هل خطر ببالك أن كثيراً مما تسمعه اليوم من مسميات براقة، وما تراه من حملات إعلامية ضخمة، إنما هو تكرار لأسلوب قديم في التضليل، هو نفس الأسلوب الذي وبّخ الله به أهل الكتاب منذ آلاف السنين؟
آيتان في التحذير من لبس الحق بالباطل وكتمانه
10) تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71].
عموم اللفظ لا خصوص السبب: العبرة لكل من يخلط ويُضل
وهاتان الآيتان وإن كانتا قد نزلتا في أهل الكتاب ولا سيما اليهود الذين اشتهروا بذلك فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من كتم الحق وخلطه بالباطل وهو يعلم فهو من أهل هذه الآية.
سنوات خداعات: حديث النبي عن زمن يصدق فيه الكاذب
وقد حذرنا الرسول ﷺ من هذه السنين الخداعات بقوله: (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)1([3]) رواه مسلم: (2989)..
ظاهرة العصر: التضليل الإعلامي الأكبر في تاريخ البشرية
وقد ظهرت صور كثيرة من كتم الحق أو لبسه بالباطل في واقعنا المعاصر ضُلل بها كثير من الناس؛ حتى وصل ذلك إلى بعض الدعاة وطلاب العلم حيث انطلى عليهم هذا التلبيس، ووقعوا فيه عن حسن نية، بحجة التيسير على الناس، فبرروا بعض الانحرافات، وتأولوا الأدلة فضلوا وأضلوا.
وأحسب أنه لم يمر على البشـرية في صراع الحق مع الباطل من التلبيس والتضليل كما هو الحال في زماننا اليوم، وذلك أنه لم يسبق للبشـرية أن امتلكت من وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي كما تمتلكه اليوم، ومعلوم أن التضليل والتلبيس إنما يتولى كبره الإعلام بمجالاته المختلفة التي تقلب فيها الحقائق، فيصور الحق في صورة باطل، والباطل في صورة حق، ورغم خطورة هذا التلبيس والتضليل فإن مواجهته وفضحه لم تحصل بالقدر المطلوب من كثير من أهل العلم والدعوة، فنشأ من جراء ذلك فتن وفساد كبير.
أسلوبا الضلال: بين كتم الحقيقة وتزييفها بالشبهات
وفي هاتين الآيتين الكريمتين أن الضالين المضلين من دعاة الباطل يستخدمون في صدهم عن سبيل الله وصرف الناس عن الحق أسلوبين:
الأول: كتم الحق عن الناس وتجهيلهم به.
الثاني: فإن كان الحق أو بعضه وصل إلى الناس قاموا بتلبيسه وخلطه بالباطل وأظهروا الحق في صورة باطل والباطل في صورة حق، ويصلون إلى مكرهم وتضليلهم إلى أن يستخدموا بعض الشبهات والأدلة من الشـرع ولويها وتأويلها حتى يوهموا الناس أنهم على دليل.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فَإِنَّهُ مَنْ لَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَغَطَّاهُ بِهِ فَغَلِطَ بِهِ لَزِمَ أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ إذْ لَوْ بَيَّنَهُ زَالَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَبِسَ بِهِ الْحَقُّ)2([2]) مجموع الفتاوى: 19/194.. والذين يلبسون الحق بالباطل يدخلون في الآية السابقة في وصف المنافقين بقوله سبحانه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾.
خطر الملبسين من المنتسبين للعلم والدعوة
وقد يحصل التلبيس من بعض المسلمين الذين يقعون في بعض المعاصي، فبدلاً من أن يعترف بذنبه ويتوب يحاول أن يلبس ويبرر فعله ببعض الشبهات الشرعية التي يغطي بها ضعفه ومعصيته، وهو يعلم في قرارة نفسه أنها غير صالحة للاستدلال، وأخطر من هؤلاء بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة الذين وضعوا أنفسهم أداة في أيدي الظلمة والمفسدين في تزييف الحقائق وتبرير الظلم والباطل باسم الشريعة والدين.
بقي في هاتين الآيتين الإشارة إلى بعض صور التلبيس التي يحسن فيها القبيح ويقبح فيها الحسن ويلبس على الناس بها.
صور التلبيس المعاصرة: تقبيح الحسن وتحسين القبيح
فمن صور تقبيح الحسن:
- تسميتهم للدعاة والمجاهدين الصادقين بالإرهابين والتكفيرين.
- تسميتهم لجهاد الغزاة والطوائف المرتدة بالإرهاب والحروب الأهلية.
- تسميتهم لمن يثبت على عقيدة الولاء والبراء وتكفير من كفره الله ورسوله بالخوارج الغلاة.
- تسميتهم للأحكام الشرعية بالعادات والتقاليد والإرث الثقافي.
- تسميتهم للكافر بالآخر.
- تسميتهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالفتنة والتدخل في حرية الآخرين.
- تسميتهم للمصلحين بالمفسدين والمزعزعين للأمن والاستقرار.
ومن صور التلبيس في تحسين القبيح:
- تسميتهم للمفسدين بالمصلحين.
- تسميتهم للحكام الرافضين لشرع الله والمشرعين من دون الله ولاة أمر تجب طاعتهم.
- تسميتهم للتنازل عن أحكام الشريعة بالاعتدال والوسطية.
- تسميتهم للنفاق والمداهنة بالمداراة والعقل المعيشي.
- تسميتهم للقرارات الدولية ومحكمة العدل بالشرعية.
- تسميتهم للتنازل عن مُسَلَّمات هذا الدين بالضرورة البشرية.
- تسميتهم لتصحيح دين اليهود والنصارى بالإبراهيمية.
- تسميتهم لتبديل الدين وثوابته بتجديد الخطاب الديني.
- تسميتهم للاستسلام للأعداء وبيع أراضي المسلمين بالسلام والإخاء.
- تسميتهم للنصارى بالمسيحين واليهود بالإسرائيليين.
- تسميتهم للإلحاد وسب الدين بحرية الفكر والديمقراطية.
- تسميتهم لتغريب المرآة وإفسادها بحقوق الإنسان وحقوق المرأة.
- تسميتهم لفاحشة اللواط القذرة بالمثلية.
- تسميتهم للربا بالفائدة.
- تسميتهم للمكوس والمظالم المالية بالضرائب والجمارك.
- تسميتهم للمجتمعات العلمانية بالمجتمعات المدنية.
- تسميتهم للتنصير بالتبشير.
- تسميتهم للمؤسسات الإفسادية بمؤسسات الترفيه والترويح.
- تسميتهم للرويبضات التوافه بالمعالي والمستشار والسيادة.
- تسميتهم للخمور بالمشروبات الروحية.
- تسميتهم للساقطين من أهل الفن والكرة بالنجوم.
- تسميتهم للرشاوي بالهدايا.
- تسميتهم لتغيير خلق الله بالتجميل.
- تسميتهم للتصاوير والتماثيل لذوات الأرواح بالفن التشكيلي والتجريد.
مواجهة التلبيس: ضرورة التحذير والاعتزاز بالكتاب والسنة
هذه بعض صور التلبيس الخطيرة في واقعنا المعاصر والذي أنشأه اليهود الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، ولابد للمربين من أباء ومعلمين ودعاة وخطباء أن يحذروا من هذه التلبيس وأن يحذروا أولادهم وأولاد المسلمين من ذلك بالاعتصام بالله وبالكتاب والسنة.
وتعرية هؤلاء الملبسين واجتناب مجالسهم وكتبهم ومواقفهم، والحرص على مجالس أهل العلم الربانين والقراءة في كتبهم، ومتابعة نصحهم وتوصياتهم.
الآمر الناهي المخالف: تحذير من التناقض بين القول والفعل
11) تدبر قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2].
وقوله تعالى على لسان خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام مخاطبًا قومه المشـركين: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
وفي هذه الآيات بيان إثم من يأمر الناس وينهاهم ثم يخالفهم إلى ما نهاهم عنه وترك ما أمرهم بفعله.
قسمان من الناس: المنافق المخادع والمقصر المؤمن
والناس في هذه الصفة قسمان:
الأول: قسم منافق يظهر للناس ما لا يبطن وهذا دأبه في حياته وأخلاقه كلها يخادع الله والذين آمنوا وما يخدع إلا نفسه، وهذا قد توعده الله بما توعد به المنافقين من العذاب المهين، وهذا والله أعلم هو المعني بقوله ﷺ: (يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ)3([3]) رواه مسلم: (2989)..
الثاني: قسم ليسوا منافقين؛ وهم كثير من المسلمين ممن يحرص على فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، لكن تكون منه الفلتة والفلتتان في مخالفة ما يأمر الله به وينهى عنه، وهذا لا يدخل تحت الحديث السابق ولا سيما إذا بين للناس وهو يأمرهم بفعل معين، أو ينهاهم عن فعل معين؛ أنه لا يبرئ نفسه ويحاول مجاهدتها في الاستقامة على أمر الله.
هل يترك الداعية الأمر بالمعروف إذا وقع في المعصية؟
ومثل هذا الصنف لا ينبغي له أن يترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما يرى نفسه مخالفا لبعض ما ينهى عنه أو يأمر به.
ومن خوف السلف على أنفسهم أن يكونوا تحت طائلة هذه الآيات قال أحدهم: (ثلاث آيات في كتاب الله منعتني أن أعظ الناس وآمرهم وهي قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ … الآية)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ … الآية)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ … الآية). وفي قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾).
وفي هذه الآيات تنبيه من الله عز وجل لنا بأن لا ننسى أنفسنا من الوعظ والمحاسبة والدعوة إلى الله عز وجل في الوقت الذي ندعو فيه الناس إلى الله.
فلا تنسينا دعوة الغير إلى الله من دعوة أنفسنا إلى الله.
الهوامش
([1]) رواه ابن ماجه (4036)، وأحمد (7912)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3650).


