاري (2627) ومسلم (2307)]..

    قال النووي رحمه الله تعالى: فيه فوائد: منها بیان شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس لهم، وحيث كشف الحال، ورجع قبل وصول الناس.45- [رواه مسلم (1776)]. اه.

    ومعنى فرس عري: أي ليس عليه سرج، وهذا من كمال شجاعته صلى الله عليه وسلم فإنه لم ينتظر حتى يسرج دابته استعجالا -ولم يغفل عن حمل سيفه – للدفع عن المسلمين ضد أية مخاطر محتملة..

    وعن البراء رضي الله عنه قال: “كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به”. يعني النبي صلى الله عليه وسلم55- [رواه مسلم (1776)]..

    وفي رواية قال: “فما رئي من الناس يومئذ أشد منه”66- البخاري (3042)..

    ومثله عن علي رضي الله عنه قال: “كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلی الله عليه وسلم، فما يكون منا أحد أدنى إلى القوم منه”77- رواه أحمد (1347)، وصححه الشيخ أحمد شاكر..

    ومعنى احمر البأس: أي اشتدت المعركة.

    وهكذا ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذه القدوة التي لا نظير لها، حيث لم يقعد آمنا في بيته في المواقف العصيبة، بل كان شجاعا مقداما يحمي أمته؛ فنشأ بهذه القدوة أجيال من الرجال أمثال الشاب الذي كان في حدود العشرين من عمره قائدا لجيش الإسلام وهو أسامة بن زيد رضي الله عنهما الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش قبل موته، وقد كان صلى الله عليه وسلم قبلها يمهد لتلك القيادة عمليا ونظريا؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “بعث النبي صلی الله عليه وسلم بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده »88- رواه البخاري (3730)..

    والنماذج التي تربت على منهج الإسلام كثيرة في التاريخ -لا يتسع المجال للتوسع في ذكرها-، وهم القدوات الحقيقية؛ قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك : إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال : أجلس مع الصحابة والتابعين..”99- سير أعلام النبلاء (8/398).. اه أي أنه يقرأ سيرهم، ويروي حديثهم .

    فيا شباب الإسلام هؤلاء هم من يقتدى بهم: الصحابة والتابعين، وهؤلاء من نبحث عن أخبارهم وأحوالهم، وليس من تقام لهم الاحتفالات والمهرجانات من الممثلين والمطربين والرياضيين ونحوهم الذين لا يحمون الأمة من المخاطر يوما ما، بل هم من يغري الجهلة وضعفاء الإيمان بالتخلي عن مهامهم المنوطة بهم وأشغالهم؛ فينفقون أوقاتهم وأموالهم لتصب في جيوب أولئك، ومن خلفهم من المنظمين لهذه الحفلات والمهرجانات الذين لن يخففوا مآسي أمة الإسلام، ولن يدافعوا عنها..

    فيا أيها العقلاء: إن كان عندكم مال فتصدقوا به على محتاج لتسدوا به حاجته فيسد الله حاجاتكم في الدنيا والآخرة .

    وإن عندكم وقت فلا تضيعوه فيما يضيع دینکم ويلهيكم عن الخير ونفع أنفسكم وأهلكم..

    ويا أيها الناصحون: علموا الشباب القدوة الحقيقة وحب العبادة وطلب العلم، وحب نصرة الدين ومؤازرة المستضعفين وحمايتهم، وعلموهم الاعتماد على النفس في طلب الرزق الحلال، وترك التفاهات وما يغضب الله عز وجل…

    أعز الله تعالى أمة الإسلام بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وعموم الصالحين..

  • الهوامش

    1- رواه مسلم (2901).

    2- ( أخرجه أحمد (22900)، وأبو داود (3688)، وابن ماجه (4020)، وابن حبان في صحيحه (6758)، والحديث صححه السيوطي، والألباني في الصحيحة (90) ).

    3- [رواه البخاري (2627) ومسلم (2307)].

    4- شرح مسلم (15/67-68).

    5- [رواه مسلم (1776)].

    6- البخاري (3042).

    7- رواه أحمد (1347)، وصححه الشيخ أحمد شاكر.

    8- رواه البخاري (3730).

    9- سير أعلام النبلاء (8/398).

  • اقرأ أيضا

  • من مراحل الترفيه النهي عن المعروف..!
  • الترفيه يتضمن العقوبة..!
  • حُماة الفضيلة .. وحِلف الرذيلة (3-3) الانتكاس وخطة المجرمين
  • في بلاد الحرمين .. جرعات الإباحية بالصدمات

التعليقات معطلة.