فقه السيرة والتاريخ

منهج التفسير التاريخي .. قواعد منهجية (2)

زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

ينبغي اعتبار تأثير العقيدة الإسلامية في تفسير التاريخ الإسلامي، ومبدأ الايمان في اختيار وحركة الأوائل، كما أن لإرادة وجه الله تأثيرها العميق في تربية الأوائل ومستواهم. وهذا محدِد لقبول أو رفض الروايات الطاعنة في الأخيار الأوائل.

تقديم الوحي

في (المقال الأول) تبين أهمية دراسة التاريخ، للعبرة والفهم والتحليل، وأن هناك منهجين للدراسة منهج الإثبات والتوثيق للأحداث ومعرفة صحيحها من سقيمها، ومنهج آخر للتحليل والتقييم..

وأن ثمة قاعدة وهي تقديم ما جاء به الوحي، الكتاب والسنة، على ما سواه؛ فأخبارهما في التوثيق في أعلى المراتب، وفيها العرض الشامل لسياق الحدث التاريخي، ليعي المسلمون عن ربهم كيف ينظرون للحدث..

وفي هذا المقال استكمال لعلاقة الايمان بتفسير تاريخ المسلمين، وأثر العقيدة في نفوس المسلمين.

القاعدة الثانية:

الفهم الصحيح للإيمان ودوره في تفسير الأحداث

إن دارس التاريخ الإسلامي إن لم يكن مدركاً للدور الذي يمثله الإيمان في حياة المسلمين، فإنه لا يستطيع أن يعطي تقييماً علمياً وواقعياً لأحداث التاريخ الإسلامي.

وعلى سبيل المثال؛ فهجرة المسلمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كانت هجرة من أجل “المبدأ”، يوجّهها الإيمان الذي كان بالنسبة للمسلمين المهاجرين المحرك الذي ساق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم وإلى صنع تاريخهم؛ فلم تكن هجرة من أجل الوطن أو المال أو المنصب، إذ تركوا من ورائهم وطنَهم وأموالهم ودورهم ومتاعهم، فراراً بدينهم من الفتن واستمساكاً بعقيدتهم، فقدموا بذلك مثالاً عالياً من التضحية والإخلاص في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا.

أما أهل المدينة وهم “الأنصار” الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم بالمال ونصروهم، فقد قدّموا بذلك المثل الصادق للأُخُوّة الإسلامية، تلك الأُخُوّة التي لم يجعلها الإسلام لفظاً فارغاً أو تحية تثرثر بها الألسنة، وإنما عملاً مرتبطاً بالدماء والأموال، وبعواطف الإيثار والمواساة التي ملأت المجتمع المدني بأروع الأمثال.

قال تعالى في شأن هذه المواقف الإيمانية: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 8- 9).

ومع المجاهد كالمهاجر

كما أن المجاهد المسلم عندما يقاتل في سبيل الله يعلم أنه ليس وحده الذي يقاتل الكفار، وأنه لا يقاتلهم بكثرة الجنود ولا بتفوق السلاح وحده ـ إن توفر ذلك له ـ وإنما يقاتل بالإيمان الصادق الذي يحمله، وبما يعْلمه من تأييد الله للمجاهدين الصادقين، وما يمدّهم به من وسائل مادية ومعنوية؛ كقتال الملائكة إلى جانبهم أو تسخير عوامل طبيعية لهم أو تثبيت قلوبهم بإنزال السكينة والطمأنينة عليهم، أو بما يمدهم به من الصبر وقوة التحمل، ورباطة الجأش إلى غير ذلك من الوسائل المنظورة وغير المنظورة..

فقد أنزل الله الملائكة يقاتلون إلى جانب المسلمين في معركة بدر، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9).

وأرسل الله ريحاً شديداً فرّقت الأحزاب المحاصرة للمدينة يوم الخندق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (الأحزاب: 9).

وعند البحث عن الأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين في معركة اليرموك سوف نجد أن عدد الروم ستة أضعاف عدد المسلمين، وجيش الروم جيش نظامي مدرب وجيد التسليح، بينما الجيش الإسلامي أقل منه عدداً وعدة وتدريباً، ويقاتل بعيداً عن مركز الخلافة، ومع ذلك حصل له النصر المبين.

على أن المتأمل والباحث في الأسباب المادية المنظورة بحثاً عقلياً مجرداً لا يستطيع أن يقبل نتيجة المعركة رغم أنها متواترة حسّاً وواقعاً.

وهذا يرجع إلى الجهل بالعوامل الحقيقية المحركة للتاريخ الإنساني في غيبة العلم الصحيح، وإلى إغفال سنن الله في الخلق، وهي سنن ثابتة وصارمة، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلً﴾ (فاطر: 43).

