تصميم صور المنشورات 10 1

لماذا يعود الفائزون باليانصيب إلى مستوى سعادتهم السابق بعد أشهر قليلة، وتتلاشى دهشتهم بالثروة المفاجئة كما يتلاشى وهج المعجزة في قلوب بني إسرائيل الذين رأوا البحر ينفلق والمن يتنزل، فبدّلوا نعمة السماء بشهوات الأرض؟ وإذا كانت هذه “المطحنة اللذيذة” تطحن الامتنان في النفوس حتى تتحول المعجزات إلى عاديات، والهدايا إلى حقوق مكتسبة، فكيف لنا أن نحمي قلوبنا من هذا التكيف القاتل، ونستعيد دهشة العبودية قبل أن نفقدها إلى الأبد؟..

ظاهرة التكيف اللذيذ

المطحنة اللذيذة: ظاهرة نفسية عجيبة

هناك ظاهرة نفسية عجيبة يتحدث عنها دوماً علماء السلوك تُعرف باسم “التكيف اللذيذ” (Hedonic Adaptation). اسم أكاديمي يلخص حالة إنسانية قديمة تُعرف أيضاً باسم أكثر طرافة.. “المطحنة اللذيذة”. ملخص الظاهرة أن النفس البشرية تعتاد كل شيء بعد فترة مهما كان رائعاً أو مبهراً لتصل في النهاية إلى مستوى ثابت من الشعور.. حتى المعجزات قد يعتادها الناس بعد فترة! كأن الجهاز النفسي – إن صحت التسمية – مصمم ليحوّل الاستثناء إلى وضع طبيعي عادي.

الفائزون باليانصيب ومفاجأة السعادة الزائلة

الأبحاث التي بدأت مع أعمال البروفسيرين “فيليب بريكمان” و”دونالد كامبل” في سبعينات القرن العشرين أظهرت شيئاً مدهشاً.. الفائزون باليانصيب يعودون بعد فترة إلى مستوى سعادتهم المعتاد تقريباً… كان ذلك ملخص ورقة بحثية قدمها العالمان عام 1978 بعد دراسة موسعة على مجموعات شملت الفائزين بجوائز مالية ضخمة جداً مقارنة بمجموعة ضابطة من عامة الناس لم يفوزوا بشيء.

كانت المفاجأة الأكبر أن الفائزين باليانصيب أظهروا انخفاضاً حاداً في درجة استمتاعهم بالأنشطة اليومية وشبه فقدوا متعة التفاصيل اليومية البسيطة كتناول وجبة طيبة أو الحديث مع صديق أو قراءة كتاب، أو حتى سماع نكتة طريفة. أظهرت النتائج أن وهج الثراء المفاجئ يتلاشى بعد حين وكأن الحدث الضخم جداً يرفع سقف التوقعات والمقارنة فيصبح هذا الفوز هو “القمة المفاجئة”، مما يجعل الأحداث اليومية الجميلة تبدو “باهتة” وغير ممتعة مقارنة به.

يحدث ذلك بالمناسبة في أغلب البشر وليس فقط الفائزين باليانصيب.. يظن المرء أن فرحته ستظل متوهجة إلى الأبد، وأنه لن ينسى النعمة التي كان يرجوها ما دام حياً ثم تمضي الأيام ليثبت الواقع شيئاً آخر.

يسكن بيتاً جديداً بعد سنوات من الحلم، فيجوب غرفه كما يجوب طفل مدينة سحرية اكتشفها للتو ثم تمر الشهور، فيتحول البيت إلى جدران مألوفة لا يكاد يراها. يُرزق المرء بطفل بعد طول انتظار فتفيض روحه امتناناً وفرحاً، ثم تمضي الأعوام لتتحول تلك المعجزة النابضة التي كانت تملأ دعاءه وبكاءه إلى جزء من روتين يومه المعتاد بل وربما المزعج الذي يشكو تحمله.. ينجو من حادث كاد يقتله أو مرض عضال كان قاب قوسين من أن يفتك به؛ فيقسم أنه لن ينسى هذه النجاة ما بقي له عمر؛ ثم تتراجع الذكرى شيئاً فشيئاً حتى تصبح مجرد قصة قديمة يرويها أحياناً.

الدهشة هي التي تختفي.. لا النعمة

ليست المشكلة أن النعمة تختفي… المشكلة أن الدهشة هي التي تختفي. وهنا يبدأ شيء آخر أخطر.. تبدأ النفس في التكيف مع ما كانت تعدّه يوماً حلماً بعيداً ويتحول الاستثناء إلى وضع طبيعي وتتحول الهدية إلى حق مكتسب وتتحول المعجزة إلى مشهد مألوف عادي وممل.. ثم تبدأ المقارنات الخفية. ويبدأ التذمر. ويبدأ البحث عن شيء جديد يوقظ ذلك الإحساس القديم بالدهشة. وقد يتعاظم البحث المحموم لدى البعض حتى يصل إلى البطر والجحود الكامل ورفض ما يتقلب فيه من نِعم، بعض الناس مستعد لأن يدفع حياته ثمناً لشيء منها!

بنو إسرائيل نموذجاً للتكيف السلبي

  • قوم رأوا البحر ينفلق والطور يُقلع

إذا كنت تظن أن هذه الظاهرة السيكولوجية وليدة مختبرات علم النفس الحديث، فدعني أعود بك آلاف السنين إلى الوراء. تحديداً إلى زمن نبي الله موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر.. هنالك تجسدت في قومه بوضوح حالة “المطحنة اللذيذة” وتجلى فقدان الدهشة في أحد أعجب صوره على الإطلاق.. نحن نتحدث عن قوم رأوا البحر ينفلق أمامهم، وشاهدوا بأعينهم غرق أعتى طغاة الأرض، وعاينوا جبل الطور بينما يُقتلع من جذوره ليعلق فوق رؤوسهم كأنه ظلة..

ورغم جحود قابلوا به تلك الآيات لم يعاقبهم الله بحرمان مميت أو مجاعة قاتلة.. تخيل أمة كاملة تعيش في قلب صحراء قاحلة حيث لا حقول تُزرع، لا أسواق تُنصب.. لا مواسم للحصاد ولا آبار للري. المنطق المادي الصارم يقول إن الهلاك جوعاً وعطشاً هو المصير الحتمي. لكن هذا لم يحدث.. لم يُتركوا للعطش يقطع حلوقهم ولا للجوع ينهش أمعاءهم.

  • المعجزة اليومية: الماء من الحجر

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60].

تصور المشهد.. صحراء قاحلة.. أمة مهاجرة.. وحجر صامت يضربه موسى بعصاه فتتفجر منه اثنتا عشرة عيناً، بعدد أسباط بني إسرائيل. الماء ينظم لهم تفادياً لأي نزاع؛ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. رعاية تلاحقهم بالماء والظلال..

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾

ثم يكرمهم الله بأرقى مائدة يمكن أن تُبسط لضيف.. أكرمهم بـ “المن والسلوى”:

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ [طه: 80].

تأمل اللفظ… وَنَزَّلْنَا.. هذه والله تكفي.. حتى الطعام معجزة! نعمة تتنزل عليهم من السماء دون جهد أو مشقة.. ولم يكن الأمر قاصرا على مجرد السهولة في التحصل عليها.. يخبرنا المفسرون بمجموع الآثار أن “المن” كان مادة شديدة الحلاوة تشبه العسل وتتجمع كالندى النقي ثم تتنزل عليهم فيجدونها جاهزة للأكل دون عناء. أما “السلوى” فهو طائر لذيذ اللحم يشبه السمان شكلاً لكن طيب طعمه لا يقارن به.. وكان يأتيهم كذلك بكل يسر!

أي إكرام هذا؟ كانوا يستيقظون كل صباح ليجدوا رزقهم الفاخر حاضراً ينتظرهم في معجزة يومية تحدث بصمت ونعومة حيث لا حرث يرهق ظهورهم ولا سقي يستنزف عرقهم ولا انتظار لموسم قادم، ولا خوف من قحط مباغت، ولا رهبة من شبح مجاعة. طعام يأتيهم حيث هم حتى حين كُتب عليهم التيه ظل يأتيهم كما تأتي الهدايا النفيسة للضيف المكرم.

