سُنة الله عز وجل في الهداية والإضلال


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

أعظم الأحداث في حياة الانسان هي حدث الهداية أو الإضلال؛ إذ يتقرر عليهما مصيره الأبدي الخالد، ولله في هذا سُنة، ويجب على كل إنسان معرفتها ليفقه عن ربه.

قدر الله، وجهد الإنسان

تناولت سورة الأنعام في أكثر من موضع بيان سُنة الله تعالى في هدايته لعباده وإضلاله لن شاء منهم. وتناول القرآن العظيم بيان هذه السُنة في مواضع كثيرة.

ولأن مصير الانسان يتوقف على هذا الحدث، يحدده قدر الله، وفيه اعتبار لجهد الانسان وموقفه وحال قلبه وحال إرادته للهدى وطلبه له، أو رفضه والإعراض عنه.. من أجل ذلك نتناول بيان طرفا من هذه السنة الربانية من خلال آيات سورة الأنعام.

آيات تناولت سنة الهداية والإضلال

قال الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: 39).

وقال عز وجل في السورة نفسها: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: 109-110).

وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 125- 126).

وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: 149).

وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: 53).

هذه بعض الآيات من سورة الأنعام التي يبين فيها ربنا تعالى سنته في الهداية والإضلال.

ولتفصيل هذه السنة أذكر هنا ما كتبه بعض المفسرين حول هذه الآيات:

قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:

“هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله المكذبين لرسله، أنهم قد سدُّوا على أنفسهم باب الهدى، وفتحوا باب الردى، وأنهم … منغمسون في ظلمات الجهل والكفر والظلم والعناد والمعاصي، وهذا من إضلال الله إياهم، …. لأنه المنفرد بالهداية والإضلال بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته”. (1)

وقال رحمه الله تعالى عند قوله سبحانه ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾:

“أي: ونعاقبهم إذ لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الدّاعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب والحيلولة بينهم وبين الإيمان وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وهذا من عدل الله وحكمته بعباده؛ فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق، كان مناسبًا لأحوالهم. (2)

ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى:

“والأمر كله مرهون بمشيئة الله، هو الذي شاء ألَّا يهديهم؛ لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى، وهو الذي شاء أن يدَع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء، وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى، وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال..

فلا تعارُض في التصور الإسلامي بين طلاقة المشيئة الإلهية، وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار..

أن الإنسان مبتلًى بقدر من الاختيار في الاتجاه؛ فإذا اتجه إلى الهدى وجاهد فيه هداه الله، ووقع هداه وتحقق بقدَر، وإذا اتجه إلى الضلال وكره الهدى أضله الله، ووقع ضلاله، وتحقق بقدر من الله.

وهو على الحالَيْن في قبضة الله وسلطانه، وحياتُه تجري بقدر الله، وفق مشيئته الطليقة، وسنته التي وضعتها مشيئته الطليقة. (3)

خلاصة أقوال المفسرين

نخلص من هذه النقولات عن سنة الله عز وجل في الهداية والإضلال إلى ما يلي:

أولًا: الإضلال والهداية مقتضى حكمة الله ورحمته

فالإضلال والهداية من الله سبحانه لعباده هي من مقتضى علمه سبحانه وحكمته وعزته ورحمته؛  فالله عز وجل يهدي مَن يشاء بفضله ورحمته وعلمه وحكمته، ويُضل مَن يشاء بعدله وعلمه وحكمته، وليس لمجرد المشيئة الخالية من العلم والحكمة ـ كما تقوله الأشاعرة ومن نهج نهجهم ـ فالله عز وجل يهدي من علم منه سبحانه حبَّه للهداية وخضوعه وإنابته للحق إذا تبين له، ويعينه ويوفقه لذلك، بينما من أعرض عنه سبحانه وعن الهداية التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل الكتب واستكبر على الحق؛ فإن الله عز وجل يخذله وَيكِله إلى نفسه.

ومَن تخلَّى الله عز وجل عنه، ولم يمده بعونه هلك وضل، وطبع على قلبه وسمْعِه فمن يهديه من بعد الله..؟!

فالهداية والإضلال التي هي من فعل الله عز وجل تقع جزاء لفعل العبد باختياره وسلوكه طريق الهدى وقبوله له، أو اختيار طريق الضلال وقبوله له.

ثانيًا: الهداية والإضلال بين الحمد والعدل

إن سنة الله عز وجل في الهداية والإضلال هي من مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فَيَمُنُّ على مَن أقبل عليه وأناب إليه بفضله ورحمته وعلمه وحكمته، ويضل من أعرض عنه بعلمه وحكمته وعزته وعدله، وله سبحانه الحمد التام على ذلك كله.

والله تعالى حكم عدل لا يظلم أحدًا من عباده، ولا يضل إلَّا من علم منه سبحانه تكبره وإعراضه، والله عز وجل له الحمد التام في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ حيث لا يضع الهداية إلا في قلب مَن يستحقها، ولا الإضلال إلا في قلب مَن يستحقه.

ثالثًا: بين قدر الله النافذ والثقة في عدله

إن قدر الله عز وجل وحكمه النافذ في خلقه هو سر الله عز وجل، ولا قدرة للعقول على إدراك هذا السر؛ لأن كيفيات أفعال الله عز وجل فوق مُدْرَكات العقول، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: 110).

لذا؛ فالمطلوب من المسلم أن يهتم وينهض بأداء ما كلّفه الله عز وجل به من الأوامر والنواهي، وأن يكُف ولا ينشغل ولا يبحث في شيء وراء الغاية التي خلق من أجلها، ولا يبحث في شيء وراء ذلك من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود.

وأن يوقن بأن الله عز وجل ما كان ليكلفه بأمر يعلم أن لا طاقة له به أو أنه ممنوع بمانع قهري عنه.

وما كان الله عز وجل لينهاه عن شيء يعلم أن لا طاقة بالامتناع عنه أو أنه مدفوع بدافع قهري لارتكابه، قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286) (4).

من ثمرات العلم بسنة الله في الهداية والإضلال

يترتب على معرفة هذه السُنة عدة فوائد وثمرات؛ منها:

الثمرة الأولى: التضرع في طلب الهداية

سؤال الله عز وجل والتضرع بين يديه في طلب الهداية بنوعيها: هداية الدلالة والإرشاد إلى الحق، وهداية التوفيق باتباع الحق والانقياد له، وسؤاله مع ذلك الثبات على الحق والهدى والموت عليه؛ لأنه ليس كل من رُزق الهداية يموت عليها، والتوفيق للحق واتباعه. والموت والثبات عليه حتى الممات لا يوفِّق إليه إلا مالك القلوب ومصرفها علام الغيوب.

ولقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُكثر في دعائه من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله دعوة كثيرًا ما تدعو بها قال: «إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه». (5)

والله عز وجل لا يُضل من استهداه، ولا يُخيّب من رجاه، ولا يخذل من أناب إليه بصدق وإخلاص؛ لأن الله عز وجل إذا علم من عبده الصدق في طلب الهداية والإذعان للحق إذا تبين له وفّقه وسدّده وأعانه، وإذا علم منه الإعراض والإباء والاستكبار أعرض عنه وخذله ووكله إلى نفسه وشيطانه.

الثمرة الثانية: الحذر من رد الحق

إذا علم العبد أن سنة الله عز وجل في هداية عباده إلى الحق أو الإضلال عنه تنفُذ في عباده، حسب ما يعلمه سبحانه من قلوبهم من محبة بعضهم للحق والانقياد له، أو تَكبُّر بعضهم على الحق ورده؛ إذا علم العبد ذلك، فإن هذا الشعور يجعله على حذر من رد الحق، إذا بان له، لأن الله عز وجل يعاقب مَن تكبر على الحق بصرْفه عنه، وترْك إعانته.

ومن تخلى الله عز وجل عنه ولم يُعنْه هلك وضل ضلالًا مبينًا.

وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

“احذر حذار من أمرين لهما عواقب سوء:

أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك؛ فإنك تعاقَب بتقليب القلب، وردِّ ما يَرِدُ عليك من الحق رأسًا، ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك.

والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته؛ فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره؛ عقوبة لك.

فمن سلَّم من هاتين الآفتين والبليَّتين العظيمتين؛ فَلْيَهْنِهِ السلامة”. (6)

[للمزيد: أثر التوحيد على الذنوب وأثر الذنوب عليها]

الثمرة الثالثة: محبة الله وإجلاله

فمن ثمرات معرفة هذه السُنّة؛ محبته سبحانه، وإحسان الظن به، وإجلاله وتعظيمه، وتعظيم أسمائه الحسنى وصفاته العلى، حيث إن كل ما خلق الله عز وجل أو أمَر به فهو مقتضى أسمائه الحسنى التي لا تقتضي إلا الأفعال الحسنى، التي لا يتطرق لها نقص ولا ظلم ولا جهل ولا هوى.

ومن ذلك هدايته سبحانه لمن يشاء من عباده وإضلاله لمن يشاء، وذلك بحكمته وعدله وعزته وعلمه سبحانه، فهو سبحانه ـ كما سبق ـ لا يُضل إلا مَن يعلم سبحانه أنه مستحق للإضلال بإعراضه وتكبُّره على الحق، ولا يهدي إلا مَن يعلم استحقاقه للهداية والتوفيق بما يعلم منه سبحانه من إرادته للحق وانقياده له.

وهذا علم غيبي لا يعلمه إلا الله عز وجل، العالم بما في السرائر والضمائر، أما البشر فلا يعلمون من الإنسان إلا ما ظهر منه، فعلمنا بأسماء الله الحسنى ومقتضياتها يجعلنا نوقن ونطمئن أن الله عز وجل لا يهدي ولا يُضل إلا من علم منه سبحانه أنه مستحق للهداية أو الإضلال.

وهذا يفسر لنا قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»… الحديث. (7)

الثقة في الله

بمعرفة سنة الله عز وجل في الهداية والإضلال يزول الإشكال الذي قد يعْلَق ببعض الأذهان من كون الله عز وجل يُضل مَن عمل بعمل أهل الجنة، وأوشك على دخولها، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وزوال الإشكال يكون بعلمنا أن الله عز وجل يعلم من قلب هذا العبد ما لم يعلمه الناس، الذين لا يرون إلا ظاهر أعماله التي تبدو للناس، أما علم الله سبحانه المطلع على أسرار قلب هذا العبد وما فيه من الكبر والإعراض والإباء؛ فهو الذي ترتب عليه سوء خاتمته وإضلاله ودخوله النار.

وفي إدراك هذه الحقيقة ثمرة أخرى ألا وهي التطامُن في الحكم على الآخرين، سواء بالتزكية أو التَّدْسية، فَلَرُبَّما ضلَّ مَن كنا نرى أنه من المهتدين، واهتدى من نرى أنه من الفاسقين.

وبمعرفة هذه الحقيقة يزول عن المسلم شعورُه باليأس من هداية الضالين أو الحزن والحسرة على ضلالهم، أو انتكاستهم بعد هدايتهم بعد بذْل أسباب الهداية لهم؛ فالله عز وجل بعلمه وحكمته وعزته وعدله يُضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء.

نسأل الله عز وجل أن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

………………………………

الهوامش:

  1. تفسير السعدي (ص256).
  2. المصدر نفسه (ص269).
  3. في ظلال القرآن (3/1188).
  4. انظر: خصائص التصور الإسلامي (ص136).
  5. رواه ابن ماجه (199)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (165).
  6. بدائع الفوائد (3/180).
  7. البخاري (4202) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، ومسلم (2651) (112).

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.