زيارة البشير، ومعادلة القوة والنفاق


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

الضعف يعرّض أصحابه للفتن، وطول الأمد قد يزحزح صاحبه عن الطريق فيركن الى من يعلم أنهم مجرمون..! ليصبح أحدهم؛ بل يعمل على إرضائهم..!

الخبر

1) “عاد الرئيس السوداني عمر البشير مساء الأحد إلى الخرطوم مختتما زيارة مفاجئة إلى دمشق، التقى خلالها رئيس النظام بشار الأسد، في خطوة رمزية لكونها أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ اندلاع الثورة ضد النظام قبل نحو ثماني سنوات.

وقال وزير الدولة السوداني بوزارة الخارجية أسامة فيصل ـ الذي رافق البشير ـ إن البشير أجرى مباحثات مع الأسد، وأكدا خلالها ضرورة إيجاد مقاربات جديدة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.

“وقال البشير خلال المباحثات مع الأسد إن “سوريا دولة مواجهة وإضعافها إضعاف للقضايا العربية”، مؤكدا “حرص السودان على استقرار سوريا وأمنها ووحدة أراضيها بقيادتها الشرعية والحوار السلمي بين كافة مكونات شعبها والحكومة الشرعية”، بحسب بيان للرئاسة السودانية.

وأضاف البشير أن السودان سيستمر في بذل الجهود حتى تستعيد سوريا عافيتها وتعود إلى حضن الأمة العربية، وفقا للبيان”. (1)

2) وعن الدور الروسي في الزيارة:

“ألمحت وزارة الخارجية الروسية، إلى السبب الرئيسي لزيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا ولقاء رئيس النظام بشار الأسد، لافتة إلى أن الزيارة قد تكون بداية لعودة دمشق إلى جامعة الدول العربية.

وعبرت روسيا، والتي ترتبط بعلاقات وثيقة مع النظام السوري، عن أملها بأن تساعد زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، ولقاؤه نظيره السوري بشار الأسد في عودة سوريا الشاملة إلى جامعة الدول العربية.

وقالت الخارجية الروسية، في بيان لها، “من جانبنا نرحب بأول زيارة لرئيس دولة عربية إلى سوريا منذ تجميد العضوية السورية في جامعة الدول العربية في نوفمبر عام 2011 ونعبر عن أملنا بأن تساعد نتائجها في الاستئناف الكامل للعلاقات بين الدول العربية وسوريا، والاستئناف السريع لمشاركتها الشاملة في (عمل) جامعة الدول العربية”. (2)

3) وعن سياق الخبر والموقف الخليجي عامة:

“أثارت زيارة الرئيس السوداني عمر البشير، مساء الأحد، إلى دمشق ولقائه رئيس النظام السوري بشار الأسد، تساؤلات عدة أبرزها عن ما إذا كانت تعد خرقا لقرارات الجامعة العربية ضد النظام في دمشق، على خلفية القمع الذي مارسه ضد الشعب السوري منذ (2011)، وما إذا كانت تمثل مقدمة لتطبيع عربي مع الأسد.

وكبوادر تطبيع عربي مع الأسد، فقد رصدت “عربي21” مؤشرات على اتجاه نحو تطبيع العلاقات بالفعل، كما يأتي بعد أول زيارة لزعيم عربي لدمشق منذ اندلاع الأزمة السورية:

– دعوة البرلمان العربي أعضاء جامعة الدول العربية إلى إعادة تفعيل مقعد سوريا.

– تصريحات رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب السوري عمار الأسد، بشأن عودة فتح سفارة الإمارات بدمشق.

– تصريح وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش سابقا: “كان من الخطأ إخراج سوريا من الجامعة العربية”، مشددا على “ضرورة عودة العمل مع دمشق”.

– صحيفة كويتية تقوم بمقابلة مع الأسد في دمشق لأول مرة منذ الحرب في سوريا، وقال فيها الأسد إن سوريا وصلت إلى مستوى جيد من التفاهم مع دول الخليج والدول العربية، مؤكدا وجود اتصالات لعودة العلاقات.

– نائب وزير الخارجية الكويتي، خالد الجار الله، نفى قطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع سوريا، بالقول: “إن علاقة الكويت بدمشق مجمدة وليست مقطوعة”، وفق الوكالة الكويتية للأنباء كونا.

– فتح معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا واجتماعات بين الجانبين.

– ما كشفه موقع “ميدل إيست آي” البريطاني في مقال عن مساع إماراتية تقوم بها عبر “قناة سرية” للتوصل إلى مصالحة سياسية بين السعودية والنظام السوري، وذلك عقب تحسن علاقة الأخير مع أبوظبي.
ونشر الموقع مقالا حمل عنوان “لماذا تتواصل الإمارات والسعودية مع الأسد؟”. (3)

دلالة الخبر

زيارة البشير الى سوريا أمر فارق لأنها إعلان ـ كاذب ـ عن موت حراك الشعوب وانتصار أنظمة الاستبداد والدماء، ودعوة لغيره الى هذا الطريق من الاستبداد والدماء وقهر الأمة.

يأتي هذا بعدما كان يقاوم اسرائيل ويدعم المقاومة الاسلامية “حماس”، ويزعم أنه يسعى لتحكيم الشريعة.. فإذا به متهم في مذابح لجزء من أمته، ثم تحت مطارق الضعف يتهاوى فيستسلم لانقسام بلده وشعبه.

ثم يصبح متعاملا مع العلمانيين يدوس بقدمه على المسلمين ومذابحهم وقضاياهم، ثم متعاملا مع السفّاحين مباركا وجودهم واستمرارهم.

ثم تمادى ليخطب ودّ الغرب فيذهب مطبّعا مع الصهاينة؛ تابعا في كل تجاه، ثم اختاروه ليصبح سمسارا في العمليات القذرة ويُختار للمواقف المشينة وبدايات الطرق الوعرة. فيقوم بما يستحيي منه سواه.

وفي هذا كله رسالتان ذات مغزى، وهما مكررتان مع غالب حكام بلاد المسلمين اليوم:

(الأولى) أن شهوة الملك تذل أصحابها، حتى تُفقدهم دينهم وعقيدتهم ومبادئهم.

والعجَب العُجاب أنها تكبر في نفوس اقتربت من الموت وضعفت عن الحركة وأشرفت على لقاء الله تعالى.. في مفارقة عجيبة بتلك المخلوقات..!

(الثانية) أنك كلما كانت الدولة ضعيفة كلما دامت الضغوط وتعرض الناس للفتن حتى يفقدوا شعاراتهم الأولى ومبادئهم المرفوعة ـ لو كانوا فيها صادقين ـ فقد يقع الانسان في نفاق عظيم وارتداد صريح، أو سفور بعد غموض أو زيادة في الطريق المهلك.

يحتاج المسلمون الى وضوح عقدي، وقوة في مفاهيمهم، لكن هذا جانب من جانبي القوة المطلوبة..

وأما الجانب الآخر فهو أنهم يحتاجون أيضا الى قوة في التماسك المجتمعي، وقوة بناء الدولة. وأن الدولة المهترئة والفاشلة تصبح محلا للأطماع، أطماع العدو، وأطماع الأذناب؛ فيتم بيعها وشراؤها ليحكم “فرد” فيضيّع أمة من المسلمين.

ومع التحفظ على تجربة تركيا ومواقف “أردوغان” لما فيها من المخالفات العقدية؛ لكنه نجح في قطع خطوات في اتجاه القوة، المجتمعية وقوة الدولة، وكلما قويت دولته كلما علا صوته واستقلت مواقفه.

وجوب استقلال الكلمة

القوة رسالة تشمل المنهج والعقيدة، وتشمل الإيمان والمبدأ، وتشمل قوة تماسك المجتمع، وتشمل بناء “الدولة” الحديثة القوية.

القوة فريضة على المسلمين، واستقلال الكلمة والقرار أمر ضروري، فالتخلص من التبعية هو المؤدي لاختيار المنهج الرباني والقوة على إقامته وتنفيذه؛ أما الضعف فيوقع اصحابه في فخاخ متتالية، وتصبح بلادنا عُرضة لكل ابتزاز، ورهينة في يد بائع ومشترٍ.

نسأل الله تعالى أن يجعل للمسلمين في كل مكان فرجا ومخرجا، وقوةً وسلطانا من لدنه نصيرا.

…………………………………….

هوامش:

  1. الجزيرة، بتاريخ 17/12/2018 على الرابط التالي:
    البشير ينهي زيارة مفاجئة للأسد ويتعهد بإعادة النظام السوري إلى “الحضن العربي
  2. موقع المصريون، بتاريخ 17/12/2018 تحت عنوان: على الرابط التالي:
    روسيا تلمح.. سر زيارة البشير إلى سوريا
  3. موقع “عربي 21” بتاريخ 17/12/2018 على الرابط التالي:
    مخاوف تطبيع عربي مع الأسد.. هل تجاوز البشير الجامعة العربية؟”

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.