سورةٌ حملُها بركةٌ، وتركُها حسرةٌ، وتعجزُ عنها السحرةُ.. فما سرُّ هذه المكانة العظيمة؟ ولماذا سُميت بالزهراء؟ وما قصة البقرة التي جعلت منها عنوانًا لسورةٍ في كتاب الله؟
الزهراوان: فضائل سورة البقرة وآل عمران
جاء في فضل سورة البقرة أحاديث عديدة أكتفي منها بما يلي:
عن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ: السَّحَرَةُ)1([1]) مسلم: (804)..
آية الكرسي: أعظم آية في كتاب الله
ومن فضائلها أنها اشتملت على أعظم آية في كتاب الله عز وجل ألا وهي آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
فعن أبي بن كعب ري الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ)2([2]) مسلم: (810)..
خواتيم البقرة: آيتان تكفيان من قام بهما ليلة
ومن فضائلها أنها اختتمت بآيتين كريمتين قال عنهما النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)3([3]) البخاري: (5009)..
لماذا البقرة؟ قصة التسليم في وجه الاعتراض
سبب تسميتها سورة البقرة: سميت سورة البقرة بهذا الاسم لورود قصة بقرة بني إسرائيل فيها وذلك من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: 67].
ولكن تسميتها بهذا الاسم لم يكن لمجرد ورود اسم (البقرة) فيها فحسب، وإنما لما في سياقات القصة من معنى عظيم ومقصد شريف من مقاصد السورة، حيث جاءت آيات عديدة في السورة بين الله عز وجل فيها حقيقة التسليم لله عز وجل وأوامره ونواهيه باطنا وظاهرا، وذم في المقابل من اعترض على أحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه ولم يتلقاها بالقبول والتسليم ورتب على ذلك الإثم العظيم، فمن هذه الآيات:
- قوله تعالى في أول السورة في مدحه للمتقين: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تدبر لهذه الآية، وبيان ما تحمله من التسليم والإذعان لأخبار الله عز وجل وأحكامه؛ مما تقصر العقول عن إدراكه.
- ذمه سبحانه للمعترضين من بني اسرائيل على أوامر الله كما هو ظاهر في قصة (البقرة) واعتراضهم على أمر موسى عليه السلام بذبح بقرة وما تلا ذلك من المماحكات والتلكؤات في وصف البقرة وذمه لهم أيضًا في اعتراضهم على الله بتولية طالوت ملكا عليهم.
- ثناء الله عز وجل على خليله إبراهيم عليه السلام بقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
- في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).
- ثناؤه على أوليائه الذين سمعوا وأطاعوا واستسلموا وذلك في قوله سبحانه: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
الإيمان بالغيب: أصل الإيمان ومحك التسليم
تدبر قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) ، في قوله تعالى في الآية الثالثة من السورة في بيان بعض صفات عباده المتقين أنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) ، والإيمان بالغيب هو أصل الإيمان وقاعدته التي يقوم عليها، ولو تأملنا أصول الإيمان وأركانه الستة: (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر)، لوجدنا الإيمان بها قائم على الغيب والتسليم، فشجرة الإيمان لا تقوم إلا على ساق التسليم، والاعتراف بقصور العقل عن إدراك كيفيات الذات الإلهية وصفاته وأفعاله وأخباره وكل ذلك غيب تقصر العقول عن إدراكه، والواجب فيه الإيمان به على الغيب والتسليم، والإيمان بالغيب هو محك الإيمان ومقياسه وفضله بدليل أن الغيب اذا صار شهادة لا ينفع الإيمان بها حينئذ.
فنحن نؤمن بالآخرة وما يتقدمها من أشراط الساعة الكبرى، كل ذلك نؤمن به على الغيب كما جاءت به الأثار الصحيحة، فإذا تحقق هذا الغيب وأصبح مشهودًا فلا ينفع الإيمان به عندئذ لمن لم يؤمن به من قبل، كما قال تعالى عن خروج الشمس من مغربها -والذي يؤمن به المسلم على الغيب- فإذا خرجت الشمس من مغربها ورآها الناس فلا ينفع كافرا إيمانه حينئذ ولا ينفع المسلم المقصـرُّ أن يزداد عملا صالحاً بعدها، قال تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا).
وهذا التسليم هو أصل الإيمان وأساسه، وسمي المسلم بالمسلم لاتصافه بصفة التسليم حيث سلَّم لأخبار الله عز وجل وأخبار رسوله ص فلم يعارضها بعقل ولا رأي ولا ذوق ولا سياسة.
فسلم لما شرعه الله عز وجل وأحكامه ولم يعارضها بشهوة ولا شبهة ولا كيف؟ ولا لماذا؟
وسلم لأقداره وأقضيته فلم يعارض بالتسخط والظنون السيئة.
كيف تواجه من يعترض على أحكام الله؟
وهنا مسألة مهمة تتعلق بمن يثير بعض الشبهات حول بعض الأحكام الشرعية كإباحة الرق والتعدد والطلاق وفرض الجهاد، وذلك من قبل أعداء الدين من كفار ومنافقين وعلمانيين ولبراليين.
وأنصح لمن تطرح معه هذه المسائل من قِبَل القوم الظالمين؛ أن لا ينجر معهم بذكر الحِكَم من هذه الأحكام لأن هذا ما يريده الملبِّسون وكأن الإسلام في قفص الاتهام، حيث يطرحون إيراد بعد إيراد، إذن ما العمل معهم؟ إن العمل معهم أن يقال لهم: هل تؤمنون بأن المشـرع لهذه الأحكام هو رب العالمين فاطر السموات والأرض؟ فإن لم يؤمنوا؛ فضحوا أنفسهم واعترفوا عليها بالكفر. وإن أمنوا أن منزل هذه الأحكام هو فاطر السموات والأرض العليم الخبير؛ قلنا لهم: من أنتم حتى تعترضوا على شريعة رب العالمين: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، فهنا يلقمون حجرًا ولا يعودوا للأمر مرة أخرى.
ثم إذا سلم العبد لربه أخباراً واحكاماً وإرادةً وظهر له بعض الشبهات والتساؤلات؛ فمثل هذا ممكن أن تبين له الحِكَم الإلهية مما ظهر من التشـريعات الربانية.
أقسام الناس في مواجهة الدعوة: أربعة أصناف
ذكر الله عز وجل في العشـرين آية من أول السورة أقسام الناس ومواقفهم حين الدعوة إلى الإيمان.
- القسم الأول: المؤمنون باطنا وظاهرًا وهم المذكورون في الآية الثانية والثالثة والرابعة.
- القسم الثاني: الكافرون باطناً وظاهراً وهم المذكورون في الآية السادسة والسابعة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
- القسم الثالث: المؤمنون ظاهرا والكافرون باطنًا وهم المنافقون وقد استغرق الحديث عنهم وعن صفاتهم من الآية الثامنة إلى الآية العشـرين وبقي قسم رابع لم يذكر مع هذه الأقسام الثلاثة ألا وهو:
- القسم الرابع: المؤمنون باطنا والكافرون ظاهرًا وهي حالة طارئة تطرأ للمؤمنين حال استضعافهم وإكراههم على الكفر أو القتل فيضطرون إلى إظهار الكفر وقلوبهم مطمئنه بالإيمان اتقاء الأذى والقتل وهم المذكورون في قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: 106]، وفي قوله تعالى:(لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)[آل عمران: 28]، وفي قوله تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ) … الآية.
مخادعة الله: من اليهود إلى المنافقين المعاصرين
تدبر قوله تعالى: (خَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [البقرة: 9].
وهذه من صفات المنافقين الكثيرة؛ بل هي من سماتهم الأساسية حيث المخادعة لله عز وجل وللمؤمنين بإظهارهم الإسلام وإبطانهم الكفر: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) [التوبة:78].
وقد ظهرت صور معاصرة لهذه المخادعة والحيل الشيطانية التي تحايلون بها للتحلل من أحكام الشرع وتعدي حدود الله؛ وذلك بتأويلات فاسدة باطلة يغطون بها نفاقهم وكفرهم؛ حيث لا يتجرؤون بإعلانهم المحادة لله ورسوله ص، ورفضهم لشـريعة الله، وإنما يتحايلون بتأويلات فاسدة يشــرعنون بها مخالفاتهم للكتاب والسنة، وقدوتهم في ذلك اليهود أعداء الله ورسله، حيث تحايلوا في فعلهم للمحرمات بحيل يخادعون فيها الله ويخادعون بها الناس والله خادعهم، كما فعلوا ذلك في تعديهم في الصيد يوم السبت المحرم عليهم فيه الصيد فوضعوا الشباك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد، وقالوا: أنا لم نعتدِ يوم السبت، فمسخهم الله بذلك قردة وخنازير لخداعهم هذا، ولو أنهم صادوا في يوم السبت المحرم عليهم لكان ذلك أهون من خداعهم هذا، ومثل ذلك لما حرمت عليهم شحوم البقر والغنم أذابوها وباعوها وأكلوا منها.
الحيل الباطلة والتأويلات الفاسدة: صورة معاصرة لنفاق قديم
ومن جنس هذه المخادعات والحيل الباطلة؛ نرى اليوم من بني جلدتنا ممن ينسب إلى الإسلام الذين يتحللون من شريعة الإسلام بمثل هذه الحيل والمخادعات والتأويلات الباطلة4([4]) أنظر: إغاثة اللهفان (1/343)..
الهوامش
([4]) أنظر: إغاثة اللهفان (1/343).


