هل يمكن لأمَّةٍ أن تعمى عن أخطر ما يهددها وهو أمام عينيها؟
هكذا كان فرعون يبحث عن موسى في كل مكان.. وهو ينمو تحت سقف قصره!
قصة موسى بين تجربة “الغوريلا” وقصر فرعون
هل يمكن لأمَّةٍ أن تعمى عن أخطر ما يهددها وهو أمام عينيها؟
هكذا كان فرعون يبحث عن موسى في كل مكان.. وهو ينمو تحت سقف قصره!
عام 1999 أجرى دانيال سيمونز وكريستوفر تشابريس، الباحثان في جامعة هارفارد، تجربة نفسية شهيرة زلزلت ثقة المجتمع العلمي في انتباه البشر وإدراكهم البصري.
لقد عرضوا على المشاركين مقطعًا مرئيًا فيه مجموعة من اللاعبين يمررون كرة سلة، وطلبوا منهم مهمة واحدة بسيطة لكنها تتطلب تركيزًا شديدًا..
“احسبوا عدد التمريرات لأحد الفريقين فقط”.
في منتصف الفيديو، يدخل شخص بين اللاعبين مرتديا بدلة “غوريلا” سوداء كاملة.
يمشي ببطء وسط اللاعبين..
يقف أمام الكاميرا..
يضرب على صدره بيديه كعادة الغوريللا ثم يخرج بهدوء!
المشهد العجيب استغرق 9 ثوانٍ كاملة.
لكن كانت هناك مفاجأة!
بعد انقضاء المقطع أكد أكثر من نصف المشاركين في التجربة أنهم لم يروا الغوريلا قط..
عن أي غوريللا تتحدثون؟
هذه مجرد مباراة كرة سلة عادية!
رغم أن المشهد كان شديد الغرابة وجاذبًا جدًا للانتباه كما لك أن تتصور لكنهم أقسموا جهد أيمانهم أنهم لم يروا شيئًا غريبًا قط.
لماذا؟
ببساطة لأن أدمغتهم كانت “محجوبة” بالتركيز على “الكرة” وعد التمريرات.
أطلق العلماء على هذه الظاهرة: “العمى غير المقصود” (Inattentional Blindness).
العين قد ترى، لكن العقل “يحذف” المشهد من الإدراك لأنه لا يخدم “الهدف” الحالي الذي ينشغل به.
أفضل مكان للإخفاء.. تحت أعين الجميع
هذه التجربة ليست مجرد خداع بصري أو مشهد مسلٍ، بل هي انعكاس لقاعدة نفسية التقطها الأدب ببراعة قبل هذه التجربة بعقود.
في قصة “الرسالة المسروقة” لإدغار آلان بو، تقف الشرطة عاجزة تماما.
يبحثون عن رسالة خطيرة.
يمزقون الستائر، ويفتشون خلف اللوحات، ويحفرون تحت ألواح الأرضية، لكنهم لا يجدون شيئا.
السبب في القصة لم يكن براعة إخفاء الرسالة في قبو معتم أو خزانة حديدية.
السبب أن السارق وضعها في أكثر الأماكن وضوحا.
لقد تركها على الطاولة في منتصف الغرفة!
القاعدة النفسية الغريبة التي اعتمد عليها هي أن أفضل مكان لإخفاء شيء تخاف عليه = أن تضعه تحت عيني من يبحث عنه مباشرة.
العقل البشري يبرمج نفسه على البحث في الزوايا المظلمة، ويعمى تماما عما هو مكشوف أمامه في النور.
القرآن يروي القصة نفسها قبل الجميع
قد تبدو لك الرواية خيالية والتجربة محض فانتازيا لكن هذا ما سجله التاريخ وذكره له القرآن مفصلا في قصة سيدنا موسى عليه السلام.
لقد قضي فرعون عمره يحارب عدوا لم يولد بعد. يستنزف الأموال ويزرع العيون في الطرقات، ويلاحق الرضع، ويخنق كل احتمال يتصور أنه قد يهدد بقاءه ثم يكتشف في النهاية أن الخطر الذي كان يهرب منه، كان ينمو طوال الوقت تحت أنظاره.
كلما أحكم إغلاق الأبواب و ظن أنه سيطر على المستقبل كان ما يحذر ماكثا في مكان لا يخطر له على بال حيث يبدأ مستقبله في التشكل.
لو طُلب منك أن تختار أكثر مكان أمنا لطفل يطارده فرعون، فآخر بقعة يمكن أن تخطر ببالك هي قصر فرعون نفسه.
ولو قيل لك إن الملك الذي جند الجنود بحثا عن رضيع بعينه سوف يتكفل بطعامه وشرابه وتعليمه ورعايته كأنه أمير؛ فلربما يطيش عقلك.
لكن حدود الخيال البشري أضيق من أن تحيط بمسارات القدر.
والنجاة لا تأتي دائما من الجهة التي نحتسب.
بل قد يتحول الخطر نفسه إلى وسيلة للحفظ، ويصبح الخصم حارسا لما يخشاه.
بلاغة القرآن: طيّ الزمن في كلمة واحدة
وحين يقص علينا القرآن هذا الترتيب القدري العجيب، فإنه لا يسرد التفاصيل كمدونات التاريخ.
إن في السرد القرآني طياً للزمن هو جزء من بلاغته وإعجازه.
يمر الوحي أحيانا على عقود كاملة بكلمة واحدة، ويتوقف عند لحظة لا تتجاوز دقائق معدودة فيملأها بالدلالات وتتكرر حتى تتقرر.
هذا ما حدث مع تلك الفترة من قصة موسى عليه السلام..
فترة النشأة!
سنوات موسى الأولى داخل القصر الفرعوني.
أحد أعجب ما طواه القرآن من أحداث..
هذه الفترة قد تحمل قدرا من الأسئلة..
كيف عاش موسى؟
كيف تشكل وعيه؟
كيف عرف قومه وأدرك أنه منهم ورأى معاناتهم؟
وكيف خرج من بيت يدّعي صاحبه الألوهية والربوبية؛ بقلب موحد يتعلق بالله عند كل شدة ويكرر نداءه في كل أزمة “ربِّ” ؟
تفاصيل إجابت تلك الأسئلة لن تجدها في مواضع قصة موسى في القرآن الذي يطوي هذه السنوات كلها في آية واحدة.
“وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”
كأن عقودا كاملة مرت بين طرفي هذه الآية.
يكفيك أن تدرك اكتمال الإعداد الأولي وبدأ اصطناع الله لموسى في الخفاء..
ثم حان وقت تحرك الأحداث.
وتلك القدرة التي حفظته في اليم رضيعا كانت تدبر كل خطوة من خطوات نموه.
لماذا القصر بالذات؟
لقد نشأ موسى داخل القصر.
وهذه الحقيقة وحدها تستحق وقفة طويلة.
الله جل جلاله لم يرد موسى إلى أمه ليبقى طفلا مجهولا في أزقة بني إسرائيل المستضعفة.
لقد رده إليها لتسقيه لبنا خالصا باليقين ولكن على أن يظل هنالك..
في عرين عدوه.
لقد كان التدبير الإلهي يُعدّه في صمت لمهمة استثنائية..
مواجهة ستحدث بعد عقود يتغير بعدها مصير قومه للأبد..
هذه المواجهة يلزمها رجلا يعرفها من الداخل، ولا تبهره قشرتها الخارجية.
من هنا كانت ضرورة سنوات القصر.
وهنالك رأى موسى كيف حقيقة الإله الزائف.
راقب عن قرب كيف ينسج الكهنة والوزراء عباءة التقديس حول شخص عادي، وكيف تُدار الجماهير عبر السحرة والأوهام.
اقترب موسى من دائرة الضوء فرأى ما لم يره قومه المحجوبون في الحقول والمحاجر والمناجم.
رأى الهشاشة التي تسكن القصر الفرعوني والوجوه التي تبالغ في التملق نهارا، ثم تتهامس بالخديعة والمكائد ليلا.
لكن لعل الدرس الأهم الذي حُفر في وعيه أن كل هؤلاء مجرد بشر من طين.
بشر يأكلون كما يأكل الناس، ويشيخون، ويمرضون، ويفزعون في الملمات.
لعل هذا هو ما أهله لكلمات من أثبت وأقوى ما ستسمعه البشرية ينطق بها لسانه مستمدا إياه من قلب راسخ..
قلب أدرك مبكرا أنه لا ينتمي لهذا المكان المزخرف وإن تربى فيه وليدا ولبث فيه من عمره سنين..
كيف عرف موسى ربه وأدرك أنه من بني إسرائيل؟
لكن ثمة سؤالات تفرض نفسها بقوة في هذا السياق:
كيف أدرك موسى أنه من بني إسرائيل أصلاً؟
والأهم كيف عرف ربه قبل الوحي والرسالة والتكليم؟
الحق أن الإجابة وإن لم يُنص عليها صراحة، فإن الإشارات القرآنية تضع أيدينا على الخيط الأول.
ذلك الطفل رُدّ إلى أمه ليس فقط لترضعه، ولكن لتكفله..
وليست الأم وحسب..
العائلة كلها حاضرة..
﴿وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ﴾ [القصص: 12]
تأمل دلالة الكلمات “يكفلونه” و”ناصحون”
يميل جمهور المفسرين والمحققين إلى ترجيح أن هذا رد موسى لأمه لم يكن مجرد تدبير لإرضاع طفل أو تطييب قلب أم -رغم كونهما من مقاصد القدر- ولكنه كان “كفالة تربوية وعقدية كاملة” صِيغت أركانها في الخفاء بأمر من الله.
إن لفظ ﴿یَكۡفُلُونَهُۥ﴾ يتجاوز حدود التغذية إلى الرعاية والتربية، ولفظ ﴿نَـٰصِحُونَ﴾ يشمل الغرس والتوجيه وبث الوعي.
لقد عاش موسى سنوات تكوينه الأولى في كنف أسرته؛ وعلى رأسها هذه الأم المؤمنة الموقنة، والأخت المتفانية، والأخ الحكيم الفصيح.
في هذا البيت البسيط، تشرّب معاني التوحيد الخالص وعقيدة الأجداد من لدن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف، قبل أن تلوث سمعه ادعاءات القصر الفرعوني بالربوبية الزائفة.
لقد عرف موسى ربه في ذلك البيت باليقين واللطف، قبل أن يعرفه بالتكليم والرسالة على جبل الطور.
الأثر الخفي للأم
وهنا يكمن السر الأكبر في سنوات النشأة؛ صِلته بالله وطبيعة هذا اليقين الممتد. كيف جرت كلمة “ربِّ” على لسانه بتلك العفوية المذهلة كلما حاصرته الأزمات؟ فالإنسان في لحظات الفزع والخطر لا يخترع عقيدة جديدة، إنما يرجع فوراً إلى أعمق يقين استقر في وجدانه..
وهنا يظهر الأثر الخفي لأمه.
امرأة عاشت اليقين الخالص، وتلقت الإلهام، ورأت وعد الله يتحقق رأي العين وهي تستقبل طفلها العائد من فم اليم..
من المستحيل أن ينشأ طفل في حضن امرأة تحمل هذا الثقل من الإيمان دون أن يتسرب النور إلى مسام روحه.
لقد تقاسم القصر والأم صناعة موسى؛ تكفل القصر ببناء جسده، وتكفلت أمه بصياغة قلبه.
علموه في أروقتهم آداب الملوك وعلومهم وغرست هي في صدره الحكمة و أن فوق الملوك ملكاً بيده مقاليد كل شيء.
ربما تشرب من الفراعنة لغة القوة والسطوة، ثم رضع من أمه لغة الافتقار والعبودية..
لهذا، كلما اهتزت الأرض تحت قدميه في أي محنة، لم يلتفت لآلهة القصر، إنما عاد تلقائياً إلى مولاه.
وعبر هذه النفوس الناصحة، عرف موسى كذلك لِمن ينتسب، وحمل همهم.
المفارقة التي تدمي القلب
لكن الانتماء الحقيقي أعمق بكثير من مجرد شجرة نسب تحفظها الذاكرة..
كثيرون يعرفون أصولهم، لكنهم يذوبون طوعاً في ثقافة الآخرين ويتبنون وجهة نظرهم، خصوصاً لو كانت تلك الأصول فقيرة.
وفي حالة موسى، لم تكن الأصول فقيرة فحسب ولكن كانت أصولاً مستعبدة مستضعفة.
تخيل موسى وهو يرى يومياً هذه المفارقة تدمي قلبه..
يتأمل مخملية القصر وبذخه، ثم يبصر عرق قومه وأثر العذاب على وجوههم.
لقد عاش الحياتين معاً..
عاش بين السادة دون أن تلوثه نظرتهم الاستعلائية الباردة للضعفاء، وأكل من طعامهم، دون أن يبتلع معتقداتهم أو ينسى أهله.
الوكزة التي غيرت كل شيء
ثم جاءت اللحظة التي تهاوت عندها جدران الأمان الزائف داخل القصر، وانتهت معها تلك المرحلة تماماً.
لقد دخل المدينة في وقت هادئ غافل تغفو فيه العيون..
وهنالك لقي رجلين يقتتلان أحدهما من شيعته والآخر من عدوه.
ثم إن استغاثة المظلوم المستضعف قد حركت في نفسه غضباً متراكماً عبر سنوات من مشاهدة ما يحدث من امتهان.
لم يكن هناك مجال للحسابات الباردة، ومن ثم تحركت فطرته الأصيلة لنصرة الضعيف ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ وكزة واحدة..
مجرد دفعة كشفت عن صفة أخرى من صفاته لم نعرفها إلا الآن..
قوة جسدية هائلة، كانت كافية لإنهاء حياة الرجل في لحظة.
سقط الرجل ميتاً، وتبخرت مع جثته الممددة كل حصانات القصر ومميزات الأمير الذي كان.
المعدن الحقيقي للرجال
وهنا تحديداً يظهر المعدن الحقيقي للرجال.
الاختبار الأصعب للإنسان ليس حين يصيب وإنما حين يخطئ ويزل.
إن البشر يتشابهون في لحظات النجاح، لكنهم يختلفون بشدة عند العثرات. وكثيرون إذا أخطأوا برعوا في صياغة الأعذار، واخترعوا الروايات التي تبرئ ساحاتهم، وأقنعوا أنفسهم بأنه ليس بإمكان أفضل مما كان..
لكن موسى فلم يراوغ ولم يبرر.
لم يختبئ خلف المعاذير الواهية ولكن التفت فوراً إلى نفسه وحاكمها قبل أن يحاكمه أحد: ﴿قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾، ثم رفع رأسه إلى الجهة التي عرفها وتشرب حبها منذ طفولته في بيت أمه، لقد انكسر…استغفر بصدق تالٍ للخطأ بلا فاصل زمني يذكر ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾
لا إنكار..لا تجميل. لقد وقع الخطأ، فاعترف واستغفر، فجاء الجواب الإلهي سريعاً حاسماً ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾، كلمتان تحملان من الرحمة والقبول ما تعجز عنه صفحات كاملة.
لكن مغفرة الآخرة لا توقف سنن الدنيا وتداعيات الواقع..
الرجل مات، والخبر سينتشر في الأروقة، و القصر سيتحرك للانقضاض على الأمير المنحاز للعبيد.
العهد الغليظ
ولم يقف ندم موسى عند حدود الاستغفار؛ فالنفس الشفافة تُترجم التوبة فوراً إلى موقف مبدئي وقاعدة اشتباك مع الحياة.
وهنا قطع على نفسه عهداً وميثاقاً غليظاً لخصته الآية: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِیرࣰا لِّلۡمُجۡرِمِینَ﴾
هذا هو الشكر الحقيقي خلق..قرار..مبدأ..
لقد قرر موسى ألا يوضع نفوذه، ولا قوته، ولا يده في يد مجرم، وألا يكون عوناً أو ظهيراً لأي مبطل..
الخوف يطرق باب الأمير
لكن الأجواء لم تعد كما كانت، والتوتر ملأ شوارع المدينة، والسر ما زال معلقاً في الهواء يبحث عن خيط يكشفه.
﴿فَأَصۡبَحَ فِی ٱلۡمَدِینَةِ خَاۤىِٕفࣰا یَتَرَقَّبُ﴾
تأمل هذا التحول النفسي..انقضت ليالي الراحة..، واستيقظ الأمير ليمشي في الشوارع وعيناه تلتفتان في كل اتجاه.
وفي وسط هذا الحذر الشديد يتكرر المشهد بحذافيره ﴿فَإِذَا ٱلَّذِی ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ یَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ﴾، نفس الرجل المورط، المسبب للمشاكل، يقع في مشاجرة جديدة مع مصري آخر، ويصرخ بكل قوته طالباً الدعم من موسى!
هنا غضب موسى، فالرجل ليس مظلوماً يبحث عن عدل، واضح أنه هاوٍ للمشاكل يبدد جهود الآخرين ويسحبهم إلى معارك مجانية، هنا قال له موسى في وجهه وبصراحة قاطعة: ﴿إِنَّكَ لَغَوِیࣱّ مُّبِینٌ﴾ أنت رجل غاوٍ جاذب للمشاكل، واضح الضلال.
لكن، ورغم غضبه من هذا المورط، إلا أن حمية الحق ونصرة ابن قومه المستضعف ضد عدوهما المشترك حركته مجدداً، فتقدم للتدخل وفض النزاع: ﴿فَلَمَّاۤ أَنۡ أَرَادَ أَن یَبۡطِشَ بِٱلَّذِی هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾.
الكارثة: انكشف السر
وهنا وقعت الكارثة غير المتوقعة!
لقد ظن المواجه أن حركة موسى هي هجوم آخر و أن موسى يتقدم ليبطش به، وقيل أنه توجه للمستصرخ الذي وصفه بالغواية والضلال عقاباً على غوايته، هنا بغباء وتسرع، أراد الرجل أن يحمي نفسه فكشف السر من وصاح أمام الجميع:
﴿قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِی كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ جَبَّارࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِینَ﴾
يا للجفوة..وياللخسة..أيقال هذا لنبي الله موسى نموذج المروأة؟
طار السر في الفضاء، وتفاقم الوضع تماماً.
الكلمات خرجت ولن تعود..أدرك بصاصو فرعون أخيراً هوية القاتل الخفي الذي يبحثون عنه..إنه الأمير الساكن في قصرهم!
هنا لم يعد هناك وقت للحسابات أو العتاب، الملأ من قوم فرعون قد بدأوا التحرك فوراً وصدر قرار الإعدام، وبدأ الحصار يطبق على موسى.
المؤمن من آل فرعون
لكن لطف الله يرسل المدد من عمق المشهد نفسه ﴿وَجَاۤءَ رَجُلࣱ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ یَسْعَىٰ قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ یَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِیَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّی لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ﴾ رجل يركض ويسعى من أطراف المدينة، يخترق الحواجز ليقدم النصيحة الذهبية التي لا تحتمل التأخير “هربك هو الحل الوحيد، المؤامرة اكتملت والقرار اتُّخذ”.
في لحظة واحدة، تبدل المشهد تماماً؛ الرجل الذي دخل المدينة منذ قليل أميراً مهاباً يعرفه الجميع سيخرج منها طريداً خائفاً يترقب، لا يملك في جعبته سوى يقينه ودعائه: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
من الهروب إلى النبوة
لكن مولاه الذي رباه في قصر عدوه تحت غطاء “العمى غير المقصود” كان يقوده الآن إلى طريق جديد..
طريق سيبدأ بالخوف لكن سينتهي بالنبوة، وسيتحول الهروب والافتقار التام في صحراء مدين، إلى نجاة وآيات بينات.
لم تكن تلك الوكزة، ولا ما حل في اليوم التالي نكسة أو نهاية لقصة موسى..
لقد كانت ببساطة نهاية فصل الإعداد وصناعة الرجل، ولتبدأ خطوات أخرى..
خطوات الرسالة…
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا.


