الأمر بالاقتداء والاتباع

هل يمكن أن يكون خير الهدى ما تركه الأولون؟

في زمن تكاثرت فيه الأقوال، وتزاحمت الآراء، وتنوعت طرق الفهم للنصوص، يبقى سؤالٌ جوهري يلح على كل باحث عن الحق: من هم القدوة الحقيقيون؟ وأين الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه؟

يجيبنا عن هذا السؤال الإمام محمد بن قدامة المقدسي – صاحب “لمعة الاعتقاد” – بكلماتٍ محررةٍ من وحي النبوة وكبار الصحابة والتابعين، يوضح لنا فيها أن الهدى كل الهدى هو في لزوم آثار السلف الصالح، والتمسك بما كانوا عليه، والحذر كل الحذر من البدع والمحدثات.

وإليك هذا المقال الذي يلخص لك تلك الوصايا الغالية، مقرونة بأدلتها وشواهدها، لتكون لك منارةً تنير دربك في ظلمات الفتن.

تمهيد

يقول الشيخ محمد بن قدامة المقدسي، صاحب كتاب “لمعة الاعتقاد” – رحمه الله تعالى – مبيناً منهج أهل السنة في لزوم ما كان عليه السلف الصالح:

“وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم – أي السلف الصالح –، والاهتداء بمنارهم، وحُذّرنا المحدثات، وأُخبرنا أنها من الضلالات.”

أولاً: النصوص الواردة في اتباع السنة والتحذير من البدع

فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم –:

((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))1(1) رواه أحمد (17144)، وأبو داود (4607) واللفظ له، والترمذي (2676) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وابن ماجه (42).

وقال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه –:

((اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم))2(2) رواه الدارمي في سننه (1/ 288 – ح 211)، وابن بطة في الشرح والإبانة (ص 153)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 245 – ح 853): ((رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)).

وقال عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – كلاماً معناه:

“قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى… لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم.”3(3) ذم الكلام وأهله للهروي (4/ 80)، وحلية الأولياء (5/ 339).

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي – رضي الله عنه –:

((عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول))4(4) رواه الآجري في الشريعة (1/ 445 – ح 127)، والذهبي في السير (7/ 120) بلفظ قريب من هذا.

ثانياً: قصة الأذرمي مع المبتدع – درس في لزوم ما وسع السلف

وذكر الإمام ابن قدامة قصة محمد بن عبدالرحمن الأذرمي5(5) الأذرمي: بالذال المعجمة، هو: أبو عبدالرحمن، عبدالله بن محمد بن إسحاق الأذرمي -بخلاف ما ذكره المصنف هنا-، أخذ العلم عن: وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وعبدالرحمن بن مهدي. وروى عنه: أبو داود والنسائي وعبدالله بن الإمام أحمد وأبو يعلى، له ترجمة في تهذيب التهذيب (2/ 240) لابن حجر، وأشار إلى هذه القصة. والأذرمي: نسبة إلى أذرمة، قرية من أعمال الموصل، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/ 132): ((وأذرمة اليوم: من أعمال الموصل … وإليها ينسب أبو عبدالرحمن، عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي النصيبيني. قال ابن عساكر: أذرمة من قرى نصيبين. وكان عبد الله المذكور: من العباد الصالحين، انتقل إلى الثغر فأقام بأذرمة حتى مات، وهو الذي ناظر أحمد بن أبي دواد في خلق القران فقطعه في قصة فيها طول)). وانظر: سير أعلام النبلاء (11/ 313) في ترجمة الواثق بالله. مع رجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها، حيث دار بينهما حوار محكم:

  • الأذرمي: هل علِمها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟

  • الرجل: لم يعلموها.

  • الأذرمي: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟

  • الرجل (متراجعاً): بل أقول: قد علموها.

  • الأذرمي: أفوسِعَهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟

  • الرجل: بلى وسعهم.