والمطلوب فقط: ﴿كُلُوا مِن طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیْكُمْ غَضَبِی وَمَن یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوَىٰ﴾ [طه: 81]. كلوا… ولا تطغوا.. فهل فعلوا؟

للأسف لا.. كانوا نموذجاً حياً وعينة دقيقة للتكيف والاعتياد والإلف… ثم البطر والجحود! بعد كل هذا الفضل وتلك الآيات الكبرى = ضاقت صدورهم. أصابهم الملل المتبلد من الهدية الربانية التي تأتيهم كل صباح ووقفوا أمام موسى عليه السلام ينطقون بتذمر يعكس ذروة هذا “التكيف السلبي”:

  • التذمر والاعتياد

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61].

يا للعجب.. طعام واحد؟! هل كانت المشكلة في عدم التنوع حقاً أم أن حقيقة الآفة كانت تعشش في مكان آخر أعمق بكثير من بطونهم؟ في تلك النفس الشهوانية حين تفقد بوصلة الامتنان فتعمى عن قيمة ما في يديها، وتبدأ في التحديق المحموم فيما ينقصها. لقد سقطت هيبة المعجزة من قلوبهم بفعل الاعتياد اليومي وتلاشت دهشة النعمة وبدأت المقارنات العبثية، وظهرت الطلبات الغريبة التي تدعو للرثاء.

  • طلب البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل

لم يعودوا يريدون المن والسلوى.. بل صرحوا قاطعين أنهم لن يصبروا عليهما! لقد اشتاقوا ببساطة إلى طعامهم المألوف الذي تركوه خلفهم في أزقة مصر. طلبوا البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل:

﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: 61].

  • التباس شائع: هل هذه الأطعمة مذمومة؟

هنا يجب أن نتوقف قليلاً لنفكك التباساً شائعاً. بعض من يقرؤون هذه الآية يظنون خطأً أن هذه الأطعمة الأرضية مذمومة أو محرمة في ذاتها بل يسمونها بـ “أدنى الطعام”… هكذا بإطلاق! وذلك فهم مبتسر وغير دقيق لروح النص القرآني.. فالعدس طعام نافع، والفوم (وهو القمح أو الخبز على أشهر أقوال المفسرين) هو قوام الحياة وأحد أعظم نعم الله، والقثاء (وهو جنس الخيار وما شابهه) والبصل من الأطعمة المباحة النافعة التي تنبتها الأرض في كل مكان. بل إن لفظ “البقل” عند العرب أوسع بكثير من معنى “البقوليات” في اصطلاحنا الحديث.. البقل لغةً هو كل ما تنبته الأرض من الخضرة الرطبة التي تؤكل، كالخس والجرجير والنعناع وأشباهها من الخضروات الورقية، ولو كان المقصود به “البقوليات” لما احتيج في الآية إلى عطف العدس عليه: ﴿بَقْلِهَا… وَعَدَسِهَا﴾.

والمشكلة لم تكن في القيمة الغذائية لهذه الأطعمة أو حتى ضررها، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء بالرطب». وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري أنه صنع للنبي ﷺ طعاماً فيه ثوم، فلما رُدّ إليه الطعام لم يأكل منه النبي ﷺ، فسأله أبو أيوب: أحرام هو؟ فقال ﷺ: «لا.. ولكني لست كأحدكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي» (يقصد جبريل عليه السلام حين يغشاه بالوحي).

إذاً الذم هنا لم يكن متوجهاً إلى الطعام الأرضي نفسه ولكن إلى عملية “الاستبدال” و”المقارنة” ذاتها. كان توبيخاً صارماً لتلك المفاضلة المختلة التي أجروها في عقولهم المريضة. سيدنا موسى عليه السلام لم يكن يناقشهم في القيمة، ولا يتحدث إليهم بلغة من يصف حمية صحية.. كان يحدثهم عن الهبوط الذي يمارسونه والبطر الذي أدمنوه والتدني المريع من مقام إلى مقام. رزقٌ يتنزل من السماء بلا حرث ولا تعب، كرامةً وحفاوةً من الخالق، يقابله طعام يمكن لأي إنسان أن يشتريه من أي سوق في أي قرية.

