الالتفات إلى غير الله تعالى والتعلق به


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

كم من هموم وأحزان تكمن في سبب أساس هو التعلق بغير الله؛ وهنا تكمن تعاسة العبد وضيق صدره؛ فإذا تجرد لربه وأخلص له وجد السعادة التي يبحث عنها وقرة العين التي يطمئن اليها.

مقدمة

الالتفات لغير الله تعالى منافٍ للعبودية ومنافٍ الإخلاص..

فإن الخلق خُلقوا لعبادة الله تعالى وحده فيتركوا ما سواه قصدا إليه تعالى، وهذا معنى الحنيف، ومن هنا قال ابن عباس رضي الله عنه «كل عبادة في القرآن فهي توحيد» فالمقصود أن يُفرد الله تعالى بالحب فتحبه لا تحب غيره، وكذلك الخوف والرجاء وسائر مفردات العبادة فتخافه لا تخاف غيره وترجوه لا ترجو غيره، وتخضع وتذل وتنقاد له لا لغيره، كما تتنسك له بالذبح والنذر والدعاء له لا لغيره، وتسعى إليه لا إلى غيره.

فأصل هذه الأمور لا يكون المسلم مسلمًا إلا بها، وتحقيق كمالاتها يبلغ بصاحبه الدرجات العلى. وتعطل القلب عن هذا تعطيل له عما خُلق لأجله، وتعلق القلب بغير الله تعالى حبًا أو خوفا أو رجاءً أو استعانة أو ذلا أو انقيادًا أو طاعة هو أعظم الفساد للقلب وأعظم أفراده.

عقوبات دقيق الشرك وجليلِه

فإن تعلق أصل هذه الأعمال بغير الله، حق فيه ما توعد الله به المشركين من معيشة الضنك والضيق النفس ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124].

ويبقى مذمومًا من الخلق ومن الخالق، ومخذولًا فيما يطلبه فلا يحصّل مطلوبًا ولا ينجو من مخوف ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولا﴾ [الإسراء: 22].

ومع العذاب الأخروي يُلقى مهانًا وملعونًا وصاغرًا ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39].

ويُلقى في قلبه الرعب النفسي الملازم في أحلك المواقف في الدنيا وفي مواجهة الحق وفي مواطن الآخرة من السكرات وما بعدها ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151].

ويبقى هاويًا في سحيق الضياع تتمزقه الشياطين ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].

ويلزمه الصمم والعمى والبكم هنا عن سماع الحق ورؤيته، وفي الآخرة على وجه حسّي ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97]، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 124-126].

ويظل سائرًا في الدنيا كالهائم على وجهه لا يدري لنفسه غاية صحيحة ولا هُدى في منهج منضبط ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22].

ويبقى مهانًا ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18].

ويبقى ضعيفًا لا يركن إلى ركن وثيق بل أولياؤه مهازيل مثله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41].

فمهما تعلق شيء من هذه الأعمال بما ينقص إخلاص كمالها لله تعالى حق فيه جزء من هذا الوعيد بحسب ما نقصه المسلم مما وجب لله تعالى؛ فمن شابه المشركين بقدْرٍ ما، أُعطي من جزائهم بهذا القدر فيُذم من الخلق ومن الخالق بقدْره، ويُخذل فلا ينال مطلوبه، ويخاف، وتضطرب أموره ولا تستوي تمامًا على صراط مستقيم، ويُهان ولا يُعان، ويضعف ويهوي ويُهزم.. وغير ذلك من وعيد الله تعالى لمن الْتفت لسواه.

دور الهموم

ذلك إلا أن يراجع نفسه عندما يُذكّر ببلاء أو هم أو حزن فيتذكر ما أخل به، ومن هنا كان البلاء بالأحزان والغموم والهموم ليلتفت العبد إلى تجريد وتحقيق التوحيد لله تعالى ويعود فيقول «اللهم إني عبدك..» يعنى لا عبد غيرك.

وهذا لأنه يخرج بذلك من كل تعلق بغير رب العالمين، فإن تعلق بحب غيره سبحانه كان هذا سببًا لعذابه، وقد قيل «من أحبّ شيئا دون الله عُذّب به»؛ فعليه أن يتجرد من هذا ويجرد حبه لربه حتى يفنى ويستغني بحبه عن حب ما سواه، ثم بحبِّه لربه يحب ما أحبه الله من الأشخاص، ومن الأفعال، وحتى من الأماكن والأشياء التي يحبها الله سبحانه وتعالى، لكنّه يفنى أولا بحبه عن حب ما سواه، ثم يضبط حبه به تعالى.

وإن تعلق قلبه بقصد وإرادة مَن سوى الله سبحانه وتعالى عُذب به، وكان هذا وبالا عليه وهمومًا وأحزانًا وضيق صدر وحرج عيش .. حتى إذا قصد الله سبحانه وتعالى، وأراده وحده، وسعى وحفَد إليه، وجمع همه وعزمه، وعمره وطاقاته، على طلب ربه والقرب منه وطلب مرضاته، كان في هذا البذل وفي هذا الجهد سعادة الباذل.. لا يعود لله سبحانه وتعالى منه شيء إطلاقًا؛ وإنما سعادة الباذل والمجتهد والعامل حين يعمل لرب العالمين متحققة في نفس البذل والجهد والعمل غير ما يجد في الآخرة.. فسيجد في جهده وعمله هذه السعادة وهذه اللذة وهذا الطعم الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله «ثلاثة مَن كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». (1رواه البخاري ومسلم) وقال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا». (2رواه مسلم وأحمد والترمذي)، فللإيمان طعم، وطعمه حُلو، وليس لهذا الطعم شبيه في متع الدنيا، وذلك بالجمع بين الأحاديث.

هنا يكمن سبب الألم

فـقصْد غير الله سبحانه وتعالى، والسعي إلى غيره، وإرضاء غيره، والهم بإرضاء غيره، وطاعة من سواه، والخوف والرهبة من غيره، والرغبة في غيره، والرجاء فيمن سواه، والصبر على غير أمره .. كل هذا عذاب لنفسك، والسعادة في التوحيد وفى قصر القلب على الله وحده وفى خروج العبد من التوجه أو التعلق ـ ولو شائبة بغير الله تعالى ـ وهذا يكون بقول «اللّهم إني عبدك».

فالمقصود أن يخرج بهذا الاعتراف من كل تعلق سواء أكان حبًا أو رغبة أو رجاءً أو رهبة أو قصدًا أو سعيًا أو جهدًا أو إرضاءً أو استرضاءً أو هما برضاه، أو غير ذلك من الحقوق التي لا يجوز أن تكون إلا لرب العالمين .. حتى تستغني بالتألُّه لله تعالى وحده عن كل شيءٍ سواه .. وهذا هو معنى الإله، فكلمة «لا إله إلا الله» تعنى أنه «لا معبود ولا مقصود ولا محبوب ولا مرجو ولا مرغوب إليه ولا مرهوب منه ولا مطاع بحق إلا الله وحده».

خاتمة

من أخلص قلبه هذا التأله لرب العالمين بهذه المعاني نفى عنه موجبات الهموم والأحزان وحصّل أسباب السعادة العظمى والتي لا شبيه لها، وهذا هو معنى «اللّهمّ إني عبدك».

وإن لم يعاقَب العبد على التفاته لغير الله تعالى وتعلقه بسواه فهذا لا يعني خيرًا له، بل يعني أنه مستدرَج، وقد يكون قد سقط من عين الله فيوافيه في الدنيا بحسناته، فإذا كانت الآخرة جاء إلى ربه صفر اليدين من الخير؛ أما الإصابة فهي تذكير للعودة ولمغفرة ما فرط منك.

……………………

الهوامش:

  1. رواه البخاري ومسلم.
  2. رواه مسلم وأحمد والترمذي.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments