”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

العلامة “ابن قعود” .. جمع بين الأصالة والمعاصرة

أعلام معاصرون في الأمة نشروا العلم وحفظوه، وبينوا للأمة طريقها، وبذلوا عمرهم من أجل هذا الدين؛ فكان لهم الأثر المحمود، والأسوة الطيبة.

ومن هؤلاء الشيخ “عبد الله بن قعود” رحمه الله (1343هــ 1426هـ)

مقدمة

لقد كان الشيخ “عبد الله بن حسن بن قعود” لمن عرفه فريداً من نوعه، متميزاً في قول كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، متميزاً في علمه وفتاويه؛ جمَع بين الأصالة والمعاصرة، وتميز باهتمامه بالشباب ورحابة صدره لأسئلتهم ومناقشاتهم. وهو متفرد على كثير من العلماء بأخوّته للجميع ومحبته للصغير والكبير وتواضعه الجم الذي ساعده على أن يسكن القلوب ويتربع عليها.

وهو من العلماء الربانيين ومن أصحاب الورع؛ بل الزهد في الدنيا والاكتفاء بالعيش الكفاف لم يلهث وراء شهرة أو مجد، نِعْم المعلم والمربي والقدوة والأستاذ، يؤثر في جلاّسه بأخلاقه الجذابة وأهمها وأعظمها التواضع مع الصغير والكبير، لا يشعرك أبداً أنه من العلماء، بل تجد أنه يبعث برسائل كأخ لك كبير، أو طالب علم صغير، ودائماً يقول لتلاميذه: «أنتم تشجعوننا على الاطلاع والبحث والقراءة المستمرة«.

جمع بين العلم والعمل ظاهره كباطنه، لا يتغير، فهو على مبادئه وقيمه وقناعاته مهما تغيرت الحال وتقدم به السن والعمر، يتناقش ويحب النقاش مع تلاميذه في المسائل الفقهية والعقدية والحديث، ويصوّب آراءهم ويثني عليها، يفرح بأية معلومة جديدة يدلي بها أي تلميذ، بل حتى الاستدراك عليه يطيب به نفساً، لأنه متجرد من كل هوى وعصبية، فهو يقبل الحق أيّاً كان مصدره، مُربٍ من الطراز الأول، وذلك تكتشفه في أحاديثه العفوية وفي مجالسه الخاصة ومجالس الدروس العلمية وخطبه ومحاضراته، وليس في كل الأحوال جاداً، بل إن النكتة والفكاهة يخلطهما في ثنايا كلامه، هذه هي شخصية العالم الشيخ عبدالله بن حسن بن محمد بن قعود، رحمه الله.

المولد والنشأة

هو الشيخ المربي الأثري “عبد الله بن حسن بن محمد بن قعود”، وُلد ـ رحمه الله ـ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في بلدة (الحريق) جنوب الرياض، نشأ وترعرع في بيئة صالحة لا تعرف شيئاً من أسباب الانحراف، فنشأ صالحاً تقياً، وتعلّم القرآن في كُتّاب القرية عند الشيخ “محمد بن سعد آل سليمان”، ثم تدرَّج في مدارج طلب العلم، فالْتحق بحلقة قاضي البلد الشيخ “عبد العزيز بن إبراهيم آل عبد اللطيف”، فحفظ بعض مختصرات شيخ الإسلام “ابن تيمية” والإمام “محمد بن عبد الوهاب” – رحمهما الله -.

بعد أن شبَّ تاقت نفسه لطلب العلم فذهب إلى (الدلم) قِبلة العلم في تلك المنطقة؛ حيث كان الشيخ العلامة الجليل عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ فلازمه أربع سنين من صفر (1367 هـ) فحفظ عليه أمهات المتون، “كالواسطية والتوحيد وبلوغ المرام والآجرومية وكثيرا من ألفية ابن مالك ونخبة الفكر” وغيرها .
لما افتتح المعهد العلمي عام (1371 هـ) التحق به وتخرج من كلية الشريعة عام (1377هـ)، وكان من مشايخه في الدراسة النظامية الشيخ العلامة “عبد الرزاق عفيفي” الذي توثقت صلته به بعد الدراسة، فاستفاد من آراءه وزامله في اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء.

ومن مشايخه في هذه الفترة الشيخ “محمد الأمين الشنقيطي” والشيخ “عبد الرحمن الإفريقي” كلاهما من أساتذته في المعهد.

وتتلمذ في التجويد على يد الشيخ “سعد وقاص البخاري” في مكة المكرمة بعد حج عام (1370 هـ) رحمهم الله جميعا.

الأعمال والوظائف التي شغلها

في (4/5/1375 هـ) عُين مدرسا بالمعاهد العلمية .
وفي (9/5/1379 هـ) مفتشا في وزارة المعارف للمواد الشرعية في المرحة الثانوية.
وفي (8/11/1380 هـ) انتقل إلى ديوان المظالم عضواَ قضائياَ شرعياَ .
وفي (1/4/1397هـ) انتقل الى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء وعمل بها عضواَ في اللجنة الدائمة للإفتاء المنبثقة من هيئة كبار العلماء بجانب عضويته في الهيئة.
وفي (1/1/1406هـ) أحيل إلى التقاعد.
كان للشيخ رحمه الله جهود مشكورة في مجال الدعوة إلى الله عبر إلقاء الخطب والمحاضرات؛ فقد عمل متعاونا مع جامعة الملك سعود في إلقاء المحاضرات لطلاب الدراسات العليا بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية .
أما مجاله الخصب والمتميز في الخطابة فقد مكث فيه سنوات طويلة، حيث عين إماماَ وخطيباَ لمسجد الشقيق بالرياض في (20/8/1378 هـ).
وفي مطلع عام (1391 هـ) في الأول من محرم عُين خطيباَ لجامع “المربع”، وبقي فيه ثمانية وعشرين عاماً، إلى أواخر عام (1418 هـ) حيث توقف مع بداية أعمال الترميم في الجامع، وقد كانت خطبه متميزة جداَ وكان يقصده الكثيرون من أطراف الرياض ويحرصون على حضور خطبه التي سُجل منها الكثير .

أسلوبه في الخطابة

الشيخ، رحمه الله، كما حدثني بنفسه فقال: أنا أول من غيّر أسلوب الخطابة في الرياض. قلت: كان الخطباء في عموم نجد حتى العلماء منهم يقرؤون الخطبة من ديوان (خُطب المخضوب) وهي خُطب معدّة على مدار العام بأسلوب مسجوع. فنقل الشيخ، رحمه الله، الخطبة من ذاك الأسلوب القديم إلى أسلوب جديد أدبي مشحون بالأدلة من الكتاب والسٌّنّة، يعالج فيه القضايا العصرية، منطلقاً من توحيد الله وتعظيمه، ملامساً حاجات الناس، ولذا كان الناس يقصدونه من أنحاء مدينة الرياض حتى العلماء، بالمربّع، وكانت خطبه مرتجلة يستدل فيها كثيراً بالنصوص الشرعية، وربما ذكر فيها أبياتاً أدبية، كثير الخشوع والبكاء، وسئل عن ذلك فأجاب: إنه لا يملك نفسه.

وله، رحمه الله، منهج فريد في اختيار الخطبة، فقد سمعته مرةً يقول: إن بعض الإخوان يقول لي: ما هذه الموضوعات التي تطرقها في الخطبة..؟ من أين لك عناوينها..؟ فقلت له: في أثناء قراءتي للقرآن تسنح لي موضوعات من الآيات، فأربط الآيات بعضها مع بعض فيتكون لدي موضوع مفيد (معنى كلامه، رحمه الله)؛ ولهـذا فـإن الشيخ، رحمه الله، هو مجدد في هذه البلاد فيما يتعلق بخطبة الجمعة.

ثقة “ابن باز” فيه وإيفاده لمهام عديدة

مرّة كان الحديث في الدرس عن الشفاعة ـ فيما أظن ـ وأثناء القراءة، ضحك الشيخ فلفت انتباهنا، ثم سكت مبتسماً برهة، ونحن نبادله الابتسامة نتحيّن ما بعدها، وحينها أدرك الشيخ مبتغانا، وكاد يعود بنا حيث وقفنا، ولكن النّفوس قد تهيأت لأمر تردّد فيه الشيخ، فلم ندعْه حتى نطق، فقصَّ علينا القصّة التالية قال:

“ذات مرّة اتصل بي الشيخ عبد العزيز (يعني ابن باز، رحمه الله، وكان ابن باز حياً حين إخبارنا بالقصة) بعد صلاة العصر، وقال: يا شيخ عبد الله؛ أريد أن تأتيني الآن؛ فاتجهت إليه وأنا أُفكِّر: ماذا يريد الشيخ في هذا الوقت الذي هو وقت راحته في العادة..؟

ولما وصلت داره، وجدته في انتظاري، يترقب مجيئي إليه وبيده ظرف مغلق.. فرحب بي ثم سارَّني قائلاً: يا شيخ عبد الله، تذْكِرتُك إلى باكستان جاهزة، ,وطلب منه تسليم خطابا للرئيس الباكستاني بنفسه.

وحكى لي قصة الظرف باختصار. فحاولت أن أعتذر لبعض الأشغال الخاصة ، فلم يترك لي الشيخ مجالا، وقال: استعن بالله، وستجد الإخوة في انتظارك هناك..!

وحكى قصة توصيله الخطاب والمقابلة؛ ولمَّا هممنا بالانصراف، قال: بلّغ سلامنا للشيخ ابن باز.. وإن شاء الله يسمع ما يسُرُّه (أو كلاماً نحو هذا). قال: وكان الشيخ قد قال لي: هذا الخطاب فيه شفاعة خاصّة في أخينا “نجم الدين أربكان”، لعلّ الله ييسر له الخروج من السجن.. وكان نجم الدين أربكان ـ رحمه الله ـ قد سُجن حينها بأمر من الرئيس التركي الجنرال الهالك “كنعان إيفرين”؛ عليه من الله ما يستحق.

قلنا: يا شيخ عبد الله، وما علاقة “ضياء الحق” بالموضوع..؟ لماذا اختاره الشيخ ووجه له الرسالة..؟! قال: سألت الشيخ ـ يعني ابن باز ـ فقال : له به علاقة صداقة قديمة..! لعلّ الله ينفع به.. لعلّ الله ينفع به.

ثم سألْنا الشيخ جميعاً بصوت متقارب: هل كان لهذه الشفاعة أثر..؟ قال الشيخ: نعم لم نلبث حتى سمعنا خبر إطلاق سراح “نجم الدين أربكان”، وما إن خرج حتى بدأ في تأسيس حزبه الإسلامي باسم جديد.

وأضيفُ إلى ذلك ما حدثني به الشيخ، رحمه الله، أن “ضياء الحق”، لما أراد تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاده أعدَّ نظـاماً للحدود الشرعية، ثم بعثه للشيخ “ابن باز”، رحمه الله، لمراجعته، وبعد تعديله ومراجعته أرسله “ابن باز” مع شيخنا “ابن قعود”، وسلّمه لـ (ضياء الحق) بيده.

وأرسله الشيخ ـ أيضاً ـ هو والشيخ “صالح بن سعود العلي” والشيخ “صالح المزروع” لقادة الجهاد الأفغاني لجمع كلمتهم على إثر خلاف بينهم.

دعوته في مجال كتابة الرسائل والمؤلفات

للشيخ “ابن قعود” رحمه الله بعض الرسائل المختصرة ، ومئات الفتاوى التي اشترك في الإجابة عنها مع أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
ومن هذه الرسائل المختصرة:

  • أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  • ووصايا للدعاة، ووصايا لطلبة العلم
  • الوسط المطلوب
  • إلى خطباء الجمعة
  • رسالة في تحرير مسألة رفع الإزار إلى نصف الساق
  • رسالة في صفة قنوت النوازل
  • رسالة إلى العلماء بعنوان “إلى الموقعين عن رب العالمين”
  • الدعوات الإصلاحية وأثرها في المجتمع .
  • والفتنة والمخرج منها ، مسألة في رمي الجمرات.

ومجموع رسائل ومقالات الشيخ عبد الله بن قعود، جمعها ورتبها أحد تلاميذ الشيخ، “عبد الله بن سليمان المهنا”، جزاه الله خيرا.

وفاته

قبل وفاته ببضع سنين حلَّ بالشيخ مرضٌ تمادى به، حتى ألزمه بيته، فانعزل عن الناس وخاصةً بعد توالى الفتن والأحداث الجسام، وفي صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من شهر رمضان سنة ست وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أفلَ نجم هذا الشيخ الكريم عن عمر بلغ ثلاثاً وثمانين سنة، وفقدت الأمة بموته عَلَماً من أعلامها ومرجعاً من مراجعها، فرحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

وتوافد الناس للصلاة عليه في جامع الإمام “تركي بن عبد الله” بالرياض عقيب صلاة العصر.

………………………..

المصادر:

  1. العلامة ابن قعود : العالم الداعية المحتسب، الشيخ سعد بن مطر العتيبي
  2. كتاب “الشيخ عبدالله بن قعود رحمه الله الخطيب المفوه والعالم الناصح والمفتي المحقق”، خالد بن عبدالرحمن بن حمد الشايع.
  3. جوانب من حياة الشيخ عبد الله بن قعود – رحمه الله – ، عبدالله بن سليمان المهنا.
  4. في رثاء الشيخ عبد الله بن قعود، بقلم د. م. حبيب بن مصطفى زين العابدين.
  5. عبدالله بن قعود.. الأستاذ الخطيب، صلاح الزامل.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد