الإسلام وتحرير الإنسان


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

لا يستحيي المسلمون من عقيدتهم، ولا يخفضون بها أصواتهم، ولا يتدسسون بها للناس؛ إنما هي عقيدة تحريرية لكرامة كل إنسان في كل بقعة من الأرض.

مقدمة

إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد ـ ومن العبودية لهواه أيضاً وهي من العبودية للعباد ـ وذلك بإعلان ألوهية الله وحده ـ سبحانه ـ وربوبيته للعالمين.

إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على “حاكمية البشر” في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: “الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور”؛ ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله.

إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد.

إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض. أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾.. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..﴾.. ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم ـ هم “رجال الدين” كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم “الثيوقراطية” أو الحكم الإلهي المقدس!!! ـ ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

مهمة جادة

وقيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية.. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان.

لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال!.

إن هذا الإعلان العام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانا نظريا فلسفيا سلبيا.. إنما كان إعلانا حركيا واقعيا إيجابيا.. إعلانا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك.. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل «الحركة» إلى جانب شكل «البيان» .. ذلك ليواجه «الواقع» البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدا، يواجه هذا الدين ـ بوصفه إعلاناً عاماً لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان الله ـ بعقبات اعتقادية تصورية. وعقبات مادية واقعية؛ عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد.

وإذا كان «البيان» يواجه العقائد والتصورات، فإن «الحركة» تواجه العقبات المادية الأخرى؛ وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة. وهما معا ـ البيان والحركة ـ يواجهان «الواقع البشري» بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته. وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض.. «الإنسان» كله في «الأرض» كلها.. وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى!

إن هذا الدين ليس إعلانا لتحرير الإنسان العربي! وليس رسالة خاصة بالعرب! إن موضوعه هو «الإنسان»؛ نوع «الإنسان». ومجاله هو «الأرض»؛ كل الأرض.

إن الله ـ سبحانه ـ ليس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم. إن الله هو «رب العالمين»، وهذا الدين يريد أن يرد «العالمين» إلى ربهم وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى ـ في نظر الإسلام ـ هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر. وهذه هي «العبادة» التي يقرر أنها لا تكون إلا لله، وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين.

حكم الاتباع في الشرائع

ولقد نص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أن «الاتباع» في الشريعة والحكم هو «العبادة» التي صار بها اليهود والنصارى «مشركين» مخالفين لما أُمروا به من «عبادة» الله وحده.

أخرج الترمذي ـ بإسناده ـ عن عدى بن حاتم، رضي الله عنه، أنه لما بلغته دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرَّ إلى الشام. وكان قد تنصّر في الجاهلية. فأُسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام.

وفي القدوم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي عنقه (أي عديّ) صليب من فضة وهو (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: «بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم».

وتفسير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقول الله سبحانه، نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تُخرج من الدين، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض.. الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير «الإنسان»، في «الأرض» من العبودية لغير الله.

ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في «الأرض» لإزالة «الواقع» المخالف لذلك الإعلان العام؛ بالبيان وبالحركة مجتمعين. وأن يوجّه الضربات للقوى السياسية التي تعبّد الناس لغير الله ـ أي تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه ـ والتي تَحُول بينهم وبين الاستماع إلى «البيان» واعتناق «العقيدة» بحرية لا يتعرض لها السلطان.

ثم لكي يقيم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يسمح لحركة التحرر بالانطلاق الفعلي ـ بعد إزالة القوة المسيطرة ـ سواء كانت سياسية بحتة، أو متلبسة بالعنصرية أو الطبقية داخل العنصر الواحد! إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يُكره الناس على اعتناق عقيدته؛ ولكن الإسلام ليس مجرد «عقيدة».

الاسلام ليس عقيدة فحسب

إن الإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد. فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارا ـ بالفعل ـ في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم بعد رفع الضغط السياسي عنهم، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم. ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد! وأن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله!

إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته “العبودية لله وحده” وذلك بـ “تلقي الشرائع منه وحده”. ثم ليعتنق كل فرد ـ في ظل هذا النظام العام ـ ما يعتنقه من عقيدة!

وبهذا يكون «الدين» كله لله؛ أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله. إن مدلول «الدين» أشمل من مدلول «العقيدة». إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة؛ ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة. وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام.

والذي يدرك طبيعة هذا الدين ـ على النحو المتقدم ـ يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف ـ إلى جانب الجهاد بالبيان ـ ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح «الحرب الدفاعية» ـ كما يريد المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر أن يصوّروا حركة الجهاد في الإسلام. إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير «الإنسان» في «الأرض» بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري وفي مراحل محددة لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة.

وإذا لم يكن بد من أن نسمي حركة الإسلام الجهادية «حركة دفاعية»، فلا بد أن نغير مفهوم كلمة «دفاع»، ونعتبره «دفاعا عن الإنسان» ذاته، ضد جميع العوامل التي تقّيد حريته وتعوق تحرره. هذه العوامل التي تتمثل في “المعتقدات والتصورات” كما تتمثل في “الأنظمة السياسية”، القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية، التي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان! وبهذا التوسع في مفهوم كلمة «الدفاع» نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامي في «الأرض» بالجهاد ونواجه طبيعة الإسلام ذاتها، وهي أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين وتحطيم مملكة الهوى البشري في الأرض، وإقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان.

خاتمة

إن الجهاد ضرورة للدعوة. إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانا جادا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري السلبي! سواء كان الوطن الإسلامي ـ وبالتعبير الإسلامي الصحيح “دار الإسلام” ـ آمنا أم مهدَدا من جيرانه. فالإسلام حين يسعى إلى السِلم، لا يقصد تلك السِلم الرخيصة وهي مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية.

إنما هو يريد السِلم التي يكون الدين فيها كله لله. أي تكون عبودية الناس كلهم فيها لله والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.

…………………………

المصدر:

  • في ظلال القرآن، دار الشروق، 1982، الطبعة العاشرة، ص1434-1441

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.