زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

للتغيير سنن، وللتغيير الإيجابي وفق منهج الله تعالى سنن وقواعد، على من يسير في طريق التغيير بمنهج الأنبياء أن يعيَها وأن يسير على وفقها ويهتدي بمعالمها.

بين الإحباط والاستعجال

إن عدم الانتباه لسنن الله عز وجل في التغيير مع العوائق الشديدة التي تواجه الدعاة إلى الله عز وجل في طريقهم قد يؤدي ذلك كله ببعض الطيبين ـ وقد أدى ـ إلى اليأس والإحباط، حتى ألقي بيديه ينتظر خارقة أو مهديا ينصر الله به دينه، كما أدى ذلك بالبعض الآخر إلى أن يظن أن الحل يكمن في التنازل للأعداء والرضا بالحلول الوسط؛ فدخل في تحالفات أو مجالس وبرلمانات ليحقق بذلك بعض المكاسب للدعوة أو يدفع بعض المفاسد عنها.

وفي المقابل نشأ فريق آخر يرى المواجهة واستعجال النصر ولكن قبل أوانه. كل ذلك ـ والله أعلم ـ نشأ من الضغوط الشديدة من العوائق الخارجية والداخلية وإغفال سنن الله عز وجل في التغيير.

وإن الحل لواقعنا المرير هو المنهج الصحيح في التغيير والذي يكمن في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وبالذات في بدء الدعوة واستضعافها.

من معالم منهج التغيير

وباستقراء معالم هذا المنهج الكريم يتبين أن أهمها ما يلي:

أولا: أصلان عظيمان للانطلاق بالدعوة

الانطلاق في الدعوة إلى الله عز وجل من أصلين عظيمين أمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينطلق بهما، وهذان الأصلان مذكوران في سورة مكية حيث يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

فقد حددت هذه الآية الكريمة صفات الدعوة الصالحة المقبولة عند الله عز وجل وأنها هي التي ترتكز على هذين الأصلين العظيمين وهما:

الأصل الأول: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾: والمراد من ذلك الدعوة إلى التوحيد بادئ ذي بدء والموالاة والمعاداة على أساسه، والإخلاص والصدق في الدعوة، وأن المراد منها وجه الله عز وجل، وإخلاص العبادة له وتوحيده، وأنه لا يدعو إلى شيء إلا إلى الله عز وجل؛ لا إلى شخص، أو حزب، أو راية أو أي غرض من أغراض الدنيا ، والمراد من هذا الأصل سلامة القصد.

الأصل الثاني: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾: أي أن تكون الدعوة على بصيرة وعلم ودلیل واتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد من هذا الأصل سلامة الفهم.

إن نصر الله عز وجل لا ينزل إلا على قوم قد صحت مقاصدهم فأخلصوا لله دعوتهم وعبوديتهم، وصحت فُهومهم بالسير على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام عقيدة وعبادة وسلوكا.

ثانيا: الإيمان بوعد الله

إيمان بالله عز وجل وبوعده الذي لا يتخلف وأن نصره تعالى لعباده المؤمنين آت لا محالة، وأن نوقن بذلك كما نرى الشمس في رابعة النهار. وهذا ما كان يربي النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه وهم في حالة استضعاف وإيذاء؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت عندما جاءه يشكو إليه أذى المشركين ويطلب نصر الله تعالى: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». (1صحيح البخاري – كتاب الإكراه (6943))

ثالثا: وحدة الصف وتماسك اللبِنات

السعي إلى توحيد صفوف أهل السنة ورأب الصدع وتأليف القلوب وتحقيق معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». (2متفق عليه)

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه». (3متفق عليه)؛ فهل هذه المعاني العظيمة متحققة الآن بين الدعاة المؤمنين أم أن الحاصل هو الفرقة والاختلاف..؟!

إن الله عز وجل قد حذّرَنا من التنازع والتفرق وأخبرنا أن الفشل والهزيمة وتغلب الأعداء ثمرة حتمية للتنازع. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، فكيف نرجو نصرة ونحن بهذه الحالة..؟!

إن الواجب على كل مؤمن صادق مخلص أن يسعى جاهدا للوحدة والائتلاف ويكره وينبذ الفرقة والاختلاف، وإن لم يستطع جمع الكلمة فلا أقل من أن يكف شره ولا يفرِق؛ فمن استطاع أن يجمع فليفعل، ومن لم يستطع فلا يفرق، فهذا منه خير.

رابعا: إحياء أخلاق السلف

التربية الجادة للنفوس وإحياء السلوك الإسلامي وأخلاق السلف الفاضلة والقضاء على الرواسب والأخلاق الرديئة. وهذا يحتاج إلى صبر طويل وجهد كبير.

خامسا: خصوصية التعبد والزهد

التركيز على الجانب العبادي وتكثيفه كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي عليه أصحابه في مكة من صلاة الليل والذِكر وغيره، والتربية على الزهد في الدنيا وإنشاء هم الآخرة وانتظار موعود الله عز وجل فيها.

سادسا: توطين النفوس على الصبر والنفَس الطويل

توطين النفوس على الصبر على البلاء، والنفَس الطويل وعدم العجلة في ذلك حتى يتم صقلها وتمحيصها، وأن تُربى على أن يكون الانطلاق من الشريعة وقواعدها لا من ردود الفعل والعواطف الملتهبة، وهذا يحتاج إلى تربية طويلة وصبر جمیل ودعوة هادئة مستمرة يتم فيها إبلاغ الناس بدين الله عز وجل ويتميز فيها الخبيث من الطيب كما هو الحال في العهد المَلكي الذي ظهرت فيه هذه المعاني بوضوح وجلاء؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

سابعا: استفاضة البلاغ

توسيع نطاق الدعوة إلى الله عز وجل والبلاغ العام لكافة الطبقات وإقامة الحجة وتعرية الباطل باللسان والبيان.

ثامنا: التربية على الجهاد

إعداد النفوس للجهاد في سبيل الله عز وجل والذي هو ذروة سنام هذا الدين وهو ثمرة الفهم الصحيح والقصد الصحيح والصبر الطويل في التربية عليهما.

فلابد من الاستعداد والإعداد له؛ فنحن نوقن تمام اليقين أنه لا يرفع عن المسلمين ما هم فيه من ذلة ومهانة إلا أن تحيا معاني الجهاد في نفوسهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبایعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنکم حتی ترجعوا إلى دينكم». (4رواه أبو داود، في البيوع والإجارات (3492)، وقال محقق جامع الأصول: هو صحيح)

فحياة المسلمين وعزهم وشرفهم في الجهاد في سبيل الله عز وجل، فوق ذلك فإنه واجب شرعي لتبليغ دين الله عز وجل والقضاء على الفساد في الأرض وتعبيد الناس لربهم سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

إن المتأمل في أحوالنا اليوم وطريقة تفكيرنا ومعيشتنا وتعاملاتنا لَيرى عدم المصداقية الكافية عندنا في إعداد النفس للجهاد وتحديثها بالغزو على جميع المستويات إلا من رحم الله تعالى، فمجرد نظرة سريعة إلى اهتماماتنا وما يشغل قلوبنا، نرى أنها ليست اهتمامات مجاهدین. وكذلك أسلوب معيشتنا وما يشتمل عليه من الترف والترهل وحب الدعة والراحة والركون إلى الدنيا وكراهية الموت.. كل هذا لا يتفق مع حقيقة تحديث النفس بالغزو وإعدادها للجهاد.

معنى تحديث النفس بالغزو

إن «تحديث النفس بالغزو» الذي ينجي من شعب النفاق لا يكفي له أن يحدّث الإنسان نفسه أنه سيغزو ويجاهد ويكتفي بهذا الحديث النفسي وهو متكئ على أريكته مشحون قلبه بدنياه. کلا؛ ليس هذا هو الحديث المنجّي.

إنما تحديث النفس بالغزو یعني أمورا عملية لابد من العزيمة عليها من الآن أهمها ما يلي:

1- الإعداد العلمي. والفقه في الدين والبصيرة فيه حتى تكون دعوة الفرد ويكون جهاده على بصيرة وروية ووضوح راية، ويفقه لماذا يجاهد؟ وكيف يجاهد؟ ومن يجاهد؟ وعلى أي عقيدة يجاهد؟ كل هذا لا يتأتى إلا بالعلم والفقه في دين الله عز وجل .

2- الإعداد التربوي والسلوكي. ابتداء من تقوية الصلة بالله عز وجل، وإخلاص النية له، والتقرب له بالطاعات، والزهد في الدنيا والتخفف منها. والرغبة فيما عند الله عز وجل من الجنة والرضا، والتخلق بأخلاق الإسلام.. وهذا كله يحتاج إلى جهد كبير وترويض شديد وصبر طويل.

3- التعبئة النفسية وبث روح الجهاد. وانتشال النفس مما هي فيه من کسل ودعة واستخذاء، والارتفاع بها من الهزيمة النفسية إلى الاعتزاز بهذا الدين ، والثقة بنصر الله عز وجل واليقين التام بأهمية الجهاد وما أعده الله عز وجل للمجاهدين.

4- التربية على الإنفاق في سبيل الله عز وجل. والتضحية بالغالي والنفيس في سبيله عز وجل، وتخليص النفس من الشح وحب الدنيا.

5- الشعور بواجب الدعوة إلى الله عز وجل. وتجميع الناس حول الإسلام والاهتمام بأمر هذا الدين، والغيرة على محارم الله عز وجل، وأن هذا الأمر يتفاوت وجوبه والإثم المترتب على تركه حسب حال العبد ومرتبته من العلم أو القدرة أو الغنى.. إلخ.

6- الإعداد الجسمي والعضلي. لتحمل الجهاد ومشاق الطريق وذلك بالرعاية الصحية والرياضة البدنية وركوب الخيل والسباحة والرماية، وكل ما يحتاجه جهاد الكفار من إعداد، وكل ما من شأنه إرهاب عدو الله وعدو المؤمنين قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

الارتباط بالجنة

وقبل ذلك وبعده يجب أن ترتبط النفوس المؤمنة بطلب رضا الله عز وجل وجنته قبل أن يحصل لها أي هدف في هذه الدنيا الفانية ولو كان إقامة حكم الله عز وجل؛ لأنه قد يتأخر إقامة علم الجهاد، وقد يبطئ نصر الله عز وجل لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، وقد يموت المؤمن الذي أعد نفسه للغزو والجهاد ولم ير ثمرة الجهاد، لكن حسبه أنه أعدّ نفسه وحدثها بالغزو ونجا من النفاق وسار في مرضات الله عز وجل، وهذا في حقيقته انتصار کبیر.

……………………

الهوامش:

  1. صحيح البخاري – كتاب الإكراه (6943).
  2. متفق عليه.
  3. متفق عليه.
  4. رواه أبو داود، في البيوع والإجارات (3492)، وقال محقق جامع الأصول: هو صحيح.

المصدر:

  • فضيلة الشيخ/ عبد العزيز الجُليّل، “وإذا قلتم فاعدلوا” المجلد الأول، ص233-244.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية