الجوع بعد الخوف؛ أفلا يتقون الله..؟


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

يتوالى على المسلمين، في بلادٍ كانت تنعم في الخيرات وهُيء لها أسباب الشكر، جوعٌ بعد خوف، وقلقٌ واضطراب، أعقب شيوعَ وذيوع معصية الله؛ ليفقهوا فيرجعوا الى ربهم تعالى.

الخبر

“أوقفت السعودية بدل غلاء المعيشة، وزادت ضريبة القيمة المضافة بنسبة كبيرة، بينما تدرس خفض المزايا المالية للموظفين، وذلك بعد نحو أسبوع من إعلان وزير المالية، عن اعتزام المملكة اتخاذ “إجراءات مؤلمة” في ظل صعوبات مالية بسبب انهيار أسعار النفط وتفشي فيروس كورونا الجديد.

ووفق بيان حكومي إنه “تقرر إيقاف بدل غلاء المعيشة بدءاً من شهر يونيو/حزيران المقبل وكذلك رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% بدءاً من الأول من يوليو/تموز”. وأشارت إلى أن الحكومة ألغت أو أجلت “بعض بنود النفقات التشغيلية والرأسمالية لعدد من الجهات الحكومية وخفض اعتمادات عدد من مبادرات برامج تحقيق الرؤية والمشاريع الكبرى للعام المالي 2020″.

وربما تطال الإجراءات التقشفية الحكومية رواتب الموظفين والمتعاقدين. وقال وزير المالية: وجب تحقيق مزيد من الخفض في النفقات، وإيجاد اجراءات تدعم استقرار الإيرادات غير النفطية”. وأن البلاد بحاجة لاتخاذ “إجراءات مؤلمة” لمواجهة التداعيات الاقتصادية، منها تقليص الإنفاق .

وهوت عائدات تصدير النفط والبلاد بحاجة إلى سعر 91 دولاراً للبرميل، لتحقيق نقطة تعادل في موازنتها، بينما أغلق خام برنت العالمي تداولات الجمعة الماضي عند نحو 30 دولاراً للبرميل”. (1موقع “العربي الجديد”، 11/5/2020، على الرابط:
السعودية تبدأ الإجراءات المؤلمة: وقف بدل غلاء المعيشة وزيادة كبيرة لضريبة الاستهلاك
)

التعليق

تتغير أحوال المرء فردا، وتتغير أحوال الجماعات والأمم، تغيّرا مرتبطا بعقائدهم وأخلاقهم وتوجهاتهم؛ فتلك قاعدة عامة ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ…﴾ (الأعراف:96) وتلك قاعدة مؤكِدة  في الجانب الإيجابي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرعد:11)، وأخرى مؤكدة في الجانب السلبي ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ..﴾ (الأنفال:53).

والناس أمامها فريقان..

فريق يعقل عن ربه تعالى ويرى صدق وانطباق آياته وعدا ووعيدا، ويرى جريان سنن الله تعالى على وفقها؛ فيفقه عن ربه، ويُصلح اتجاهه وحاله؛ وهذا هو المطلوب إذ قال ربنا تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (الأنعام:43) ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون:76) ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة: 21) فالمطلوب الرجوع الى الحق؛ فمن فهم واستجاب وأصلح فقد فقه وفاز ووعظته آيات الله الكونية القدرية، أو الشرعية المتلوّة. ولا غرْو فالإستجابة من أي مدخل خيْر فقد قال تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: 113) وقال (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 44) فهناك من يتذكر عاجلا وهناك من يحتاج للخوف حتى يرتدع ويرجع.

وثمة فريق آخر لا يفهم خطاب ربه ويرى أنها عادات الحياة وسننها الجارية أن تتراوح بين الأزمات والانفتاح بعدها، وأن أي أزمة لا تحمل التذكير بل هي محض فترة عابرة ينتظر بعدها الانفراجة؛ فلا يفهم التذكير ويبقى كالبعير لا يدري فيما ربطه أهله ولا فيما أطلقوه، كما أخبر عنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء يرون أن الأزمات مرت على الآباء ويحيلون الأزمة الراهنة على أزمة الكساد الأوروبي! في الثلاثينيات من القرن الماضي..! أو الوباء قبله..! وأنها أزمة وستنتهي فيغلقوا قلوبهم وقلوب الخلق عن فهم الرسالة، وهذا مأخذ من أهلكهم الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأعراف:94-95)

وثمة قاعدة كبيرة قد يرى أهل الخليج أنفسهم فيها، وقد حذرهم أولو العلم والعقلاء أولو البصيرة من انطباقها عليهم ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112)

لقد كانت الأموال والأمان، رغدُ العيش والإطمئنان، رفاهيةٌ وتمتع؛ ينعم بها الناس ليستخدموها في شكر من وهبها سبحانه ومن سخّر لهم أسبابهما؛ لكن وجدنا استخدامهما (كقواعد آمنة وقادرة..!) في حرب الإسلام وحرق المسلمين مصابين أحياءا وأمواتا، وقتل المسلمين في الشوارع، وملء السجون بهم، وقطع الطريق على حريات المسلمين لإقامة دينهم وعودة راية الإسلام ورفعتها، واستقبلوا قساوسة الكنائس واتفقوا معهم؛ فهاهم يطعنون في الدين ويغيّرون هوية بلاد المسلمين برغم أنهم أقليات؛ لكن بحماية ورعاية وإنفاق أرباب الأموال في الخليج..!

احترقت قلوب المسلمين وبيوتهم في مصر وليبيا وسوريا واليمن، بأموال وحماية حكام الخليج، واتبعهم فريق من الناس. وتحت رايتهم قرر الملاحدة أن بلاد المسلمين الأصل فيها أنها علمانية، وانطلق الإباحيون يدافعون صراحة وبلا خجل عن الإباحية والتعري والمراقص..

ثم تمادى الأمر فزلزلوا قواعد المجتمع في بلاد الحرمين والخليج بإزالة أوتاده من العلماء بسجنهم وإهانتهم وتشويههم، وبقتلهم مرضا وقهرا وسجنا أو بأحكام يعِدّون لها. ثم بتغيير وتبديل قيم المجتمع؛ فكان المكاء والتصدية حول الحرمين الشريفين.. فهل تبْقى لهم ولاية على بيت الله الحرام..؟ ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً..﴾ (الأنفال: 34-35) وهل سيبقى لهم ملك وقد كفروا نعمة الله..؟ وهل لا يفهم الناس سبب مجيء الجوع اليوم بعد الخوف من الوباء، وهل هو نهاية المطاف..؟

الخشية أن يُرفع البلاء وقتا ما اختبارا من رب العالمين فيعود الناس الى أسوأ وتكون الفتنة عليهم أشد..

للمزيد: راجع (ما بعد كورونا قد يكون أخطر من “كورونا”)

وقد يتمادى الأمر ويذوق الناس غاشية الجوع والخوف ويُنزع منهم الخير الذي وُهبوه لشكر الواهب.

خاتمة

يا أهل الحرمين اعقلوا عن الله خطابه. ولا تفرّقوا بين الترفيه المحرم وخفوت صوت الخير من الدعاة والعلماء وعلو صوت الفجرة ممثلين ومطربين وأقزاما يتلاعبون بالثوابت ويطعنون في القيم ويُحلّون قومهم دار البوار.

من ذاق شيئا فتجرع مرارته فلينظر من خدعه وقدَّم له الشراب البشع، ولْيعلم عدوه الذي يدعوه للهلاك تحت غطاء اللذات الخادعة.

يا أهل بلاد الحرمين الكرام.. قدَرُكم أن تقودوا الدنيا والعالم الى الله؛ فإن تخليتم كانت العقوبة مضاعفة ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211)

……………………………..

هوامش:

  1. موقع “العربي الجديد”، 11/5/2020، على الرابط:
    السعودية تبدأ الإجراءات المؤلمة: وقف بدل غلاء المعيشة وزيادة كبيرة لضريبة الاستهلاك

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.