”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

وقفات مع حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم

لرسول الله حقوق، في مقدمها التصديق المحبة والطاعة، ولمحبته موجبات. والله تعالى هو وليه وناصره، وقد عجَّل تعالى عقوبة من آذاه. إن لزوم سبيل رسول الله سبيله هو النجاة.

مقدمة

إن الحديث عن نبينا وحبيبنا محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديث تنشرح له صدور أهل الإيمان، وتتشوق له نفوس الصالحين، ويدفع العاملين إلى الاستقامة على الصراط المستقيم، كيف لا وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قد خصه الله تعالى بخصال رفيعة كثيرة انفرد بها عن بقية الأنبياء السابقين، عليهم السلام؛ فهو أول من يَعْبُر على الصراط يوم القيامة، وأول من يَقْرع باب الجنة ويدخلها، وله المقام المحمود ولواء الحمد، وهو أول شافع ومشفع.

من حقوق رسول الله

وفي هذه السطور أستعرض معك ـ أخي القارئ ـ شيئاً من الحقوق الواجبة علينا تجاه نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم:

عبارة جامعة

يمكن ـ ابتداءً ـ أن نجعل حقوق المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بهذه العبارة الجامعة التي سطّرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، قائلاً:

“ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع”. (1مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 1/ 190)

تقديم محبته

وإن من أهم ما يجب علينا تجاه حبيبنا محمد، صلى الله عليه وسلم، أن نحقق محبته اعتقاداً وقولاً وعملاً، ونقدمها على محبة النفس والولد والناس أجمعين. قال تعالى: ﴿قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ[التوبة: 24].

يقول القاضي عياض عن هذه الآية:

“فكفى بهذا حضّاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها، صلى الله عليه وسلم، إذ قرَّع ـ سبحانه ـ مَن كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ثم فسَّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضلّ ولم يهده الله”. (2الشفا، 2/ 563)

وعن أنس، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». (3رواه البخاري ومسلم)

وعن أنس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» وذكر منها: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». (4رواه البخاري ومسلم)

ولقد ضرب الصحابة، رضي الله عنهم، أروع الأمثلة في صدق وتمام المحبة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهذا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول للعباس: «أن تُسْلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب؛ لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وسُئل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «كيف كان حبكم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان ـ والله ـ أحب إلينا من أموالنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ».

وكان عمرو بن العاص، رضي الله عنه، يقول: «ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه».

ولا شك أن لمحبة النبي، صلى الله عليه وسلم، علامات. منها كثرة ذكره له؛ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره. ومنها كثرة شوقه إلى لقائه، فكل حبيب يحب لقاء حبيبه. ومنها محبته لمن أحب النبي، صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبَّهم؛ فمن أحب شيئاً أحب من يحبه، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحسن والحسين: اللهم إني أحبهما فأحبهما.

ومن علامة حبه للنبي، صلى الله عليه وسلم، شفقته على أمته، ونصحه لهم، وسعيه في مصالحهم، ورفع المضارّ عنهم، كما كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالمؤمنين رءوفاً رحيماً. (5انظر تفصيلاً لتلك العلامات في كتاب الشفا للقاضي عياض، 2/ 571- 577)

المتابعة والاقتداء

ومن أهم وأكثر علامات محبته، صلى الله عليه وسلم؛ متابعته والاقتداء به. يقول القاضي عياض، رحمه الله:

“اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدّعياً، فالصادق في حب النبي، صلى الله عليه وسلم، من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ[آل عمران: 31]. (6الشفا، 2/ 571)

كما أن من متابعته، صلى الله عليه وسلم، التمسك بسنته والحذر من الابتداع في دين الله، كما قال، صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». (7رواه البخاري ومسلم) يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث:

“فهذا الحديث يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود. والمراد بـ “أمره” ها هنا دينه وشرعه، فالمعنى إذاً أن مَن كان عمله خارجاً عن الشرع ليس متقيداً بالشرع فهو مردود”. (8جامع العلوم والحكم، 1/ 177)

التعزير والتوقير

ومن حقه، صلى الله عليه وسلم: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ[الفتح: 9].

يقول ابن تيمية، رحمه الله:

“التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار”. (9الصارم المسلول، 422)

ويقول أيضاً:

“أما انتهاك عِرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنه مُنافٍ لدين الله بالكلية العرض متى انتُهك سقط الاحترام والتعظيم، فسقط ما جاء به من الرسالة، فبطَل الدين، فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه”. (10الصارم المسلول، 211)

وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ[الكوثر: 3]؛ فأخبر، سبحانه، أن شانئه “مبغضه” هو الأبتر. والبتر: القطع، فبيَّن، سبحانه، أنه هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد.. ومما قال ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة الجامعة:

“إن الله، سبحانه، بتر شانئ رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله، ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحاً لمعاد، ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته، والإيمان برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصراً ولا عوناً، ويبتره من جميع القُرب والأعمال الصالحة، فلا يذوق لها طعماً، ولا يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره، فقلبه شارد عنها”.

وقال أبو بكر بن عياش:

“أهل السنة يموتون ويحيا ذِكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، فكان لهم نصيب من قوله ﴿ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[الشرح: 4]. وأهل البدعة شَنَأُوا ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم؛ فكان لهم نصيب قوله: ﴿إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾. (11الفتاوى، 16/ 526-528 باختصار)، (12الصارم المسلول، 457-458)

عقوبة من سبه، شرعا وقدَرا

ولقد تحققت العقوبات، ووقعت المثُلات في حق مَن أبغض الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو تنقصَّه بسب أو استهزاء، أو افتراء. وقد عُرف من ذلك حالات عديدة منها:

أ) من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رجل نصراني، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي، صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانياً، فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه.

ب – ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية:

“عن أعداد من المسلمين العدول في الفقه والخبرة، عما جرَّبوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لمّا حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس، فإذا تعرَّض أهله لسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والوقيعة في عرضه، فعجِلنا، وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، حتى إن كنا لَنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه”. (13الصارم المسلول، 117)

ج – ومن العقوبات التي حلت بمن انتقص الرسول صلى الله عليه وسلم ـ ولو تعريضاً – في هذا الزمان ما ذكره الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله، عن أحد خطباء مصر، وكان فصيحاً متكلماً مقتدراً وأراد هذا الخطيب أن يمدح أحد أمراء مصر عندما أكرم طه حسين، فقال في خطبته: جاءه الأعمى. (14يعني طه حسين، ومن المعلوم أن طه حسين كان أعمى البصر والبصيرة، انظر: (طه حسين في ميزان الإسلام) للأستاذ أنور الجندي) فما عبَس بوجهه وما تولى..! فما كان من الشيخ محمد شاكر ـ والد الشيخ أحمد شاكر ـ إلا أن قام بعد الصلاة، يعلن للناس أن صلاتهم باطلة، وعليهم إعادتها؛ لأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول أحمد شاكر:

“ولكن الله لم يدعْ لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي ـ بعد بضع سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً، مستعزّاً بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء ـ رأيته مهيناً ذليلاً، خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعاً للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وعظة”. (15كلمة الحق، 176-177)

خاتمة

وفي نهاية هذه المقالة أقول إن مما يُفعل حباً للرسول، صلى الله عليه وسلم، والتصاقاً بهديه وسيرته، أن نسعى إلى محاسبة أنفسنا ومعرفة أخطائنا؛ فإذا اكتشفنا عيوباً، فسنجد في هديه، صلى الله عليه وسلم، العلاج الناجع لهذه الأدواء التي حلت بنا، وإليك أمثلة على ذلك:

فإذا كان أحدنا مقصراً في جانب النوافل والعبادات ـ مثلاً ـ فليتذكر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يصلي حتى تتورم قدماه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وقد يكون أحدنا متصفاً بالجبن والهلع، ألا فليعلم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما أخبر أنس بن مالك، رضي الله عنه، كان من أشجع الناس، وقد قال علي، رضي الله عنه: «إنا كنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله، صلى الله عليه وسلم».

وربما كان البعض منا مشغوفاً بحب الدنيا والتكالب عليها، ومن ثَم فلينظر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان من أزهد الناس في الدنيا، حتى قالت عائشة: «ما شبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أياما تباعاً، من خبز حتى مضى لسبيله». (16رواه مسلم)

وقد نلمس في أنفسنا وغيرنا جفاءً مع الناس وسوء معاملة، وقد قال أنس: «خدمت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وصدق الله تعالى عندما قال في شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[آل عمران: 159].

…………………………

الهوامش:

  1. مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 1/ 190.
  2. الشفا، 2/ 563.
  3. رواه البخاري ومسلم.
  4. رواه البخاري ومسلم.
  5. انظر تفصيلاً لتلك العلامات في كتاب الشفا للقاضي عياض، 2/ 571- 577.
  6. الشفا، 2/ 571.
  7. رواه البخاري ومسلم.
  8. جامع العلوم والحكم، 1/ 177.
  9. الصارم المسلول، 422.
  10. الصارم المسلول، 211.
  11. الفتاوى، 16/ 526-528 باختصار.
  12. الصارم المسلول، 457-458.
  13. الصارم المسلول، 117.
  14. يعني طه حسين، ومن المعلوم أن طه حسين كان أعمى البصر والبصيرة، انظر: (طه حسين في ميزان الإسلام) للأستاذ أنور الجندي.
  15. كلمة الحق، 176-177.
  16. رواه مسلم.

المصدر:

  • عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مجلة البيان، العدد47.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد