زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

من زاد المجاهد محبة الله، ومن علاماتها محبة ما يحبه وبغض ما يبغضه. التقرب علامة والتخلص من الذنوب ومن مبغوضات الرب تعالى علامة لازمة.

مقدمة

إذا كان لا بد للمجاهد من زاد ومؤهلات لشرف القيام (من آداب المجاهد وتزكية النفس)، كما لا بد له من أن ينصر الحق (القيام بالحق زاد المجاهد)، ولا بد له من أن يكون موقفه مخلصا لله تعالى وحده لا ينازعه فيه غرض دنيوي (القيام لله وحده زاد المجاهد)، كذلك يجب عليه أن يحذر من آفات الإخلاص وما يضعفه (آفات تحول دون قبول عمل المجاهد) ..

فها هنا تنبيه لزاد لا حدود له، ولا يُشبع منه، وهو ريّ القلب على الحقيقة ورواء للروح ومادة حياتها، ألا وهو زاد المحبة لرب العالمين، فحقيقة الإخلاص انجذاب الروح بكمالها لله تعالى، والروح تنجذب لربها تعالى من باب المحبة التي تستغرق الروح وتحمل القلب حملا لربه تعالى.. ومن هنا ينطلق المجاهد ﴿يحبهم ويحبونه..﴾ الى قوله ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾.

محبة الله، وسلامة القلب مما يعارضها

فمِن زاد المؤمن في طريقه وجهاده محبة الله عز وجل وسلامة القلب من أي محبة تعارض محبة الله سبحانه؛ يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة :24).

والمحبة هي أصل العبادة، وهي ثمرة معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته الحسنى، وهي مستلزِمة لتوحيده وطاعته؛ وكلما قوِيت المحبة في قلب العبد ظهر أثرها في الانقياد التام لأمر الله والتضحية في سبيله، وبغْض أعدائه ومجاهدتهم، وموالاة أوليائه ونصرتهم.

كما يظهر أثرها في البُعد عن الحزبيات المقيتة والرايات العصبية والمنافع الدنيوية؛ فلا ينقلب بغيض الله حبيباً له بإحسانه إليه، كما لا ينقلب حبيب الله له بغيضاً إذا وصله منه ما يكرهه ويؤلمه.

والمجاهدون في سبيل الله عز وجل ـ أو من يعدون أنفسهم للجهاد ـ أحوج من غيرهم إلى تزكية هذا العمل القلبي الشريف؛ وذلك حتى لا يتورط المجاهد في رايات عميّة ولوثات حزبية أو وطنية أو قومية.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

“لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يُعطَى الناس بدعواهم لادّعى الخَليّ حُرقة الشجيّ.

فتنوّع المدّعون في الشهود؛ فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران :31) فتأخّر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه.

فطولبوا بعدالة البيّنة بتزكية ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54) فتأخّر أكثر المحبين وقام المجاهدون.

فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلمّوا إلى بيعة ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111) فلما عرفوا عظمة المشترِى، وفضْل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع: عرفوا قدر السلعة وأن لها شأناً؛ فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس؛ فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي، من غير ثبوت خيار. وقالوا «والله لا نقيلك ولا نستقليك».

فلما تم العقد وسلّموا المبيع؛ قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معاً ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: 170،169)

إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب؛ أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها؛ أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى.

لا يزال سعي المحب صاعداً إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيْ ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر: 10). (1مدارج السالكين 3/ 9،8)

من علامات محبة الله عز وجل

أولا: محبة من يحبه وبغض من يَبغضه ويُغضبه

محبة من يحبه الله عز وجل وما يحبه، وبغض من يبغضه الله عز وجل وما يبغضه؛ قال الله عز وجل:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة :4)

ثانياً: كثرة ذكر الله عز وجل واستغفاره والتوبة إليه

فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره. ومن ضعْف المحبة الغفلة عن ذكر المحبوب، ولذا حثّ الله عز وجل المجاهدين في سبيله إلى ذِكره في القتال؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

“وأمَر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ (الأنفال :45)، وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي الذي يذْكرني وهو ملاق قرنه»، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يستشهد به». (2مدارج السالكين 2/ 428،427)

وقد سنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أدعية وأذكاراً في اليوم والليلة ينبغي للمسلم ـ وخاصة المجاهد ومن يعد نفسه للجهاد ـ أن يحفظها ويذكر الله بها في أوقاتها؛ وأعظم الذكر قراءة القرآن قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (الأنبياء:50) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وإن مما ينبغي على الداعية والمجاهد أن لا يغفل عن كتاب الله عز وجل، بل يتعاهده حفظاً وتلاوة وتدبراً، وأن يكون له حزبٌ يومي لا يُخلّ به مع كتاب الله عز وجل .

ومن الذكر لله عز وجل كثرة استغفاره والتوبة إليه سبحانه والإنابة إليه.

وقد ذكر الله عز وجل في آية التوبة أن من صفات المجاهدين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم أنهم ﴿التَّائِبُونَ﴾.

والتوبة هي الرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه والندم على فعْل الذنب بعد الإقلاع عنه، وعدم الرجوع إليه. وحاجة المجاهد إلى التوبة والاستغفار شديدة؛ لأن المجاهد مُعرّض أكثر من غيره للعُجب بعمله الصالح مع دنوّ أجله وتعرّضه للموت في كل لحظة.

ولأن أكثر ما يخذل المجاهدين في المعارك ذنوبهم؛ فبالتوبة والاستغفار تمحى آثار الذنوب وتزول أسباب الهزيمة والخذلان، فضلاً عن أن التوبة عبادة عظيمة من العبادات التي يحبها الله عز وجل ويفرح بها.

والمجاهد بشر ليس بمعصوم؛ بل إنه مُعرّض للذنوب؛ ولكن المؤمن لا يصرّ على الذنب، بل يسرع الرجوع ويستغفر ربه عندما تضعف نفسه وتزل قدمه؛ قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:201)

وقال سبحانه في الآيات التي سبقت قصة أُحُد في آل عمران: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135).

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وهو المعصوم ـ يُكثر من الاستغفار ويقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (3البخاري (7405)، مسلم (2675))، ويقول صلى الله عليه وسلم :«يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مر». (4مسلم (2702))

ثالثاً: التقرب إلى الله عز وجل بأنواع القربات والطاعات

ابتداء بالفرائض وإتقانها، والزيادة على ذلك بالنوافل والمستحبات؛ ففي ذلك علامة على صدْق المحبة لله عز وجل؛ كما أنها تُثمر محبة الله عز وجل للعبد وحفظه له؛ كما جاء في الحديث القدسي:

«من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه؛ فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها». (5البخاري (6502))

ومما يدل على أن فعل ما أمر به الله عز وجل من الطاعات من علامات صدق المحبة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران :31)

خاتمة

يقتات قلب المؤمن على محبته لله؛ فهي غِذاؤه ودواؤه، كما تنجذب روجه اليه.

ولهذه المحبة وسائل يحقق بها محبته، ويكتسب بها ما هو أشرف من محبته لربه، ألا وهو ومحبة الله له.

تقْوى الروح ويستقيم القلب بهذا الغذاء. وأدواتُه هي تلك الطاعات والقرُبات والمواقف؛ فإنه كما تستلزم محبة الله أعمالا ظاهرة وتدفع العبد وتحمِله على مواقف شريفة؛ فإن تلك الأعمال والأقوال والمواقف تعود على القلب بزيادةٍ أخرى وزيادة هدى، وتذوقٍ لمحبة رب العالمين، وتلذذٍ بها، وحصول حلاوتها؛ فيُكمل الطريق ويستسهل الصعوبات ويقتحم المشاق إذ مقصوده محبوبه. فهنيئا للمحبين.

……………………………

الهوامش:

  1. مدارج السالكين 3/ 9،8.
  2. مدارج السالكين 2/ 428،427.
  3. البخاري (7405)، مسلم (2675).
  4. مسلم (2702).
  5. البخاري (6502).

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية