هناك لحظات في تاريخ الأرض تكفي لأن تظل الأرواح ترتجف أمام جلالها إلى نهاية الزمان.
ميقات موسى عليه السلام مع ربه جل وعلا هو أحد تلك اللحظات التي تعجز العقول عن استيعاب مكنونها..
صعود الجبل في صمت مهيب
في مكان ما وسط صحراء سيناء وبعيداً عن صخب البيد وعن كل ما يألفه البشر عادة، كان نبي الله موسى يصعد وحده..
الليل بارد.
الجبل صامت بصورة تثير الرهبة في النفس والوجود من حوله ممتد بلا نهاية تُرى كأنه يترقب في وجل تلك الخطوات القليلة التي ستعيد تشكيل وعي البشرية للأبد.
موسى يودع أخيه: “اخلفني في قومي”
قبل ذلك بوقت قصير، كان قد ترك قومه خلفه بعد أن وضع الأمانة في عنق أخيه بوضوح قاطع قائلا:
“اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ”
ثم مضى للقاء ربه.
أربعون ليلة من الانقطاع والتجريد
أربعون ليلة كاملة من الانقطاع التام والتجريد عن هذا العالم المعقد.
لكن كتاب الله حين حكى تفاصيل هذا الموعد المهيب، لم يذكر الأربعين دفعة واحدة كما قد نتوقع.
لم يقل سبحانه: وواعدنا موسى أربعين ليلة وانتهى الأمر.
لقد جاء التعبير القرآني بتقسيم يلفت القلب قبل العقل:
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾
تشعر بين الكلمات بطول الطريق وبثقل الانتظار..
بروحٍ تعيش مراحل الاصطفاء درجةً درجة.
لماذا زاده الله عشرًا؟
ثلاثون ليلة كاملة ثم بعد أن عاشها موسى بكل ما فيها من خلوة وتجريد وشوق وتهيؤ.. انتظر… لم ينتهِ الميقات بعد.
لقد زاده الله عشرًا أخرى.
وكأن المقام ما زال يحتاج مزيدًا من التصفية…
مزيدًا من التهيئة…
مزيدًا من القرب قبل لحظة التجلي الأعظم.
القلب لا يُدفع إلى النور دفعة واحدة
كأن الروح البشرية لا تُدفع دفعة واحدة إلى هذا النور الهائل…
والقلوب تحتاج أن تتسع شيئًا فشيئًا لتحمل القرب.
هناك تجليات لو نزلت على الأرواح قبل أوانها لسحقتها، وهناك معانٍ لا يحتملها القلب إلا بعد رحلة طويلة من التجريد والانكسار والصبر.
القرب من الله لا يُختزل في الوصول السريع
إن القرب من الله لا يُختزل أبدا في الأرقام المصمتة أو الوصول السريع كما يتصور الناس.
أحيانًا يطول الطريق ثم يُزاد عليك ثم يمتد الانتظار أكثر… ثم يكتمل الاصطفاء بعد الصبر الطويل.
رحلة ارتقاء روحي كاملة
القضية لم تكن مجرد رقم.
كانت رحلة ارتقاء روحي كاملة.
رحلة يُعاد فيها تشكيل قلب موسى شيئًا فشيئًا ليتهيأ للحظة من أعظم لحظات الوجود..
أسرار العشر: عشر ذي الحجة في ميزان الملك
لهذا تحدث العلماء كثيرا في أن تلك العشر ليست تفصيلًا زائدا في السياق..
هي عشر لها وزن خاص في ميزان الملك..
ذهب جمهور المفسرين إلى أنها عشر ذي الحجة.
العشر نفسها التي تمر علينا كل عام وسط الزحام والفتور والانشغال العابر بينما في مثلها كان موسى عليه السلام يقترب أكثر فأكثر من أحد أعظم لحظات حياته كلها.
في هذه الليالي بالذات اكتمل الميقات، ونزلت الألواح..
ثم جاءت اللحظة التي لا تمر مرورًا عابرًا
ثم جاءت اللحظة التي لا يمكن لعقل بشري أن يمر فوقها مرورًا عابرًا…
لحظة انكشاف الشوق الكامن في قلب سيدنا موسى عليه السلام.
قرب إذا دخل القلب نغص عليه الدنيا
بعد كل هذا القرب…
بعد الليالي الطويلة وبعد الاصطفاء والتكليم؛ لم يعد قلب موسى يحتمل الاكتفاء بما وصل إليه.
ثمة نوع من القرب من الله إذا ذاقه القلب؛ لم يعد يصلح معه الاعتياد ولا المسافات الطبيعية.
قرب إذا دخل القلب نغص عليه الدنيا حيث ذاق ما لا يقارن بكل متاعها..
يصير العبد بعده غير قادر على العودة إلى هدوئه الأول، ولا إلى انشغاله الطبيعي بالأشياء الصغيرة.
سر عجيب: المحبة لا تشبع أبدًا
كلما اقترب العبد ازداد شوقه، لا اكتفاءه.
ومن أعجب أسرار المحبة الصادقة أنها لا تشبع أبدًا… بل كلما ذاقت ازداد جوعها.
“رب أرني أنظر إليك”.. لهفة محب لا فضول عقل
لهذا خرجت تلك الكلمات التي ترتجف لها الأرواح عبر القرون..
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾
لم يكن هذا مطلب تحدٍّ ولا فضول عقل… لقد كانت لهفة محب.
كأن روح سيدنا موسى بعدما ذاقت هذا القرب الهائل؛ لم تعد تحتمل الحجب.
“لن تراني”.. أثقل كلمة على روح مشتاقة
لكن الجواب الإلهي جاء مهيبًا بصورة لا يكاد القلب يتحملها إلا حين يتذكر أن ثمة موعدًا آخر.
﴿قال لَن تَرَانِي﴾
ما أثقل هذه الكلمة على روح مشتاقة…
وكأن موسى سمع الجواب الذي يعرف العقل حكمته… لكن القلب لا يملك إلا أن يتوجع له.
كانت “لن تراني” رحيمة… لكنها موجعة في الوقت نفسه.
لولا أن وراء هذه الدار داراً أخرى ووعدًا بالرؤية؛ لما استطاعت أرواح المحبين احتمال وقعها.
المشكلة ليست في الشوق.. المشكلة في الجسد
المشكلة لم تكن في أن الشوق لا يكفي ولا في المحبة ولا في مقام موسى نفسه.
المشكلة أن هذا الجسد الأرضي الضعيف، وهذه الحواس المحدودة، لم تُخلق لتحمل ذلك النظر.
الدنيا كلها أضيق من هذا التجلي.
“انظر إلى الجبل”.. التخفيف الرحيم
لهذا جاء التخفيف الرحيم في بقية الآية:
﴿وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾
انظر إلى الجبل…
إلى هذا الكائن الهائل الصلب الذي تضرب به العرب المثل في الثبات والرسوخ..
كأن الله يريد أن يريه بلطف الحقيقة التي لن تلخصها الكلمات…
إذا كانت الجبال نفسها لا تطيق فكيف بهذا الجسد البشري الرقيق؟
ثم جاءت اللحظة التي دخل الكون فيها حالة من المهابة لا نعلم لها مثيلا في التاريخ…
لقد تجلى ملك الملوك جل وعلا للجبل…
﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾
الجبل الذي وقفت صخوره قرونًا تضرب بها الأمثال في القوة سُوِّي بالأرض في لحظة واحدة من التجلي.
الكتلة الصخرية الهائلة التي اعتادت البشرية أن تراها رمزًا للقوة والصلابة… تهاوت كأنها لم تكن أصلًا.
فإذا كان الصخر الأصم قد تفتت وسُوِّي بالأرض ؛ كيف بقلب العبد؟
﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾
“وخر موسى صعقًا”.. سقط الجسد والروح تواجه الجلال
سقط الجسد إلى الأرض بينما كانت الروح تواجه من جلال القرب ما لا تملك له احتمالًا.
في تلك اللحظة أدرك موسى أن بين شوق المحبين في الدنيا، وبين تمام الرؤية؛ مسافة لا يعبرها البشر إلا حين يخلعون ضعف الأرض كله عند أبواب الآخرة.
لم يعد موسى من الميقات كما ذهب
ولم يعد موسى من الميقات كما ذهب.
هناك خلوات تغيّر تركيب الروح تمامًا…
خلوات تعيد صياغة الإنسان من الداخل.
الميقات في جوهره: رحلة تجريد وامتلاء بالنور
الميقات في جوهره كان رحلة تجريد شاملة..
وحدة عن الخلق وخلوة وانقطاع للخالق…
صعود بعيد عن ضجيج الناس، يعقبه امتلاء هائل بالنور والمعنى..
والقرب.
ربنا جل وعلا كان يهيئ روح عبده موسى عبر تلك الليالي الطويلة لتحمل ما هو فوق الاحتمال البشري المعتاد.
مواسم الطاعة: ليست طقوسًا جافة بل رحلات قرب
وكذلك مواسم الطاعة…
هي ليست مجرد دفاتر جافة لتكثير الحسنات.
ليست طقوسًا موسمية سريعة يؤديها الإنسان ثم يعود كما كان.
يمكنك اعتبارها مواقيت…
رحلات قرب وفرص امتلاء بالسكينة.
أيام تصبح فيها الأرواح أكثر قابلية للصفاء والتخلص من أدران الأرض، والقلوب أقرب للانكسار والافتقار الحقيقي.
عشر ذي الحجة: تاريخ مهيب في ذاكرة الإيمان
عشر ذي الحجة تحمل تاريخا مهيبا في ذاكرة الإيمان نفسها ومشهد الميقات والتجلي أحدها…
فيها وقف الخليل إبراهيم في البلاء المبين، وفيها اكتمل ميقات موسى، وفيها يوم عرفة والنحر.
فيها تجتمع أمهات العبادات كلها من صلاة وصيام وصدقة وحج وذكر وتضحية في نسق واحد مدهش يعيد صياغة العبودية.
المؤلم حقًا: تمر علينا ونحن غارقون في التفاصيل الصغيرة
المؤلم حقا أن تمر علينا هذه النفحات الربانية ونحن غارقون في تفاصيل صغيرة باهتة.
نستهلك أعمارنا وأرواحنا في اللاشيء، بينما هناك في زاوية من التاريخ الوضيء كان موسى عليه السلام يصعد الجبل في مثل هذه الأيام ليقترب من الله إلى تلك الدرجة التي ترجف لها القلوب شوقا.
عشر ذي الحجة: مضمار تحول وفرصة للانسحاب من الصخب
عشر ذي الحجة هي مضمار تحول.
فرصة أخرى سانحة لتنسحب قليلا من صخب الحياة لتسمع صوت قلبك بوضوح.
إن الأرواح في خضم الزحام تتبلد، وتصدأ، وتفقد حساسيتها تدريجيا للمعاني الكبرى.
والعشر تأتي لتمسح هذا الران الكثيف عن بصيرتك…
لتعيد ترتيب قلبك من جديد…
ولتخرج منها بروح أخف، وقلب أهدأ، وشوق أكبر إلى الله.
نزل موسى من الجبل إنسانًا آخر
تماما كما نزل موسى من الجبل بعد تلك الليالي…
إنسانا آخر تحفه السكينة…
وقد أدرك المعنى…
واستشعر العظمة.
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا.


