”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

خصوصية عاشوراء وفضل صومه

ليوم عاشوراء فضل ويجب التزام الناس بالسنة الوادرة في شأنه. وله دلالات عقدية وقواعد تعبدية. كما أن ثمة بدع مرفوضة؛ فهي محرمة كما هي مشوِهة ومنفرة.

مقدمة

ما المناسبات الإسلامية إلا اصطفاء من الله تعالى لبعض الأزمان وتخصيص لها بعبادات ووظائف.

تأتي تلك المناسبات الكريمة فتحرك الشعور الإسلامي في أهله ليُقبلوا على الله عز وجل فيزدادوا طهراً وصفاءاً ونقاءاً.

يُقبل شهر الله المحرم فيدعو المسلمين للصيام؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». (1رواه مسلم، ح/ 1163)

وفي الوقت الذي يذكِّرنا فيه هذا الشهر بهجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بداية ظهور الدعوة وقيام دولة الإسلام نجد فيه يوماً يذكِّرنا بانتصار نبي آخر هو موسى عليه الصلاة والسلام. ذلكم هو يوم “عاشوراء” العاشر من المحرم.

ولقد حبا الله هذا اليوم فضلاً؛ فضاعف فيه أجر الصيام. ثم كان للناس فيه طرائق فأدخلوا فيه وأحدثوا وزادوا.. إما رغبة في الخير، أو مجاراة للناس، وإما اتباعاً للهوى وزهداً في السنة.

من هنا نشأت الحاجة لبيان فضل هذا اليوم، وما يشرع فيه، وبيان أحوال الناس في تعظيمه، مع وقفات تبرز من خلال المطالعة والبحث في هذا الموضوع، أسأل الله تعالى الهدى والسداد، وأن ينفع بهذه السطور.

فضل عاشوراء وأحوال الناس فيه

أولاً: خصوصية عاشوراء وفضل صومه

جاء في فضل عاشوراء أنه يوم نجَّى الله فيه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام والمؤمنين معه، وأغرق فيه فرعون وحزبه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأوْلى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه. (2البخاري، ح/2004، ومسلم، ح/11330 ، واللفظ له)، وهذا يحتمل أن الله تعالى: «أوحى إليه بصدقهم، أو تواتر عنده الخبر بذلك». (3فتح الباري: 4/ 291)

وقد جاء بيان فضل صيام يوم عاشوراء في حديث أبي قتادة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، سُئل عن صوم عاشوراء، فقال: «يكفِّر السنة الماضية»، وفي رواية: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». (4رواه مسلم، ح: 1162)، وفي حديث آخر: «ومَن صام عاشوراء غفر الله له سنة». (5رواه البزار، انظر: مختصر زوائد البزار 1/ 407 ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1/ 422)

قال البيهقي:

“وهذا فيمن صادف صومُه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفِّرها؛ فإن صادف صومه وقد كُفِّرت سيئاته بغيره انقلبت زيادة في درجاته، وبالله التوفيق”. (6فضائل الأوقات، للبيهقي: 439)

بل إن صيامه يعدل صيام سنة، كما في رواية: «ذاك صوم سنة». (7رواه ابن حبان: 8/ 394، ح/3631 قال شعيب الأرناؤوط: إسناده على شرط مسلم)

ويصوّر ابن عباس حرص النبي صلى الله عليه وسلم على صيامه فيقول: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان». (8رواه البخاري، ح/2006)

ولِمَا عُرف من فضله فقد كان للسلف حرص كبير على إدراكه، حتى كان بعضهم يصومه في السفر؛ خشية فواته، كما نقله ابن رجب عن طائفة منهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وقال: “رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر”. (9لطائف المعارف، لابن رجب: 110 ، وأخرج أثر الزهري البيهقي في الشعب: 3/ 367)

ثانياً: كيفية مخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء

يظهر من الأحاديث ـ والله أعلم ـ أن الأكمل هو صوم التاسع والعاشر؛ لأنه هو الذي عزم على فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

ومَن صحح حديث: «وصوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا» فإنه قال بمشروعية صيام الحادي عشر لمن لم يصم التاسع، لتحصل له مخالفة اليهود التي قصد إليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ خاصة أن من أهل العلم من يرى كراهية إفراد العاشر بالصوم؛ لما فيه من موافقة اليهود ومخالفة الأمر بمخالفتهم، وأيضًا خشية فوات العاشر. (10وهو المشهور عن ابن عباس ومقتضى كلام أحمد، ومذهب الحنفية انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، 1/ 470 – 471، ورد المحتار، لابن عابدين 3/ 336 – 337)

ومن أهل العلم من قال بأفضلية صوم الثلاثة أيام: التاسع والحادي عشر مع العاشر، وحجتهم الرواية المتقدمة: «صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده»، وأيضًا: الاحتياط لإدراك العاشر، ولأنه أبلغ في مخالفة اليهود.

ثالثاً: أعمال الناس في عاشوراء في ميزان الشرع

إذا نظرنا في أفعال الناس في عاشوراء؛ سواء ما كان منها في الحاضر أو الماضي أو الماضي القريب رأينا أنها على صور عدة:

بدع العبادات

ما كان منها في باب “العبادات“؛ حيث خصوا هذا اليوم ببعض العبادات كقيام ليلة عاشوراء، وزيارة القبور فيه، والصدقة، وتقديم الزكاة أو تأخيرها عن وقتها لتقع في يوم عاشوراء، وقراءة سورة فيها ذكر موسى فجر يوم عاشوراء…

فهذه ونحوها وقعت المخالفة فيها في سبب العمل وهو تخصيصه بوقت لم يخصه الشارع بهذه الأعمال، ولو أراده لحثَّ عليه، كما حث على الصيام فيه، فيُمنع من فعلها بهذا التقييد الزمني، وإن كانت مشروعة في أصلها.

بدع العادات

ما كان من باب “العادات” التي تمارَس في عاشوراء تشبيهاً له بالعيد، ومن ذلك: الاغتسال، والاكتحال، واستعمال البخور، والتوسع في المآكل والمشارب، وطحن الحبوب، وطبخ الطعام المخصوص، والذبح لأجل اللحم، وإظهار البهجة والسرور. ومنها عادات لا تخلو من منكرات قبيحة.

وقد أشار ابن تيمية إلى ما روي من الأحاديث في فضل عاشوراء قال:

“وكل هذا كذِبٌ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يصح في عاشوراء إلا فضل صيامه”. (11منهاج السنة النبوية 7/ 39، وانظر: مواهب الجليل 2/ 403 – 444)

مآتم الشيعة (الرافضة والباطنية)

أما بالنسبة لمآتم الشيعة فإنه لا نزاع في فضل “الحسيْن” رضي الله عنه ومناقبه؛ والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله تعالى.

ولكن لا يَحسُن أبداً ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي يُلحَظُ التصنع والتكلف في أكثره، وقد كان أبوه عليٌّ أفضل منه وقُتل، ولم يتخذوا موته مأتماً، وقتل عثمان وعمر ومات أبو بكر رضي الله عنهم، وكلهم أفضل منه.. ومات سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولم يقع في يوم موته ما هو حاصل في مقتل الحسين. وليس اتخاذ المآتم من دين المسلمين أصلاً، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية. (12انظر: البداية والنهاية، لابن كثير: 8/ 201 – 203 ، والفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية : 25/ 307 – 314، واقتضاء الصراط المستقيم : 2/ 129- 131)

ولقد كانت بعض تصرفات الرافضة في مآتمهم موضع انتقاد من بعض علمائهم، مع إصرار الجميع على المآتم والحزن.

رابعا: وقفات وفوائد

حين يعظم الكفار بعض الشعائر

جاء في حديث عائشة رضي الله عنها الصحيح أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وأياً كان الحامل لهم على ذلك فإنه ليس غريباً بقاء أثارة من تدين عند الكفرة والمشركين، وهذا غالباً هو حال المبدلين شرع الله. ولكن وجود شيء من ذلك لا يعني استحسان حالهم العامة بإطلاق مع بقائهم على الشرك والكفر؛ لأن ميزان التفضيل هو التزام الدين قلباً وقالباً عن رضىً وقبول كما أراده الله، لا تجزئة الدين والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، ولا التعلق بمجرد شعائر خالية من اليقين والإيمان الخالص الذي هو دليل الشكر الصادق، وسبب التكفير والمغفرة لمن سعى لذلك.

مخالفة أهل الكتاب من أعظم مقاصد الشريعة

مخالفة الكفار من أبرز مظاهر تحقيق البراء من الكافرين الذي لا يتم الإيمان إلا به، وقد شدّد الشارع على المتشبهين بهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم». (13رواه أبو داود: ح/ 4031 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ، ح : 341)، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. (14انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 270)

حقيقة الانتماء

لا يكفي صومهم عاشوراء أن يقوم دليلاً لكونهم أوْلى بموسى. أبداً؛ إذ الحكم في ذلك بحسب تمام المتابعة والتزام المنهج، قال الله عز وجل: ﴿إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ[آل عمران : 68].

ولذا كان نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم وأتباعه أوْلى بنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام من الأمة الغضبية، فقال: «نحن أحق وأوْلى بموسى منكم». (15هذا لفظ مسلم : ح/1130)

وهكذا تتوحد المشاعر، وترتبط القلوب مع طول العهد الزماني، والتباعد المكاني، فيكون المؤمنون حزباً واحداً هو حزب الله عز وجل؛ فهم أمة واحدة، من وراء الأجيال والقرون، ومن وراء المكان والأوطان.. لا يحول دون الانتماء إليها أصل الإنسان أو لونه أو لغته أو طبقته. إنما هو شرط واحد لا يتبدل، وهو تحقيق الإيمان، فإذا ما وجد كان صاحبه هو الأوْلى والأحق بالولاية دون القريب ممن افتقد الشرط؛ ولذا استحقت هذه الأمة ولاية موسى دون اليهود المغضوب عليهم. ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء : 29].

عبادة الله أبلغ الشكر

كانت نجاة موسى عليه الصلاة والسلام وقومه من فرعون.. منَّة كبرى أعقبها موسى بصيام ذلك اليوم، فكان بذلك وغيره من العبادات شاكرًا لله تعالى؛ إذ العمل الصالح شكر لله كبير، قال ربنا عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[سبأ: 31]، وأساس الشكر مبني على خمس قواعد: الخضوع للمنعم، وحبه، والاعتراف بنعمته، والثناء عليه بها، وألا تصرف النعمة فيما يكرهه المنعم.

ويجب التنبه إلى أن أمر العبادة قائم على الاتباع؛ فلا يجوز إحداث عبادات لم تشرع، كما لا يجوز تخصيص عاشوراء ولا غيره من الأزمان الفاضلة بعبادات لم ينص عليها الشارع في ذلك الزمن. أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فعباداتهم شرع معصوم مبني على وحي الله عز وجل إليهم.

ثم اقتفاء آثار الأنبياء وتحقيق الاهتداء بهديهم والاجتهاد في تطبيق سنتهم هو الشكر بعينه.

في التعويد على الخير تثبيت عليه

بلغ بالصحابة الحرص على تعويد صغارهم الصيام أن احتالوا عليهم في تمرينهم عليه حتى يُتِمُّوه، فصنعوا لهم اللعب يتلهون بها عن طلب الطعام، كما تقدم في حديث الربيِّع؛ وذلك لكون تعويد الصغير على فعل الخير مكمن قوة في استقامته عليه في الكبر؛ لأنه يصير هيئة راسخة في نفسه تعسر زعزعتها.. واليوم لدينا من وسائل التلهية المباحة بقدر ما لدينا من أصناف الطعام وأشكاله، وإذا اقتنع المربي بواجبه التربوي لم تُعْيِه الحيلة؛ فإن الحاجة تفتق الحيلة.

خاتمة

في الشعائر والتعبدات تجري قواعد الإسلام ونرى فيها تطبيقا للقواعد الكبيرة التي تميز هذا الدين، وتميز هذه الأمة. وهذا ما نراه في فضل يوم عاشوراء بين الإفراط والتفريط؛ كما هو قاعدة هذا الدين ومنهجه.

………………………….

الهوامش:

  1. رواه مسلم، ح/ 1163.
  2. البخاري، ح/2004، ومسلم، ح/11330، واللفظ له.
  3. فتح الباري: 4/ 291.
  4. رواه مسلم، ح: 1162.
  5. رواه البزار، انظر: مختصر زوائد البزار 1/ 407 ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1/ 422.
  6. فضائل الأوقات، للبيهقي: 439.
  7. رواه ابن حبان: 8/394، ح/3631 قال شعيب الأرناؤوط: إسناده على شرط مسلم.
  8. رواه البخاري، ح/2006.
  9. لطائف المعارف، لابن رجب : 110، وأخرج أثر الزهري البيهقي في الشعب: 3/ 367.
  10. وهو المشهور عن ابن عباس ومقتضى كلام أحمد، ومذهب الحنفية انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، 1/ 470 – 471، ورد المحتار، لابن عابدين 3/ 336 – 337.
  11. منهاج السنة النبوية 7/ 39، وانظر: مواهب الجليل 2/ 403 – 444.
  12. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير: 8/ 201 – 203 ، والفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: 25/ 307 – 314 ، واقتضاء الصراط المستقيم : 2/ 129- 131.
  13. رواه أبو داود: ح/ 4031 ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ، ح : 341.
  14. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 270.
  15. هذا لفظ مسلم : ح/1130.

المصدر:

  • يوم عاشوراء .. أحكام وفوائد، عبداللطيف بن عبدالمحسن، بتصرف يسير. (مجلة البيان ـ العدد [149] صــ 8 المحرم 1421 – مايو 2000).

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد