التبعية وقبول الاستذلال .. وإبطان الاستكبار


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

يدفع الإسلام أصحابه الى حالة من التكريم، يستبصرون فيها من الضلالة، ويسترشدون فيها من الغواية، ويرفضون الاستخفاف بالعقول أو التنازل عن الإرادة.

بين القدرة والإرادة

يملك الناس الكثير من القدرات والإرادة.. وكلما كانوا كرامًا أحياءً كلما رفضوا الذل ورفضوا التبعية ورفضوا الاستضعاف.

وكلما هانت عليهم نفوسهم وكرامتهم باعوا.. وكانوا “وسط الزفة” لا يدرون إلى أين المسير.

التابع الذليل الذي قد يفهم.. قد لا يُستخف في عقله؛ لكنه يُخوَّف ويُهدَّد فلا يقدر على غير هذا.. أو يُرغَّب فيجد في نفسه ميلاً للباطل لاشتهائه إياه، فإن الباطل يمد يدين واحدة ترهيبًا والأخرى ترغيبًا.

“إرادته” أحيانًا “تُتْعبه..!” فيبغي التخلص منها؛ فهل هذا عذر؟!

تجريم القرآن للتنازل عن الإرادة

انظر في مصارع وحتوف أمم كافرة، وأقوام، كان فيها من ألغى عقله أو استُخف به كيف حكم الله تعالى عليهم؟

كان فيهم الضال الذي لعبوا بعقله، وكان فيهم الغاوي الذي أفسدوا إرادته، والضال والغاوي.. كلاهما كانوا متبعين لمضِلين ومغوين، وكلا الفريقين: الضال ومن أضله، والغاوي ومن أغواه؛ اجتمعوا جميعًا في النار، وسمى الله تعالى الجميع “ظالمًا” وسماهم جميعًا “مجرمين”” وجعل الجميع “هالكًا”.

﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 38 – 39).

أخراهم: الأتباع ، أولاهم: المتبوعون الرؤساء.. وقد اجتمعوا جميعًا في النار وكان السبيل الذي سلكوه هو أن ضل الأتباع بسبب المتبوعين من أئمة الضلال.

و”الضلال” خلل في العلم والفهم بسبب تزيين الباطل وإيراد الشبهات على الحق؛ فتركوا الحق لأجل هذا.

فهذا في جانب الضلال؛ الخلل في الفهم والعلم.

ثم ذكر “الغواية” في محل آخر، و”الغواية” هي الخلل في الإرادة والعمل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (القصص: 62 – 64).

فالخلل هنا خلل في “الإرادة” بقبول الغواية لانحرافٍ في نفس تابع للشهوات، ولميل به للفجور؛ فلم يتحمل الترك من أجل الله تعالى.

الاستضعاف وضغوط المستكبرين

وفي سورة إبراهيم يذكر الاستضعاف فقط: ﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: 21).

فهنا ذكر الضغط من المستكبرين الأقوياء وقبول الضعفاء له، فلما قبِل الضعفاء هذا دخلوا النار، ولو عرفوا “عِظم الجريمة” و”عِظم التبعة” و”المسئولية” لتحفزوا أن يدافعوا عن إرادتهم ومصيرهم.

فإن معرفة عواقب الأمور واليقين بالآخرة يجعل الإنسان كأنما خلق من جديد؛ فهؤلاء السحرة أمام فرعون لم يلينوا لأحد بل صمدوا حتى آخر رمق، واليوم وإلى يوم القيامة كانوا مثالاً لكل مؤمن، ولم يكونوا يملكون شيئًا. كانوا فارغي اليد من كل حيلة يتصدون بها لفرعون؛ لكن مع فراغ أيديهم كانت قلوبهم ملأى بالآخرة وبتعظيم الله تعالى فسطّروا موقفا مشهودًا.

كلاهما ظالم

أما في سورة سبأ فذكر الاثنين معًا؛ “الضغط والقهر” ممزوجًا مع “الشهوات” وإلا فلماذا قبلوا الضغط والغواية؟!

وكانت هذه هي حجة المستكبرين، بل ومن أجلها سمّوا الضعفاء “مجرمين” مثلهم، ولم يروا بينهم وبينهم فرقًا في الجريمة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: 31 – 33).

فأولاً: سمى الله تعالى الجميع “ظالمًا”؛ التابع الذليل الضعيف، والمتبوع المستكبر.

وثانيًا: بَيّن هذا الجزء الخفي: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ يعني: صادف ضغطنا عليكم انحرافًا في نفوسكم وميلاً منكم للفجور والغواية، فلهذا قبلتم؛ بينما رفض غيرُكم من المؤمنين.

وعلى كلٍ؛ فقد اجتمع الجميع:

من تنازل عن إرادته ومن طلب منهم هذا؛ سواء كان التنازل لأجل ضغط مجرد أو لأنه ضغط صادف شهوة.

كما أن الضلال بالتنازل عن الإدراك والعقل أيضًا عُد جريمة.

فالتنازل عن الإرادة جريمة وليست عذرًا. هذا داء عام في عصرنا، وفي كل عصر تدهور، وهذا علاجه في القرآن؛ وعجبًا لمن يجعل القرآن تابعًا لأوضاع منحرفة..!

استبطان الكبر والجبروت عند المستضعَفين

كذلك فإن الأمر قد ينقلب فيتحول المستضَعف المستَذَل إلى مستكبِر مستذِل لغيره..!

وهو داء مستكن ينتظر الخروج حتى يجد موجِبه؛ فيقع المسلمون دائمًا في قتال على المُلك وتفرق وتفتيت فيضعفون فيستولي عليهم العدو ويذل الجميع ويقضي على كلا المستكبر والمستضعف.

وعلى المستكبر أو طالب الكبر أن يعلم أنه لا يبلغ شيئًا فقد قال تعالى عن المستكبرين:

﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر: 56).

وأنه ممقوت: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: 35).

وأنه فقير كبقية الخلق، وكل ما سوى الله تعالى فقير إلى ربه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15). ويظهر هذا في همومه وكروبه حين تُعجزه وتكسره.

وأنه يجازَى الكبر بالصغار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60)، و”الداخر” هو الصاغر الذليل.

وأنه مصروف عن الهدى عقوبة له: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35).

وأنه وريث إبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص: 75)، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34).

و”الإباء” الرفض للأمر، و”العلو والاستكبار” هو أن يكون عند نفسه عاليًا ..فبئس الوارث والموروث.

يقول شيخ الإسلام:

“قال بعض العارفين: ما من نفس إلا و فيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر.

وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه و يعادي من يخالفه في هواه وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾.

والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية وجحود الصانع…

وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان لا يطلب هذا الحد بل يطلب لنفسه ما هو عنده، فإن كان مطاعًا مسلمًا طلب أن يطاع في أغراضه وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله ويكون من أطاعه في هواه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل.

وإن كان عالمًا أو شيخًا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، حتى لو كانا يقرآن كتابًا واحدًا كالقرآن أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها كالصلوات الخمس، فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به أكثر من غيره، وربما أبغض نظيره وأتباعه حسدًا وبغيًا كما فعلت اليهود لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾”. (1)

استكبار فرعون شبيه لاستكبار أهل الكتاب..!

يستكمل شيخ الإسلام ابن تيمية كلامه؛ فيقول:

“ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون و سلط عليهم من انتقم به منهم فقال تعالى عن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾.

والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه، وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده وليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا كما أرسل كل رسول بمثل ذلك قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾.

فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعًا للرسل أمر بما أمروا به، ودعا إلى ما دعوا إليه وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه؛ فإن الله يحب ذلك فيحب ما يحبه الله تعالى، وهذا قصده في نفس الأمر أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله.

وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود فله نصيب من حال فرعون وأشباهه”. (2)

حماية الإسلام

يحمي الإسلام “الانسان” من الضعف الذي يطمس نور البصيرة والعقل فيضل، ويحميه أيضا من سيطرة شهواته فتغويه..

ويحميه الإسلام من انطلاق قوى بغيه أو حسده أو كِبره.

يحمي الإسلام “الانسان” في حالته الفردية، ويحمي أيضا المجتمع في حالته الجماعية عن الانهيار والتهاوي واتّباع كل متكبر جبار.

فما أعظمه من منهج، وهو طوق نجاة الانسان، والمجتمعات.. لو كانوا يعقلون.

………………………………………….

الهوامش:

  1. مجموع الفتاوى، جـ 14، ص 224، 230.
  2. المصدر السابق.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.