سنة الصراع بين الايمان والكفر

ومن السنن التي أوضحها القرآن الكريم “قانون التدافع” أو “سنة الصراع بين الإيمان والكفر” عبر تاريخ الإنسانية الطويل وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن خلال هذا الصراع يختبر الله عباده المؤمنين ويميزهم بالابتلاء ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

ويبين ـ سبحانه وتعالى ـ أن المؤمنين إذا تميزوا بالثبات على العقيدة والإيمان وأداموا ذكر الله وطاعته ووحدوا صفوفهم واعتصموا بالصبر، فإن النصر حليفهم وإن كانوا قِلّة:

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه﴾ (البقرة: 249)، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141)، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)..

إلى غير ذلك من السنن الساطعة والحقائق الثابتة.

لكن الله أمر المؤمنين بالأخذ بالأسباب وحشد الطاقات والإمكانيات المتاحة للوصول إلى القوة اللازمة لإرهاب العدو والتمكين للإسلام ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60).

وأوضح أن الجهد الإنساني للمؤمنين هو الذي يحسم الصراع لصالح الإيمان وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، لذلك شرع – سبحانه – الجهاد ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

وأخيراً، فإن الله أوضح أن عاقبة الصراع تكون دائماً للمؤمنين مهما طال الطريق وعصف بهم طغيان الباطل ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور:55).

القاعدة الثالثة

أثر العقيدة في دوافع السلوك لدى المسلمين

إن منهج كتابة “التاريخ الإسلامي” وتفسير حوادثه يعتمد في أصوله على “التصور الإسلامي”، ويجعل “العقيدة الإسلامية” و”مقتضياتها” هي الأساس في منطلقاته المنهجية وفي تفسير حوادثه والحكم عليها.

لذلك ينبغي في تفسير التاريخ الإسلامي الرجوع إلى المصادر الشرعية لمعرفة دوافع السلوك في المجتمع الذي نشأ وتكَوَّن على هدْي الشريعة وشكَّل حياته ومفاهيمه وفقاً لها، وكانت تعليماتها وأوامرها ونواهيهها موجهة لجميع شؤون حياته.

إنه لا بد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في صدر الإسلام وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والعلاقات الإنسانية والاجتماعية، ونظم الحكم وسياسة المال، وطرق التشريع ووسائل التنفيذ في إطار المبادئ والمفاهيم والقيم الإسلامية.

إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة كانت في صدر الإسلام تتأثر كثيراً بالتطلع إلى “ما عند الله”، إلى الجزاء الأُخروي.

وصفوة المؤمنين عادة لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم، إذ لابد من إخلاص النية لله تعالى في كل أعمال المسلم؛ سواءً أكانت جهاداً بالنفس أم نشاطاً اجتماعياً أم اقتصادياً أم سياسياً، فعمل المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول إرضاء الله تعالى.

ويعرف المسلم أنه إذا أشرك في نيته وآثر الدنيا فإنه يحبط عمله، كما ورد في الحديث الشريف «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وابتغي به وجهه». (1)

وإذا كان هذا التصور يتحكم في كثير من المسلمين الملتزمين اليوم، فكيف كان أثر ذلك في جيل الصحابة والتابعين وهم خير القرون؟!

أثر الإسلام على النفوس

إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه في صدر الإسلام، وتزكية أرواحهم والتوجه إلى الله وحده بالعبادة والمجاهدة، يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع لهم في تصرفاتهم وسلوكهم لم يكن دافعاً دنيوياً بقدر ما كان “وازعاً دينياً” و”أخلاقياً” يحثّ على فعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولأجل ذلك يجب استعمال “الأسلوب النقدي” في التعامل مع المصادر التاريخية، وعدم التسليم بكل ما تطرحه من أخبار، وإحالة رواياتها قبل القبول بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرفة هل يمكن أن تتجانس في سُداها ولُحمتها مع نسيج تلك المرحلة أم لا؟

وهكذا توضع الوجهة العامة للمجتمع الإسلامي وطبيعته وخصوصيته في الحسبان، وينظر إلى تعصب “الراوي” أو “الإخباري” أو “المؤرخ” من عدمه؛ فمن لاحت عليه أمارات التعصب والتحيز بطعن أو لمز في أهل العدالة والثقة من الصحابة، أو مخالفة لأمر معلوم في الشريعة أو عند الناس، أو معاكسة طبيعة المجتمع وأعرافه وقيمه الثابتة، ففي هذه الأحوال لا يؤخذ منه ولا يؤبه بأخباره لأن “التحيز” و”التعصب” حجاب ساتر عن رؤية الحقيقة التاريخية.

……………………………………………

هوامش:

  1. أخرجه النسائي في السنن، كتاب الحج، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، ج6، ص 25.

لقراءة الدراسة كاملة:

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية