إن القرب من الله لا يُختزل أبدا في الأرقام المصمتة أو الوصول السريع كما يتصور الناس…أحيانًا يطول الطريق ثم يُزاد عليك ثم يمتد الانتظار أكثر… ثم يكتمل الاصطفاء بعد الصبر الطويل.
حضورٌ لا يخطئه القلب
افتح المصحف كيفما شئت وتدبر ما بين دفتيه أينما شئت.
في سورة طويلة أو قصيرة.. ابدأ من البقرة، أو انعطف نحو الأعراف، أو سر قليلًا في طه، وامضِ مع القصص والشعراء ويونس؛ سيطالعك اسمه في كل مرة..
وستشعر بذلك الإحساس الذي لا يخطئه قلب عاش طويلًا مع القرآن..
كأنه يسير معك بين جل صفحات كتاب الله..
ستسمع وقع خطاه الخائفة في شوارع منف القديمة، ورنين عصاه على صخرة في طور سيناء.
سترى خشخشة التابوت فوق صفحة النيل، وارتجافة قلبه وهو يلتفت خائفًا يترقب، وصوت البحر وهو ينفلق. ثم ذلك الصمت المهيب فوق الطور في لحظة التكليم.
حضورٌ كثيفٌ، متكرر، لا يخطئه قلب متدبر عاش طويلًا مع القرآن.
تكرار يفرض نفسه
مائة وأربع وثلاثون مرة يُذكر فيها سيدنا موسى باسمه الصريح بخلاف المساحات الشاسعة التي تتردد فيها ظلال قصته، وخوفه، ودعاؤه، وصراعه، وغربته، وغضبه، وتيه قومه، وتكليمه..
تكرار جعل البعض يصرح بالعبارة المدهشة:
“كاد القرآن أن يكون لموسى وقومه”.
هذه ليست مبالغة بلاغية كما قد تبدو لأول وهلة..
هي ملاحظة بديهية يفرضها هذا الحضور الواضح الذي يلاحقك بين صفحات المصحف أينما اتجهت.
لماذا هذا الإصرار على التكرار؟
والقرآن لا يفيض بالتفاصيل بغير غاية، ولا يكرر القصص لمجرد التأثير العاطفي أو ملء مساحات السرد…حاشا وكلا.
حين تتكرر قصة بهذا الإصرار، وبهذه الزوايا المتعددة، فنحن أمام محور ضخم تدور حوله معانٍ تتجاوز حدود الحكاية نفسها.
لو أن للقرآن تضاريس وجغرافيا، لكانت سيرة موسى هي سلسلته الجبلية الأطول..
والأكثر وعورة.
لا يمكنك أن تعبر هذا الكتاب الخاتم الذي لا يأتيه الباطل دون أن تمر بهذا الجبل مرارًا وتكرارًا.
جوهرة متعددة الأوجه
وكلما أعدت قراءة قصة موسى، شعرت أن القرآن لا يكررها أصلًا… وإنما يديرها كجوهرة متعددة الأوجه؛ كل سورة تسلط ضوءًا مختلفًا على موضع جديد من روح القصة.
في “طه” سترى الحفاوة والطمأنينة والتربية الهادئة.
وفي “القصص” سترى البناء الخفي منذ لحظة التابوت مرورا بكل المخاوف التي تنتهي بالسكينة.
وفي “الأعراف” سترى صخب الجماهير وتمرد النفوس.
وفي “الشعراء” ترى المواجهة النهائية مع الجمع يوم عاشوراء.
وفي “الكهف” سترى سيدنا موسى في مقام المتعلم المتواضع أمام الخضر.
وفي “النمل” ترى لحظة النداء الأولى وسط رهبة الصحراء.
كأنه لا يظهر في القرآن كشخصية واحدة فقط ولكن كعالم كامل تتحرك بداخله طبقات النفس البشرية كلها.
لماذا موسى تحديدًا؟
وليبرز السؤال المتوقع طبعًا..
لماذا؟
لماذا موسى؟
هو سؤال قد لا يظهر دفعة واحدة وإنما يتسلل ببطء إلى القلب مع كثرة التلاوة، وتكرار المرور على السور، حتى تكتشف فجأة أنك كلما ابتعدت في المصحف… عدت إليه من جديد.
لماذا هو تحديدًا؟
لماذا يحتل هذا النبي المكلم كل هذه المساحة من القرآن؟
ولماذا تبدو قصته كأنها العمود الفقري التاريخي والتربوي والنفسي لهذا الكتاب العظيم؟
مرآة تاريخية للأمة المستخلفة
أتراه لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الأمة المستخلفة الأخيرة، وكان لا بد لها أن تدرس بعين مفتوحة التجربة السابقة لها بين الأمم؟
ربما..
بنو إسـرائيل لم يكونوا مجرد قوم عابرين في التاريخ.. لقد كانت أمة حملت شريعة ضخمة، واحتكت بالطغيان والاستضعاف والتمكين، وعاشت الانتصارات والهزائم، والتيه والعودة، ثم تفرقت بها السبل حتى قست القلوب وجفت الأرواح.
القرآن يضعنا هنا أمام مرآة تاريخية واضحة المعالم.
يريك كيف تبدأ الأمم قوية بالمعجزات، ثم تتآكل من الداخل ببطء مميت.
كيف يتحول إعجاز مبهر كشق البحر إلى ذكرى باردة وكيف تقف الجماهير التي عبرت أعماق يمٍ مغرق بالأمس ثم بعد أيام تطلب إلها صنما حين يمرون بعابدي أوثان!
ثم بعد حين تسجد الأمة عاكفة أمام عجل ذهبي تطلب منه البركة والخلاص.
تلك النفسية القلقة التي تجادل في لون البقرة مأمور بذبحها وتملّ من طعام السماء، وتطلب رؤية الله جهرة ليست مجرد قصة قديمة.
إنها النفس البشرية حين يفسدها الجدل، وتستعبدها المادة، وتفقد دهشتها أمام المعجزات.
وكأن معاني الوحي تقرع أجراس الإنذار مبكرًا لهذه الأمة..
انتبهوا… هذا الطريق قد سلكه غيركم من قبل.
عقدة ممتدة في تاريخ الرسالات
قد يكون هذا سبب تفصيل قصة موسى وقومه في القرآن..
أم لأن بني إسرائـيل أنفسهم سيظلون عقدة ممتدة في تاريخ الرسالات؟
قوم معقدون نفسيًا بصورة تثير الذهول. ينجون ثم يتمردون.
يرون الآيات ثم يجادلون.
يؤمنون ثم يرتدون ثم يتوبون ثم يعودون..
نفوس لا تستقر طويلًا على حال كما ترى..
والقرآن لا يحكي لنا تاريخهم وحسب وإنما يفكك أمامنا تركيبًا بشريًا سيتكرر كثيرًا عبر العصور وستتبعه الأمة أو بعضها.
لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟». 1متفق عليه.
النموذج الأوضح للصراع الأبدي
أم كان هذا التكرار الكثيف والتفصيل المدهش لأن قصة موسى هي النموذج الأوضح للصراع الأبدي بين الحق والباطل؟
أنت لا تطالع في قصة موسى مواجهة تقليدية بين نبي وطاغية ولكنك تقف أمام موسوعة هائلة لتشريح الصراع البشري في أوضح صوره وأعنفها وأكثرها تعقيدًا.
القرآن جمع في هذه السيرة أغلب الأنماط التي يمكن أن ينتجها الاجتماع الإنساني حين يفسد، ثم كشفها طبقةً طبقة أمام عينيك.
وجوه الباطل التي اصطدم بها موسى
نبي الله موسى اصطدم تقريبًا بكل الوجوه التي يعيد التاريخ إنتاجها بلا توقف.
واجه فرعون… كنموذج صارخ لتأليه البشر..
حين يتحول إنسان من مجرد بشر إلى “مرجعية مطلقة”، وحين تصبح القوة عقيدة والخوف نظام حياة.
فرعون كان نموذجا للتسلط بلغ به جنون العظمة أن يقول لقومه: “أنا ربكم الأعلى” [النازعات -٢٤] و “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي”[القصص ٣٨]
لكن المواجهة لم تقتصر عليه.
لقد واجه موسى كذلك “الملأ”
تلك الطبقة التي تتغذى على الفساد، النخبة المنتفعة التي تدرك الزيف، لكنها تحرص على بقائه..
الوجوه الناعمة والعقول التي تعرف الحقيقة ثم تبيعها بثمن بخس!
وواجه موسى هامان…
العقل المدبر، والذراعَ التي تحوّل إلى إرادة فرعون إلى واقع، ذلك النموذج الذي يضع خبرته ونفوذه وهندسته في خدمة الباطل ويوقد له على الطين صرحا ليصير أكثر إحكامًا وقدرة على البقاء.
واجه أيضا قارون…
الوجه الآخر للفساد..
النموذج الذي يرى الثروة دليل استحقاق شخصي مطلق: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص -٧٨] فيتحول المال من نعمة إلى صنم ناعم يبتلع القلب ببطء.
وواجه موسى السحرة…
آلة التزييف الكبرى.
أولئك الذين يصنعون الوهم، ويعيدون تشكيل إدراك الناس حتى يبدو الباطل حقيقة مرئية تخطف الأبصار.
وفي كل عصر يتغير شكل السحر لكن وظيفته تظل واحدة: تزيين الباطل، وصناعة الخوف، ثم يبرز السامري… ذلك النموذج الأخطر والأكثر تعقيدًا.
الانتهازي الذي لا يحارب الدين من خارجه، هو يتسلل إلى الداخل.. ويستخدم لغة الإيمان ليصنع صنمًا جديدًا.
يتلاعب بالمقدس، ويعيد تشكيل الضلال في هيئة عبادة مقنعة، حتى يضل الناس وهم يظنون أنهم يقتربون من الله.
لم يكن السامري مجرد رجل نُفي في الصحراء بعد نسف عجله الذهبي، لقد كان إعلانًا مبكرًا عن ذلك النوع من البشر الذي سيظهر في كل زمن، من يصنعون أصنامًا جديدة بأسماء براقة، ويمنحون الناس نسخة مريحة من التدين لا تكلفهم مواجهة أنفسهم.
المواجهة الأشد إيلامًا: مع القوم المرهقين
ثم تأتي المواجهة الأشد إيلامًا وطولًا وتكرارًا، مواجهة موسى مع قومه الذين أنقذهم الله به..
جماهير بني إسـ.رائـ.يل المتقلبة التي تريد النجاة دون ثمن.
تصرخ تحت السياط طالبة الخلاص، فإذا جاءها ارتجفت منه.. بل ورفضته!
إن النفوس إذا اعتادت الذل طويلًا تخاف المسؤولية أكثر مما تخاف القيد.
لهذا خرجت منهم تلك الجملة الكاشفة للنفس البشرية في أتعس لحظاتها وهم يقولون لمنقذهم ومن أراهم الله الآيات على يديه: {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف -١٢٩].
جملة موجعة.
كأنهم يقولون لموسى: وما جدوى رسالتك إذا كان الطريق ما زال مليئًا بالألم؟
وهذه واحدة من أقدم أزمات البشر مع الحق؛ أنهم يريدون النجاة الفورية والانتصار السريع، والطريق القصير الخالي من التكاليف.
فإذا طال البلاء، أو تأخر الفتح، بدأ التذمر، ثم الحنين الخفي إلى أيام استضعافهم القديمة، لأنها كانت – على قسوتها – أكثر استقرارًا وأقل تكلفة من السير في طريق التحرر الطويل.
كل تلك الأنماط كانت حاضرة بقوة داخل قصة موسى وقومه.
عصا خشبية في يد رجل وحيد… في مواجهة فرعون، وهامان، وقارون، والسحرة، والجنود الإمبراطورية الضخمة، والخوف الذي يلف الناس كالدخان.
تفاصيل الصراع الداخلي في نفس موسى
ثم يتسع المشهد أكثر.
هنا لن ترى في موسى فقط تفاصيل الصراع الخارجي، سترى كذلك تفاصيل الصراع الداخلي داخل النفس البشرية.
نحن هنا أمام رسول مكلم من أولي العزم… نعم.
لكن القرآن لا يقدمه في صورة الكائن الأسطوري الآلي منزوع المشاعر والانفعالات.
القرآن يقدمه إنسانًا حقيقيًا، يمشي وسط الخوف، ويتألم، ويتردد، ويشتاق، ويغضب، ويُرهق، ثم يعاود الوقوف من جديد.
تراه خائفًا يلتفت وراءه: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص -٢١].
وتراه يرتجف داخليًا قبل مواجهة السحرة: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} [طه -٦٧].
وتراه منهكًا جائعًا غريبًا يجلس مفتقرا تحت ظل شجرة في مدين، لا يملك شيئًا إلا مناجاته..{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص ٢٤].
ثم تراه في مشهد آخر والغضب العارم يجعله يُلقي الألواح ويأخذ بلحية أخيه حين يرى قومه يعبدون العجل.
تراه متعلمًا متواضعًا يقف أمام الخضر طالبًا للعلم.
وتراه مرهقًا من قومه حتى يكاد الحزن يطحن روحه.
وتراه مشتاقًا إلى ربه شوقًا تجاوز حدود الاحتمال البشري: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف -١٤٣].
كتالوج النفس البشرية
لهذا تبدو قصة موسى أحيانًا وكأنها “كتالوج” كامل للنفس البشرية وهي تتحرك داخل هذا العالم.
الخوف…الهجرة…الغربة…الفقر…الغضب…القيادة…الخذلان…الألم الداخلي…الصبر…الإنهاك النفسي…المواجهة…النجاة…الاشتياق إلى الله.
كل شيء تقريبًا مرّ به سيدنا موسى.
تمهيد للأمة الخاتمة
لعل هذا تحديدًا هو ما جعل شريعة موسى أقرب الشرائع تمهيدًا للإسلام.
الأنبياء ليسوا سواء في طبيعة رسالاتهم.
هناك رسالات يغلب عليها الطابع الفردي..
اختبارات للنبي نفسه..
التطهير الروحي الداخلي والحالة التي تخيم عليه الخلوة والإيمانية..
أما سيدنا موسى فجاء بأمة كاملة، وشريعة ضخمة، وتغيير حضاري شامل مع أكبر قوة في عصره.
لهذا تمتلئ قصته: بالأحكام، والسياسة، والقضاء، والقيادة، والتشريع والحرب، والآلام النفسية، وإدارة الأمة بعد النجاة.
كأنها تدريب مبكر للأمة الخاتمة التي ستأتي بعده بقرون …
أمة ستواجه بدورها أكابر مجرميها، وملأ منتفعين، وجماهير متعبة، وصراعًا طويلًا بين الإيمان والمادة وبين التوحيد والشرك والحق والباطل.
صلة الروح بين محمد وموسى عليهما السلام
لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى في أخيه موسى شيئًا قريبًا من روحه كلما اشتد الأذى، حتى خرجت منه تلك العبارة المليئة بالمحبة والرفقة الخفية أثناء التعرض للإيذاء: «رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
كلما اشتد أذى قريش… عاد موسى إلى صدارة المشهد..
كلما تكالب المشركون… برز موسى.
وكلما ضاقت الطرق… تذكر موسى.
وكأن بين الروحين صلة خفية لا يخطئها القلب.
السر الأعمق: عناية استثنائية منذ البداية
ومع ذلك تبقى كل هذه التفسيرات تفسيرًا للرسالة أكثر منها تفسيرًا للرجل نفسه.
فما الذي جعل موسى يحتل هذا الموقع الفريد في الوجدان القرآني؟
رغم كل ما سبق من الأسباب الحضارية والتربوية والفكرية يظل هناك سر أعمق من ذلك كله.
سر يتعلق بالرجل نفسه.
بمقام سيدنا موسى.
نحن هنا نتحدث عن إنسان أحاطته عناية استثنائية منذ اللحظة الأولى.
روح جرى تشكيلها في أروقة الغيب بطريقة مختلفة، كأن الأقدار كلها كانت تُدفع دفعًا لصناعة هذا القلب.
دفء الخطاب الإلهي لموسى
تأمل فقط طبيعة الكلمات التي قيلت له.
ستشعر أن اللغة القرآنية هنا مختلفة. أقرب.
أشد دفئا وقربا بطريقة تذهل القلب المتدبر.
كلمات الله عن سيدنا موسى ليست مجرد أوامر وليست خطاب تكليف جافًا.
هناك دفء ينساب بين الكلمات.
حفاوة واحتضان.
قرب يكاد يهز الروح من الداخل.
{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} [طه -١٣].
أي كلمة هذه؟
من بدايات ما سمعه موسى من وحي، كم نحتاج إلى مثل هده الكلمة..
من منا لم يقض عمره يركض في هذا العالم الموحش البارد بحثًا عن معنى يخبره أنه “مرئي”…
أنه ليس ذرة مهملة…
أن لحياته معنى وقيمة؟
لكن هذه الكلمة مباشرة من رب العالمين إلى عبد يرتجف وحيدًا في وادٍ موحش لها قيمة أخرى وأثر مختلف {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ}.
ثم تأتي عبارة أشد رقة، وأعمق أثرًا على القلب: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه -٣٩].
محبة ممن؟
من الله.
تأملها طويلًا…
هي ليست ثناءً متأخرًا بعد سنوات من الطاعة، ولا وسامًا يُمنح بعد اجتياز الابتلاءات..
هي محبة تُلقى فوق ملامح رضيع منعدم الحيلة، مطلوب للذبح بسيوف أقوى من في هذه الأرض من البشر.
محبة تغيّر حركة العالم من حوله.
تعطل قرار فرعون، وتشُلّ يده، وتجعل قلب امرأته يختلج لأجل رضيع كان من المفترض أن يصبح رقمًا جديدًا في قائمة الذبائح الفرعونية.
ثم تأتي العبارة التي يكاد القلب يعجز عن تجاوزها كلما قرأها..{وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} [طه -٣٩].
يا الله…
أي رعاية هذه؟
أي قرب؟
أي مودة تفيض من بين الكلمات؟
إعداد هذا الكليم لحظةً بلحظة لم يكن مسؤولية البشر..
العناية لم توكل لمخلوق..
إنها عناية إلهية
كأن ربه يخبره: لم تكن وحدك يومًا.
كنت أراك منذ البداية.
أبصر ارتجافة أمك وهي تضعك في التابوت بقلب يتمزق..
أسمع بكاءها المختنق وهي تدفعك إلى النهر بيدين ترتعشان بين الإيمان بالقضاء وفطرة الأمومة الخائفة.
كنت أدبر حركة الماء، وتوقيت مرور التابوت، وتقلبات القصر، وخطوات الجنود، وجوعك، ورفضك للمراضع، حتى تعود إلى حضن أمك مرة أخرى.
لم تكن حياتك سلسلة مصادفات جعلتك تنجو بأعجوبة…
لقد كنت تُصنع.
عملية صناعة روحية متكاملة
هنا تتجلى فرادة نموذج سيدنا موسى.
نحن أمام عملية صناعة روحية متكاملة. كأن أطراف التجربة البشرية جُمعت بأكملها، ومُرر هذا الرجل عبر أفرانها واحداً تلو الآخر، ليُصهر ويُعاد تشكيله، حتى يخرج قلبه صالحاً للوقوف في ذلك المقام الفريد..
أن يقود أمة مضطربة عبر بحر وصحراء وتيه وصراعات لا تهدأ.
قريب منا كبشر
إن سيدنا موسى شديد القرب منا كبشر..
أو بالأحرى، نحن نرى في مراحل حياته صفات منا.
الإنسان المرهق، الخائف، المحمل بأطنان من الأعباء، والذي يحاول أن يبقى صامداً وسط فوضى قاسية.
أنت تلمس هذا الإنسان بوضوح.
تراه حين ترتجف نفسه من الداخل {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} [طه -٦٧]
وحين يخرج طريداً مهددا..{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص -٢١]
وحين يؤلمه الجوع والفقر {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص ٢٤].
تلمحه متعلما خفيض الجناح أمام الخضر. وغاضباً يلقي الألواح آسفا على انحراف قومه وقائداً واجه العناد والخذلان.. ومحباً يذيبه الشوق فيسأل الرؤية: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف -١٤٣].
هذه المساحة القرآنية الشاسعة هي مساحة الإنسان وهو يعبر التيه والضعف والانكسار مبتغيا عن اليقين عاجلا إلى ربه ليرضى.
كل المشاعر كانت تسكن هذه الرحلة وتصاغ عبر هذا الإعداد الطويل الذي لم يكن ترفاً سردياً.
لقد كان ضرورة حتمية لتهيئة قلب سيُحشر يوماً في زاوية صفرية؛ بحر مغلق من أمامه، وجيش جبار يزحف من خلفه لإبادته، ثم يُطالب بأن ينطق بيقين يخرق قوانين الفيزياء والمنطق معاً {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء -٦٢].
الخاتمة: الاصطناع للنفس
مسار طويل ومذهل بدأ بصرخة رضيع مكتومة داخل تابوت خشبي يتقاذفه الموج..
ثم مر بقصر، وصحراء، وجبل، وبحر، وتكليم..
ولينتهي بكلمة واحدة حسمت الأمر، ولخصت السر كله:
{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه -٤١].
الهوامش
1- متفق عليه
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا.