  • الأذرمي: فشيء وسع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخلفاءه لا يسعك أنت؟

فحينئذ انقطع الرجل، فقال الخليفة – وكان حاضراً –:

((لا وسَّع الله على من لم يَسَعْه ما وسعهم))

ثالثاً: خلاصة الحكم

يقول ابن قدامة معلقاً:

“وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسَّع الله عليه.”

شرح الأقوال والفوائد المستنبطة

أولاً: وجوب اتباع السلف

قوله: ((وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم، والاهتداء بمنارهم)): وهذا من الواجبات على المسلم، لقول الله تعالى:

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100]

وقال سبحانه:

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر:10]

ثانياً: التحذير من البدع

قوله: ((وحذَّرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات)): فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم –:

  • ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة))

  • ((وشر الأمور محدثاتها))6(6) قطعة من حديث؛ رواه البخاري في صحيحه برقم (7277) عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه -، ومسلم في صحيحه برقم (867) عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه -.

  • ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))7(7) رواه البخاري في صحيحه برقم (2697)، ومسلم في صحيحه برقم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.

تنبيه: قوله – صلى الله عليه وسلم –: ((وكل بدعة ضلالة)) يدل على أنه ليس من البدع بدعة حسنة. وما أطلقه بعض العلماء على بعض الأمور المستجدة التي تقتضيها المقاصد الشرعية، فهو إطلاق لغوي، كما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في صلاة التراويح: ((نعمت البدعة))8(8) رواه البخاري في صحيحه برقم (2010).

ثالثاً: اتباع الخلفاء الراشدين

قوله – صلى الله عليه وسلم –: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)): يدل على اتباع الخلفاء الراشدين في سنتهم، فما سنَّه أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي – رضي الله عنهم – مما لم يختلفوا فيه، ولم يخالف دليلاً من الكتاب والسنة، فهو سنة ماضية، ونحن مأمورون باتباعهم.

رابعاً: وقفة مع قول ابن مسعود

قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه –: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم)).

  • اتبعوا: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم –، وسيرة السلف الصالح.

  • لا تبتدعوا: أي لا تأتوا بمخترعات من عندكم ما أنزل الله بها من سلطان.

خامساً: شرح كلام عمر بن عبدالعزيز

قوله: ((قف حيث وقف القوم)):

  • أي السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فلا تتجاوز ولا تقصر.

  • فإنهم عن علم وقفوا: لم يخوضوا فيما لا علم لهم به.

  • وببصر نافذ كفُّوا: أي عن بصيرة نافذة كفوا ووقفوا.

  • ولهم على كشفها كانوا أقوى: أي لو أمكن كشف ما كفوا عنه، فهم أحرى به لأنهم أقوى قدرة.

  • وبالفضل -لو كان فيها- أحرى: فلو كان في البحث والتنقيب عن الأمور المستورة فضل، لكانوا به أولى.

ثم يقول:

  • فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم.

  • ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي.

  • فما فوقهم محسِّر (أي منقطع عاجز لم يصل إلى غاية)

  • وما دونهم مقصِّر (أي قصر عن اللحاق بهم)

  • لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا.

  • وإنهم – أي السلف – فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم، وهو هدى الله الذي بعث به رسوله – صلى الله عليه وسلم –، والخير كله بين الإفراط والتفريط.

سادساً: وصية الأوزاعي

قال الإمام الأوزاعي – رضي الله عنه –:

((عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول))

فأهل السنة والجماعة يختصون باقتفاء آثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم القيامة. وعليه أن يحذر من التعصب لآراء الرجال، وأن يحكّم النصوص من الكتاب والسنة.

سابعاً: فائدة عظيمة من مناظرة الأذرمي

في قصة الأذرمي السابقة دليل على أن ما وسع النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من السكوت عن بعض الأمور وعدم التكلم فيها، يجب أن يسعنا نحن أيضاً. ومن لم يسعه ذلك، فقد خالف المنهج القويم.

يقول الشارح:

“لا شك أن هذا الكلام السديد من الأذرمي – رحمه الله – في الرد على هذا المبتدع، من أن ما يتكلم به هذا المبتدع لم يتكلم به النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا أصحابه ولا التابعون له بإحسان، فلماذا تتكلم به وتدعيه وتدعو الناس إليه؟”

وقريب من هذه القصة ما جرى للإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله –9(9) ذكرها ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص 475)، وعقد لهذه المناظرة فصلاً مستقلاً. حيث احتج على من ناظره بمثل ذلك.

ثامناً: منهج السلف في آيات الصفات

يقول المؤلف: أن منهج الأئمة السابقين هو “تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت”.

وهذا لا يعني التفويض الباطل، بل يعني قراءتها والإيمان بما دلت عليه ظاهراً، من غير تكلف في صرفها عن ظواهرها بغير حجة، وترك التعرض لها بالتأويل الذي هو في حقيقته تحريف.

خلاصة: إمرارها وإقرارها على ما دلت عليه، مع الإيمان بها، وترك التعرض لها بالتأويل الفاسد.

الخاتمة

على المسلم أن يلزم منهج السلف الصالح، ويتمسك بالكتاب والسنة، ويحذر من البدع والمحدثات، ويسعه ما وسع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، فإن ذلك هو سبيل النجاة والهداية المستقيمة.

والله الموفق للصواب.

الهوامش 

(1) رواه أحمد (17144)، وأبو داود (4607) واللفظ له، والترمذي (2676) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وابن ماجه (42).

(2) رواه الدارمي في سننه (1/ 288 – ح 211)، وابن بطة في الشرح والإبانة (ص 153)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 245 – ح 853): ((رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)).

(3) ذم الكلام وأهله للهروي (4/ 80)، وحلية الأولياء (5/ 339).

(4) رواه الآجري في الشريعة (1/ 445 – ح 127)، والذهبي في السير (7/ 120) بلفظ قريب من هذا.

(5) الأذرمي: بالذال المعجمة، هو: أبو عبدالرحمن، عبدالله بن محمد بن إسحاق الأذرمي -بخلاف ما ذكره المصنف هنا-، أخذ العلم عن: وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وعبدالرحمن بن مهدي. وروى عنه: أبو داود والنسائي وعبدالله بن الإمام أحمد وأبو يعلى، له ترجمة في تهذيب التهذيب (2/ 240) لابن حجر، وأشار إلى هذه القصة.

والأذرمي: نسبة إلى أذرمة، قرية من أعمال الموصل، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/ 132): ((وأذرمة اليوم: من أعمال الموصل … وإليها ينسب أبو عبدالرحمن، عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي النصيبيني. قال ابن عساكر: أذرمة من قرى نصيبين. وكان عبد الله المذكور: من العباد الصالحين، انتقل إلى الثغر فأقام بأذرمة حتى مات، وهو الذي ناظر أحمد بن أبي دواد في خلق القران فقطعه في قصة فيها طول)). وانظر: سير أعلام النبلاء (11/ 313) في ترجمة الواثق بالله.

(6) قطعة من حديث؛ رواه البخاري في صحيحه برقم (7277) عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه -، ومسلم في صحيحه برقم (867) عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه -.

(7) رواه البخاري في صحيحه برقم (2697)، ومسلم في صحيحه برقم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(8) رواه البخاري في صحيحه برقم (2010).

(9) ذكرها ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص 475)، وعقد لهذه المناظرة فصلاً مستقلاً.

المصدر

كتاب: “إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد” عبد الرحمن بن ناصر البراك ص21-37.

اقرأ أيضا

وجوب التقيد بفهم الصحابة واتباعهم

العمل بالكتاب والسنة، وإن خالف التقليد لأبي بطين رحمه الله

التعليقات معطلة