بيان الحكمة والتعليل في الكتاب والسنة

زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين؛ ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني، وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها، مطابقة لمعانيها المرادة منها.

آثار التعطيل للحكمة والتعليل في القرآن والسنة

درج بعض أهل البدع على قولهم في أسماء الله وصفاته وتشريعاته أنها غير مفهومة المعنى، وأن الأحكام غير معللة بالحكم والمصالح، بل هي محض تکالیف مستندة إلى محض المشيئة لا لغرض ولا لفائدة بل مجرد قهر وتكليف، وليست سببا لشيء من مصالح الدنيا والآخرة.

ولا يخفى ما في هذا القول الشنيع من تعطیل معاني أسماء الله وصفاته وآثارهما، وتعطيل لتدبر کتاب الله تعالى، وما فيه من ذكر لأسماءه وصفاته التي هي مفهومة المعنى، وكذلك ما فيه من الآيات الباهرات والتنبيه إليها في الآفاق والأنفس والخوارق والمعجزات، وما فيه من الأحكام والتشريعات التي هي مقتضى الحكمة والمصلحة، والتي تدل على عظمة الله عز وجل واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له. فكل هذه المعاني تتعطل بهذا القول المقيت.

الرد على من زعم أن آيات القرآن غير مفهومة وأحكامه غير معللة

وقد رد على مثل هذه الأقوال أئمة السلف رحمهم الله تعالى، وبينوا أن القرآن الكريم ميسر للذكر، مفهوم المعاني، وفيه من الأحكام ما يتوصل بتدبرها إلى معرفة حكمها وعللها ومصالحها.

ومن هؤلاء الأئمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث يقول: «يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه؛ فقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: 44] يتناول هذا وهذا .

وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.

وقال أنس رضي الله عنه: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا.

وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين ؛ قيل: ثمان سنین. ذكره مالك.

وذلك أن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) [ص: 29]، وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) [محمد: 24]، وقال: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) [المؤمنون: 68]؛ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن!

وكذلك قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:3]، وعقل الكلام متضمن لفهمه.

ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.

وأيضا: فالعادة تمنع أن يقرأ قوم کتابا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه؛ فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم وديناهم»1(1) «مقدمة في التفسير» (ص27-28)، ت/ عدنان زرزور..

القرآن عربيا جاريا على أساليب كلام العرب، میسرا للفهم

ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما؛ فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول؛ فإن كان قادرا على ذلك، ولا يقدر عليه إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة للكتاب، وإلا فكلام الأئمة السابقين والسلف المتقدمين آخذ بيده في هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة.

وأيضا: فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب، میسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى، لكن بشرط الدربة في اللسان العربي، كما تبين في كتاب الاجتهاد؛ إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه لكان خطابهم به من تکلیف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن الأمة. وهذا من جمال الوجوه الإعجازية فيه؛ إذ من العجب إيراد كلام من جنس کلام البشر في اللسان، والمعاني، والأساليب، مفهوم معقول، ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا؛ فهم أقدر ما كانوا على معارضة الأمثال، أعجز ما كانوا عن معارضته. وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:17]. وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) [مريم:97]. وقال: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت: 3]. وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:195].

وعلى أي وجه فرض إعجازه فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل معانيه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29]؛ فهذا يستلزم إمکان الوصول إلى التدبر والتفهم…»2(2) «الموافقات» (2/ 200–201)..

القرآن ميسرة ألفاظه ومعانيه وأحكامه

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين؛ ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني، وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها، مطابقة لمعانيها المرادة منها، كما وصف سبحانه به كتابه في قوله: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان:33].

فالحق: هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن: هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه.

والتفسير أصله في الظهور والبيان، وباقيه في الاشتقاق الأكبر: الإسفار ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح، ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت وظهوره، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه، فلا بد من أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له، وكلما كان فهم المعنى منه أوضح وأبين كان التفسير أكمل وأحسن؛ ولهذا لا تجد كلاما أحسن تفسيرا، ولا أتم بیانا، من كلام الله سبحانه، ولهذا سماه سبحانه بیانا، وأخبر أنه يسره للذكر، وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير:

إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.

الثاني: تيسير معانيه للفهم.

الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.

ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن میسرا له، بل كان معسرا عليه، فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير»3(3) «الصواعق المرسلة» (1/ 330-332)، ت/ على الدخيل الله..

العناية ببيان المعنى أشد من بيان اللفظ

ويقول في موطن آخر: «والله تعالى أنزل كتابه – ألفاظه ومعانيه- وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى؛ فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بين اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقن أنه بين المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي؛ فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه؛ فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؟ وكيف نتيقن بیانه للوسيلة، ولا نتيقن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال»4(4) «الصواعق المرسلة» (2/ 737-738)..

كلام الله ليس بالألغاز والأحاجي

ويقول في موطن ثالث: «ومن ظن به سبحانه أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه، وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما ترمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان، فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان، وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد، فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء، وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه، والتمثيل، والضلال، وظاهر کلام المتهوكين الحياري، هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله ؛ فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية»5(5) «زاد المعاد» (3/ 231)..

الرد على نفاة الحكمة والتعليل في أحكام الله

ويقول في موطن رابع وهو يرد على نفاة الحكمة والتعليل في أحكام الله تعالى القدرية والشرعية وذلك من وجوه عدة منها قوله: «النوع الثالث عشر: أمره سبحانه بتدبر کلامه والتفكر فيه وفي أوامره وزواجره، ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكر فيه معنى، وإنما دعاهم إلى التفكير والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد، فلو كان الحق ما يقوله النفاة، وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وإعلاؤه، وإهانة الحق وإذلاله وشره، لما كان في التدبر والتفكر ما يدلهم على صدق رسله ويقيم عليهم حجته، وكان غاية ما دعوا إليه القدر المحض، وذلك مشترك بين الصادق والكاذب والبر والفاجر.

فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان والهدى، وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات؛ فإن ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطر والعقول ولا ينكره سلیم الفطرة، وهم لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون: وقع بطريق الاتفاق لا بالقصد، كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذ تحتها فتهلكه.

ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم؛ لأنها لم تحصل بقصده وإرادته، بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه ولا يثنى عليه، بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى رجل درهما لا لغرض ولا  لفائدة، بل لمجرد قدرته ومشيئته على طرحه، فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به، فهذا من شأن الحكم والمصالح عند المنكرين»6(6) شفاء العليل  (1/ 112-113)، ت/ مصطفى الشلبي.

معرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم

ويقول شاه ولي الله الدهلوي في كتابه «حجة الله البالغة»: «قد يظن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاء لها مناسبة، وأن مثل التكليف بالشرائع كمثل سيد أراد أن يختبر طاعة عبده فأمره برفع حجر أو لمس شجرة مما لا فائدة فيه غير الاختبار، فلما أطاع أو عصى جوزي بعمله، وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير.

ومن7(7) وسيأتي جواب (من) الشرطية في الصفحة اللاحقة. عجز أن يعرف أن الأعمال معتبرة بالنيات، والهيئات النفسانية التي صدرت منها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»8(8) البخاري: الحديث الأول فيه.، وقال الله تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) [الحج: 37]، وأن الصلاة شرعت لذكر الله ومناجاته كما قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]، ولتكون معدة لرؤية الله تعالى ومشاهدته في الآخرة؛ كما قال رسول الله: سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا»9(9) البخاري: في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، ومسلم (633)..

وأن الزكاة شرعت دفعا لرذيلة البخل وكفاية لحاجة الفقراء؛ كما قال الله تعالى في مانعي الزكاة: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 180]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»10(10) البخاري: في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم (19)..

وأن الصوم شرع لقهر النفس؛ كما قال الله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الصوم له وجاء»11(11) البخاري: في الصوم باب الصيام لمن خاف على نفسه …، ومسلم (400)..

وأن الحج شرع لتعظیم شعائر الله كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران: 96] ، وقال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) [البقرة: 158].

وأن القصاص شرع زاجرا عن القتل؛ كما قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 179]، وأن الحدود والكفارات شرعت زواجر عن المعاصي كما قال الله تعالى: (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) [المائدة: 95].

وأن الجهاد شرع لإعلاء كلمة الله وإزالة الفتنة كما قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: 39].

وأن أحكام المعاملات والمناکحات شرعت لإقامة العدل فيهم، إلى غير ذلك مما دلت الآيات والأحاديث عليه ولهج به غير واحد من العلماء في كل قرن، فإنه12(12) هذا جواب (من) الشرطية التي سبقت في أول النقل. لم يمسه من العلم إلا كما يمس الإبرة من الماء حين تغمس في البحر وتخرج، وهو بأن يبكي على نفسه أحق من أن يعتد بقوله … إلى غير ذلك من المواضع التي يعسر إحصاؤها.

وبين ابن عباس رضي الله عنه سر مشروعية غسل الجمعة، وزيد بن ثابت سبب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وبين ابن عمر سر الاقتصار على استلام ركن من أركان البيت ثم لم يزل التابعون ثم من بعدهم العلماء المجتهدون يعللون الأحكام بالمصالح، ويفهمون معانيها، ويخرجون للحكم المنصوص مناطا مناسبا لدفع ضر أو جلب نفع كما هو مبسوط في كتبهم ومذاهبهم، ثم أتی الغزالي والخطابي وابن عبد السلام وأمثالهم – شكر الله مساعيهم – بنكت لطيفة وتحقیقات شريفة»13(13) «الحجة البالغة» (ص 4-6) باختصار..

عظمة الشريعة المحمدية والحكم الباهرة فيها

ويتحدث ابن القيم رحمه الله تعالى عن عظمة الشريعة والحكم الباهرة فيها فيقول: «الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم، والملة الحنيفية، والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف لحسنها، ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها.

وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها، وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها؛ فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان، ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة له بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والإحسان، والإحاطة بالغيب والشهادة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده؛ فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها، وجعلهم من أهلها، وممن ارتضاهم لها؛ فلهذا امتن على عباده بأن هداهم لها قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164]، وقال معرفا لعباده ومذكرا لهم عظیم نعمته عليهم مستدعيا منهم شكره على أن جعلهم من أهلها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3].

وتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام؛ إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه، ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه بل هو الكامل في حسنه وجلالته.

ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها، وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها، بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار.

وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين وإضافة الدين إليهم؛ إذ هم القائمون به المقيمون له، وأضاف النعمة إليه؛ إذ هو وليها ومسيريها والمنعم بها عليهم؛ فهي نعمته حقا، وهم قابلوها، وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص وأنه شيء خصوا به دون الأمم، وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة؛ فجاء (أتممت) في مقابلة (أكملت)، و(عليكم) في مقابلة (لكم) و (نعمتي) في مقابلة (دینکم)، وأكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]»14(14) «مفتاح دار السعادة» (1/ 314 -315)..

الهوامش

(1) «مقدمة في التفسير» (ص27-28)، ت/ عدنان زرزور.

(2) «الموافقات» (2/ 200–201).

(3) «الصواعق المرسلة» (1/ 330-332)، ت/ على الدخيل الله.

(4) «الصواعق المرسلة» (2/ 737-738).

(5) « زاد المعاد» (3/ 231).

(6) شفاء العليل  (1/ 112-113)، ت/ مصطفى الشلبي

(7) وسيأتي جواب (من) الشرطية في الصفحة اللاحقة.

(8) البخاري: الحديث الأول فيه.

(9) البخاري: في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، ومسلم (633).

(10) البخاري: في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم (19).

(11) البخاري: في الصوم باب الصيام لمن خاف على نفسه …، ومسلم (400).

(12) هذا جواب (من) الشرطية التي سبقت في أول النقل.

(13) «الحجة البالغة» (ص 4-6) باختصار.

(14) «مفتاح دار السعادة» (1/ 314 -315).

اقرأ أيضا

الخطاب القرآني .. والدليل العقلى

تأمل .. كيف انبهروا بالقرآن !

علاج القرآن .. لمرض “افتقاد الصدق”

 

التعليقات معطلة.