تصميم صور المنشورات 3 3

في رحلة التدبر القرآني، نقف على سنن كونية وإلهية تتجلى في صراع الحق مع الباطل، حيث يُفتن الطغاةُ أتباعهم بتسمية الفساد إصلاحاً، ويُوصي بعضهم بعضاً بالضلال، بينما يبقى علم الله المحيط فوق كل علم، وكفر الإباء والاستكبار أصل كل انحراف عن منهج الرسل.

7) تدبر قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) [البقرة: 11].

وقوله تعالى: ( إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) [البقرة: 13]، وهذه من المخادعات التي فضح الله بها المنافقين ومن في قلوبهم مرض وذلك بتسميتهم للفساد الذي يقومون به أنه الإصلاح وهذه شنشنة فرعونية قديمة تظهر في كل زمان ومكان يتصارع فيه الحق مع الباطل.

من فرعون إلى اليوم.. اتهام الأنبياء والمصلحين بالفساد

فهذا فرعون يقول عن نفسه: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29]، وفي المقابل يصف نبي الله موسى عليه السلام الذي جاء بالتوحيد وإنقاذ الناس من عبودية فرعون ويقول: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 26]، وقالها ملأ فرعون وحاشيته بعد هزيمتهم في المباراة بين موسى عليه السلام والسحرة، ثم إيمان السحرة (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: 127] ، وقالها قوم نوح لنوح عليه السلام: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأعراف: 60] ، وقالها قوم هود لهود عليه السلام: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) [الأعراف:66] ، وقال مشركو العرب عن النبي ص أنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون.

السياسة الواحدة للطواغيت.. تواصٍ على الباطل

ويقولها اليوم طغاة العصـر عن الدعاة والمجاهدين فيصفونهم بأنهم مفسدون، مزعزعون للأمن والاستقرار، طلاب حكم متطرفون، إرهابيون فئة ضالة، ويصفون أنفسهم بأنهم مصلحون، ويصفون تبديلهم للدين بأنه إصلاح ومصلحة، وأنهم هم الذين فهموا الدين، قال سبحانه وتعالى عن هذه السياسة الواحدة للطواغيت في الماضي والحاضر: (أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات: 53].

علم الله المحيط وقصور علم البشر

8) تدبر قول الله عز وجل: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30]، هذه الآية ردا من الله عز وجل على الملائكة حينما قالوا لربهم: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، فرد الله عز وجل عليهم بقوله: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، ومع أن الملائكة عندهم من العلم بالله وصفاته ما ليس عند البشـر فإن هذا العلم عندهم قاصر عن الإحاطة بعلم الله سبحانه الشامل وحكمته البالغة في خلقه لآدم وجعله خليفة وأن في ذلك من المقاصد والمصالح العظيمة مالا تعلمه الملائكة.

الأنبياء والملائكة.. علمهم محدود أمام علم الله

ويلي الملائكة في العلم بالله تعالى وصفاته وآثارها الأنبياء و الرسل؛ كما قال نوح عليه السلام لقومه: (وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62] ، ومع ذلك قال الله عز وجل له عندما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) [هود:45] ، قال الله له: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، وكما قال يعقوب عليه السلام لبنيه: (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف: 96]، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا)1([1]) رواه البخاري: (20)..

المؤمنون وعلم الله.. تسليم وتفويض

وأما سائر المؤمنين فقد جاء في القرآن وفي أربعة مواطن منه قوله تعالى:
ﭽ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَﭼ، في سورة البقرة موطنان الآية رقم (216) والآية رقم (232)، وفي سورة آل عمران الآية رقم (66) وفي سورة النور الآية رقم (19)، ويكفينا من تصوير نسبة علم الله إلى علم البشـر بما فيهم الأنبياء قول الخضـر لموسى عليهما السلام حينما رأيا عصفورًا نقر في البحر نقرة: (مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلاَئِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ)2([2]) رواه البخاري: (4727)..

ثمرات استقرار حقيقة علم الله في القلب

إن استقرار هذه الحقيقة في قلب المسلم تثمر تعظيمًا ومحبة لله تعالى ورضى وتسليمًا لأحكامه الكونية والشــرعية مما ينتج عنه طمأنينة في القلب وحسن ظن بالله عز وجل وإذهابًا لليأس والقلق والاضطراب والإحباط؛ فإنه سبحانه يعلم ما لا نعلم، كما يثمر تطامنًا وأدبا مع الله تعالى حينما يدرك المسلم شمول علم الله تعالى للظواهر والبواطن ولكل ما سكن في الليل والنهار، ويقابل ذلك القصور الشديد في علمه وعقله؛ فيسلم أمره إلى ربه ويفوض أمره إليه، فيقوى بذلك توكله على الله ورجاؤه لرحمته التي يحددها ويقررها الله تعالى له لا ما يقررها العبد لنفسه، وإذا علم العبد أن ربه أعلم منه بمصلحته، وأرحم به من نفسه، وأقدر على تحقيقها منه ومن غيره، نفض يده وقلبه من التعلق بالمخلوق الضعيف المحدود في علمه ورحمته وقدرته، وحصـر تعلقه وتوكله بالذي يعلم ولا نعلم ويقدر ولا نقدر وهو علام الغيوب سبحانه.

كفر الإباء والاستكبار.. قصة إبليس وعصيان آدم

9) تدبر قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34].

يحسن أن يذكر مع هذه الآية الآيتان في سورة الحجر وسورة ص والتي ذكر الله سبحانه سبب كفر إبليس ففي سورة الحجر قال الله عز وجل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) [الحجر:28-31 ].

وفي سورة ص يقول الله عز وجل: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [ص: 71-74].

إذن فعندنا ثلاث آيات في كتاب الله عز وجل يبين الله فيها سبب كفر إبليس، ففي سورة البقرة يبين سبحانه أن سبب كفره أنه أبى واستكبر فقال: ( أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ ) ، فجمع بين الإباء والاستكبار، وفي سورة الحجر بين أن سبب كفره الإباء والرفض فقال: ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ) ، وفي سورة ص بين أن سبب كفره الاستكبار فقال: ( إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ )، وجمع بين الإباء والاستكبار في سورة البقرة كما ذكر آنفا، وكفر الإباء والاستكبار هو سبب كفر أكثر بني آدم ممن وصلهم الحق وبناء على ذلك نستطيع أن نعلم متى يكون فعل المعصية كفرًا مخرج من الملة، ومتى تكون كغيرها من المعاصي التي لا تخرج من الملة ولا يكفر فاعلها، وذلك بالتفريق بين معصية إبليس المكفرة ومعصية آدم عليه السلام غير المكفرة، وكلاهما فعل معصية.

التفريق بين معصية آدم غير المكفرة ومعصية إبليس المكفرة

فأما آدم عليه السلام فعصـى ربه في نهيه عن الأكل من الشجرة لا إباء واستنكارا ولكن شهوة في البقاء في الجنة؛ في الملك العظيم، ولذا لما وقعت منه هذه المعصية سارع بالتوبة والإنابة والاعتراف بالذنب، فقال الله عنه وعن زوجه: ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )[الأعراف: 23] ، وأما إبليس فإنه رفض أمر ربه وأبى وتكبر على الأمر، وهذه المعصية من إبليس هي التي يسميها أهل العلم كفر الإباء والاستكبار، لذا بقي إبليس على معصيته ولم يتب منها ويعترف بالخطيئة؛ بل استمر في تكبره وإبائه وسأل الله عز وجل أن ينظره إلى يوم البعث لإضلال بني آدم، وفي هذا رد على من يقول: إن العبد لا يكفر إلا إذا كان جاحدًا لأمر ربه أو مستحلاً، فإن إبليس لم يكن سبب كفره الجحود والاستحلال وإنما كان سبب كفره الإباء والرفض والاستكبار مع علمه أن هذا أمر الله فلم يجحده.

وبهذا البيان يتم التفريق بين معصية آدم عليه السلام غير المكفرة وبين معصية إبليس المكفرة.

ضابط التكفير بالمعصية.. الإباء والاستكبار أم الضعف والشهوة؟

ويقاس على ذلك كل معصية يعلم من الدين بالضـرورة أنها معصية، فإن كان فاعلها يُقرُّ بها أنها من شرع الله ويُقرُّ بحرمتها وأنه فعلها ضعفًا وشهوة لا إباء واستبكارًا، فإن فاعلها والحالة هذه يُعَدُّ عاصيًا وليس كافرًا كمعصية آدم عليه السلام، وأما إن فعلها استحلالًا أو يعتقد حرمتها، ولكنه يرفض القبول والإذعان، ويستكبر على الأمر فإن فاعل هذه المعصية والحالة هذه كافر خارج من الملة كما كفر بذلك إبليس أعاذنا الله منه.

الهوامش

([1]) رواه البخاري: (20).

([2]) رواه البخاري: (4727).

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة الفاتحة

تدبرات وهدايات من سورة البقرة(1)

التعليقات معطلة