التوبيخ الإلهي

ولهذا جاء الجواب الحاسم على لسان موسى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61].

هو هنا لا يقول أن العدس والبصل شرٌ مطلق، ولا يقرر قاعدة أن كل ما تنبته الأرض أدنى من كل ما ينزل من السماء بإطلاق. المقارنة هنا محصورة بين نعمتين محددتين.. رزق معجز يأتي بلا شقاء أو سعي، ورزق أرضي معتاد يحتاج إلى حراثة وبذر وجهد للوصول إليه. كلمة “أدنى” هنا هي أدنى بالإضافة والمقارنة إلى المن والسلوى، لا أدنى بإطلاق وبهذا قطع المفسرون عبر العصور أنها مقارنة في “رتبة النعمة وكرامتها” لا في المكونات الكيميائية للطعام.

وهنا نصل إلى المفتاح الحقيقي لفهم هذه النفسية المعقدة. تأمل عبارتهم ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ﴾. إنها النزعة المادية البحتة! لقد ضاقوا ذرعاً بالغيبيات. تململوا من النظر إلى السماء وانتظار الرزق المباشر من الله. كانت أرواحهم مثقلة بالمادية المتجذرة فيهم منذ أيام العبودية والمذلة والارتباط بما يخرج فقط من الأرض.. ما ينبت من الطين ويمكنهم أن يمسكوه بأيديهم ويزرعوه بجهدهم. يريدون الانفصال عن كفالة السماء والارتماء مجدداً في أحضان قوانين التراب الصارمة لا لشيء إلا لأنهم لم يستطيعوا التكيف مع الحياة في كنف المعجزة المستمرة التي ألفوها، ثم زهدوا فيها!

إن انشقاق البحر لم يمضِ عليه زمن طويل، وجبل الطور لم يُرفع كالمقصلة فوق رؤوسهم إلا قريباً، وصاعقة السبعين رجلاً، ثم رجفتهم وبعثهم من الموت، كلها أحداث لا تزال ساخنة جداً في الذاكرة الجمعية. رغم كل هذا الزلزال الروحي والمادي.. بدأ التذمر من جديد.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.. المعجزة حين تتكرر قد تتحول في نظر بعض الناس إلى أمرٍ يومي رتيب. ولتتضح تلك الحقيقة أكثر فأكثر.. كثرة النعم لا تصنع بالضرورة كثرة الشكر، وتوالي الآيات لا ينتج دائماً قوة اليقين! والقلوب التي لم تتربَّ على الامتنان، تتحول المعجزة عندها إلى عادة مألوفة ثم تتحول العادة إلى حق مكتسب لا يُشكر عليه المنعم. ثم يتحول الحق المكتسب إلى مصدر للشكوى والتذمر بمجرد أن يخالف الهوى والشهوة!

واحدة من أكثر السمات حضوراً ووضوحاً في القصة الإسرائيلية كما يفككها القرآن الكريم: إنهم يلحون في طلب الآية، فإذا جاءت أبهرتهم لوهلة…ثم ألفوها. ثم طالبوا بغيرها. يرون النعمة تنزل عليهم، فإذا اعتادوها زهدوا فيها، ثم شخصت أبصارهم إلى ما سواها. هي حالة مركبة أعمق بكثير من كونها مجرد حكاية قوم سئموا طعاماً واحداً. بل هو كشف مبكر لملمح نفسي متكرر في شخصية بني إسرائيل التي أوضحها القرآن في عشرات المواضع.. التطلع الدائم إلى غير الموجود، والاعتياد السريع والبليد على الآيات الخارقة.

﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: انحدار من القمة إلى القاع

لذلك وأمام هذا الانحدار المريع نحو وحل المادية جاء رد موسى عليه السلام قاطعاً، يحمل مرارة قائد يرى أمته تهوي من جديد وتخلد إلى الأرض..

﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61].

توقف هنا قليلاً أمام هذه الكلمة.. ﴿مِصْرًا﴾، بالتنوين. هل كان موسى يلقي في وجوههم المفارقة الواضحة قاصداً “مصر” الفرعونية التي خرجوا منها للتو؟ هل يعرض عليهم العودة إلى مسرح العبودية التي عاينوها قروناً؟ أم أنه كان يقصد أي مِصر من الأمصار؟ أي مدينة عادية أو حاضرة تعج بالأسواق وضجيج الباعة وزراعة الطين؟

أياً كان المعنى، فالصفعة موجعة، والسؤال المعلق يقطر أسىً: هل تشتاقون إلى ذلك حقاً؟ هل نسيتم سياط السخرة وطعم العبودية وذبح الأبناء ولم تحتفظ ذاكرتكم المشوهة من المشهد كله إلا بطعم العدس ورائحة البصل؟ هل بلغ بكم الحنين إلى الأغلال درجة أن تقايضوا كرامة الحرية ورعاية السماء بوجبة من البقل؟! أم أنتم تريدون حياة الأسواق والزراعة، والانغماس في تفاصيل الطين المعتادة، فتهبطوا إلى أي حاضرة وستجدونها هناك تباع وتشترى. أما هذا المقام الاستثنائي.. مقام المعجزة المباشرة الذي تظلله عناية الخالق.. فله ثمن آخر تماماً.. ثمن يُدفع من عملة الشكر واليقين، لا من عملة التذمر والبحث عن البدائل الرخيصة.

لذا لم تكن الكلمة المختارة إلا ﴿اهْبِطُوا﴾. لم يقل: اذهبوا، أو ارتحلوا، أو عودوا ولكن كلمة تلخص عملية هبوط حقيقي وسقوط مدوٍ من القمة إلى القاع. كما قلت لك… انحدار من كفالة السماء إلى كدح الأرض وشقائها، ومن رحابة الحرية والمعجزة إلى زحام الأسواق وعبودية الأشياء المعتادة.

العبرة والخلاصة

  • مرض التردد المزمن

لذلك، لا تقرأ قصة البقل والعدس كحكاية طعام أو طمع ولكن اقرأها كنافذة على مرض أعمق. مرض التردد المزمن، والحنين المستمر إلى شيء ليس في يدك والبحث الدائم عن المزيد. تلك “المطحنة” لا تكتفي بطحن الإحساس بالدهشة وسرقة الفرحة بالنعم المعتادة ولكنها تفعل ما هو أخطر من ذلك بكثير.. تطحن صلابة الروح وتأكل عصب الإرادة.

وحين تتبلد النفس وتألف المعجزة، تفقد قدرتها على دفع أي ثمن. إن النفس التي ضاقت ذرعاً بطعام يتنزل من السماء لمجرد أنه يفتقر إلى التنوع، لن تملك أبداً شجاعة اقتحام بابٍ يقف خلفه قوم جبارون. والقلب الذي أدمن الشكوى من المن والسلوى، سيجد في التضحية المقبلة عبئاً يكسر الظهر.

لكن القعود لا يولد فجأة، والجبن لا يظهر من فراغ. كل انهيار مدوٍ تسبقه انهيارات صغيرة صامتة لا يلقي لها أحد بالاً. ستبدأ الحكاية بتذمرٍ ساذج من قائمة الطعام ثم تتطور إلى جدال عبثي مرهق حول لون بقرة وعمرها لتصل في النهاية إلى تلك أبشع رد يمكن تصوره.. لقد اختاروا الهبوط طواعية، وفضلوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. فتجسدت لهم أمنيتهم في أشنع صورها الممكنة.. فمن استبدل كرامة السماء بوحل الأرض، كُتب عليه أن يغوص في هذا الوحل بلا غاية. وبلا نهاية..

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

سجدة غيّرت التاريخ

ميقات موسى: رحلة القرب التي لا تُنسى

التعليقات معطلة