”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية .. من بناء المدن الى بناء الشخصية

النظر الى سيرة عمر رضي الله عنه بمأخذ الوضع المؤسسي القابل للتكرار والتطبيق بمستوياتنا البشرية العادية؛ هو النظر النافع والضروري في ظل الدولة الحديثة اليوم.

مقدمة

لا زلنا في النظر السياسي في سيرة عمر رضي الله عنه قاصدين التعرف على المأخذ المؤسسي القابل للتكرار والتطبيق بمستوياتنا البشرية العادية؛ في نظام القضاء والدواوين والأموال. وهي أحكام أمرنا الله بها ويعاقبنا إن فرطنا فيها.

وقد تعرفنا على جزء منها في المقال السابق (إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية .. من القضاء الى الدواوين) ونستكمل في هذا الجزء التعرف على منجزاته الحضارية

ديوان العطاء

قرر عمر رضى الله عنه لكل مسلم مخصصات مالية مستمرة، سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيرًا أم صغيرًا (حتى للطفل الرضيع)، كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين، وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ..؟ قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك. قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب. وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم أزواج النبي فكان لهم أعلى المخصصات، ثم أهل بدر ثم الذين بعدهم، وعندما قرر راتبًا لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله، قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني. قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله منك. وفرض لكل مولود مائة درهم، فإذا ترعرع مائتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء. ويقول “والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال”. وهذا هو الحق، وهذا هو الفقه لرسالة الإسلام؛ فالفرد في الدولة الإسلامية له الحق في المأوى والمأكل والملبس، ولا يجوز أن يعيش إنسان بين المسلمين ويموت جوعًا.

إن هذه الرواتب هي الحد الأدنى لكل إنسان، ولا يجهل عمر رضى الله عنه أن لا تكون هذه العطايا مدعاة للكسل وترك العمل.

وعندما كتب الإمام الماوردي عن مهمة المحتسب في الإسلام قال:

“وهي تنبيه القادرين على كسب عيشهم وتأديبهم إذا كانوا يأخذون الصدقات وهم قادرون على العمل، واستدل بفعل عمر قال: وقد فعل عمر ذلك بقوم من أهل الصدقة”.

من أين لعمر رضى الله عنه هذه الثقة في أن يأتي الراعي في صنعاء نصيبه من هذا المال..؟!

إنه من العدل ومن تنظيم بيت المال.

وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أصول النظام المالي، وأعطاه صفته التفصيلية عمر بن الخطاب، وقد استفاد أيضًا من تنظيمات البلاد المفتوحة.

عندما ورد على المدينة أموال عظيمة من الخراج لم يكن هناك مكان معين لبيت المال، كان المال يوزع على المسلمين في وقته، ولكن عندما كثر المال شاور عمر الصحابة، فكان رأي علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن يقسم المال في نفس السنة ولا يوضع شيء منه في الخزانة، وخالفه في ذلك عثمان رضى الله عنه، وقال الوليد بن هشام: لقد رأيت عند ملوك الشام إدارتين منفصلتين إدارة الحكومة وإدارة الخزانة، واستحسن عمر هذا الرأي وأسَّس بيتًا للمال، وأقام أول خزانة كبيرة في دار الخلافة، وعيّن عبد الله بن الأرقم (صاحب بيت المال)، وأمر ببنية قوية لبيت المال في الكوفة.

الاهتمام بالزراعة وشق الأنهار وتمهيد الطرق

أولى عمر اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي، وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًّا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة، فإن ملكيتها تؤول له وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تُسترد منه.

إن الزراعة كما يقول علماء الاقتصاد في العصر الحديث هي أساس الاقتصاد وأساس الصناعة، “وعلى هذا الأساس، فالأرض هي الوسيلة المأمونة كما يقول اليوم الاقتصاديون الذين يدرسون مشاكل العالم الثالث لضمان (إقلاع) مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية…”. (1مالك بني نبي: مشكلة الأفكار ص40)

إن اهتمام عمر بالزراعة والأرض جعله يهتم أيضًا بإدارة الري مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار، وقد استأذن “جَزء بن معاوية” عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان؛ لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة. ومن اهتماماته رضى الله عنه ما يسمى اليوم بـ (المنافع العمومية) أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس؛ ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل “نهر أبو موسى”، وكان طوله تسعة أميال. وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة، فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة ستة أميال، فأمَر عمر أمير البصرة أبا موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة. وحفر في دجلة أيضًا “نهر معقل” الذي يضرب به المثل (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار..

ولكن أعظم الأنهار وأكبرها فائدة ذاك الذي أمر به عمر أيضًا، والذي اشتهر باسم خليج أمير المؤمنين، وهو قناة تصل ما بين نهر النيل والبحر الأحمر، وكانت بداية هذه القناة في الفسطاط، ثم إلى بلبيس، ثم إلى البحر الأحمر وقد أنجز المشروع في ثمانية أشهر. (2القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1/ 19) فكانت السفن تنقل المؤن والبضائع من مصر إلى المدينة بيسر وسهولة، وبقي هذا المشروع ثم أُهمل بعد القرن الأول من الهجرة.

أما إصلاح الطرق وتمهيدها، وهو شيء أساسي في (البنية التحتية) فقد اهتم به عمر اهتمامًا بالغًا، وهو الذي يقول: «لو أن شاة عثرت في شط الفرات، لخشيت أن أسأل عنها». وهذا شيء لم يُسمَع به في أي حضارة من الحضارات السابقة؛ لأن تمهيد الطرق هو الذي يؤدي إلى الاتصال السهل بين المدن والقرى والبادية ويساعد على انتعاش الزراعة والصناعة، كما هو الحال في أوربا اليوم. (3قال أحد أساتذة الجامعات في أمريكا: إن أعظم إنجازات الرئيس (أيزنهاور) هي شبكة الطرق التي أنجزت في عهده وليس انتصاراته في الحرب)

كما بنى عمر استراحات بين المدينة ومكة للمعتمرين والحجاج، واتخذ في كل مدينة دارًا للضيافة.

إن نظرة عمر رضى الله عنه للمال واهتمامه بشئون الناس المعاشية واهتمامه بالطرق والقنوات المائية، وكذلك اهتمامه بتنظيم (النقد) وضبط المعاملات بها، وضمان تنفيذ العقود وحرية الناس التجارية من خلال القضاء المستقل، إنما يعطي مثالاً واضحًا لدور الدولة في الإسلام التي لا تتدخل في شئون الناس المعاشية أو تشاركهم في أموالهم ومشاريعهم، وإنما هي الحماية ونشر الأمن، وضبط السوق؛ حتى لا يقع الاحتكار أو أي نوع من الاعتداء على الممتلكات.

بناء المدن

يقال إن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن، فقد بُنيت خلال هذه الحضارة مئات المدن، ما يزال كثير منها موجود حتى الآن، وقد بدأ هذا الاتجاه الحضاري عمرُ بن الخطاب، وذلك حين قدِمَتْ إليه الوفود بعد فتح “جلولاء” و”حلوان”، فلم تعجبه هيئاتهم وأجسامهم؛ فقال لهم: ما الذي غيّركم..؟ قالوا: وخومة البلاد. فكتب إلى “سعد بن أبي وقاص” أن ابعث “سلمان” و”حذيفة” رائدين ليرتادا منزلاً بريًّا بحريًّا. فظفر بالكوفة وأقرهم عمر، وأذِن لهم في البنيان ولكن على ألا يتطاولوا في البنيان، وقال لهم: «الزموا السنة تلزمكم الدولة». وطلب من سعد أن يدعو “أبا الهياج بن مالك”، وأمره أن يجعلها مناهج (شوارع) عرض كل منها أربعون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعًا لا تضيق عن ذلك شيئًا.

ثم بُنيت البصرة. وفي مصر بُنيت الفسطاط والجيزة؛ ولذلك يلقب رضى الله عنه بأنه (أبو المدن)، وهو لا يكتفي بالإذن بالبناء، بل يخطط لهم موقع المدينة المناسب (ليس بينه وبينهم ما يمنع الوصول إليهم)، ومقدار اتساع شوارعها، وينهاهم عن التطاول في البناء حتى يبقى المسلمون في حالة وسط، ولا ينتقلون إلى حالة الرفه والإسراف، وإذا وقع ذلك فعندئذ تذهب عنهم الدولة.

ويُروى أن عمرو بن العاص ـ أمير مصر ـ اتخذ منبرًا مرتفعًا، فكتب إليه عمر: «بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى به على رقاب المسلمين، أوَما بحسبك أن تقوم قائمًا..؟ فعزمت عليك لما كسرته». وبنى “خارجة بن حذافة” غرفة (فوق البناء الأرضي) فكتب إلى عمرو بن العاص: «فقد بلغني أن “خارجة” بنى غرفة، وقد أراد “خارجة” أن يطلع على عورات جيرانه؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله».

إنها عبقرية عمر في النظرة للمستقبل وما سيئول إليه أمر المسلمين حين يقعون في الترف المهلِك، وفي تبديد الأموال على البناء والزخرفة.

حرية الفرد وكرامته وشخصيته

إن حماية حرية الإنسان وصيانة كرامته من أهم المطالب الشرعية، ولا تستقيم الحياة البشرية بدونها؛ فالاعتزاز بالنفس وخلق الإباء من الأسس المهمة لنضج الأخلاق؛ ولذلك اهتم عمر رضى الله عنه بهما، ويقول مخاطبًا وفود المسلمين إلى المدينة: «أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً (أمراء) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه. قال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدب بعض رعيته، أتقصنه منه..؟ قال: أي والذي نفسي بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه..؟!».

وكان يقول للعمال (أمراء المناطق): “لا تضربوا أبشار الناس فتذلوهم”؛ فهو رضى الله عنه يهتم بكرامة المسلم؛ لأن في ضربه إذلالاً له، وعندئذ يصبح شخصية ضعيفة مستكينة، وليس هذا من تربية الإسلام.

بل هو يهتم بكرامة الإنسان، كل إنسان، وهو الذي قال قولته المشهورة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا..؟!” عندما ضرب مسلم رجلاً قبطيًّا في مصر.

ومن اهتمامه بشخصية المسلم التي يريدها أن تبقى في حالة وسط لا تقع في الترف ولا تصل إلى حالة الشظف، شخصية متعالية على عبادة الأثاث والرياش، يقول مخاطبًا المسلمين: “اخشوشنوا وتمعددوا. (4أي: كونوا مثل جدكم معد بن عدنان في البأس والخشونة. وعن أبي الغادية الشامي قال: “قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة”) وانزوا على الخيل”. ويَطلب من الآباء تعليم أولادهم السباحة والرماية وركوب الخيل. ويَطلب من “سعد بن أبي وقاص” بناء المدن، بعيدًا عن المستنقعات حماية لصحة المسلمين.

العلم ونشر العلم

من البديهي أن القرآن الكريم هو أساس العلم وأساس الحضارة الإسلامية، وقد نوَّه القرآن وأشاد كثيرًا بالعلم والعلماء وأثار في نفوس المسلمين حب العلم والتعلم، ومن أعظم أعمال عمر جهوده العلمية خدمة للإسلام ما أشار به على أبي بكر رضى الله عنه في جمع القرآن.

وكانت طريقة جمعه على أسس علمية دقيقة، فقد وضع عمر منهجًا للتوثيق؛ فلا يؤخذ أي مخطوط (آية أو آيات) لا يشهد شخصان على أنه مكتوب وليس من الذاكرة فقط، فجمع بين الحفظ في الذاكرة والكتابة، شاهدين عدلين على الكتابة وشاهدين عدلين على الحفظ. (5اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة)

وبعد أن تم هذا المشروع العظيم، كان الذي يشغل بال عمر هو تعليم المسلمين هذا الكتاب ـ  وخاصة الذين أسلموا بعد أن فتحت بلدانهم ـ ولذلك أرسل المعلمين من كبار الصحابة إلى المناطق المفتوحة ليعلّموهم دينهم، أرسل عبدَ الله بن مسعود إلى الكوفة، وعمرانَ بن حصين ومعقلَ بن يسار إلى البصرة، وعبادةَ بن الصامت وأبا الدرداء ومعاذَ بن جبل إلى الشام؛ فالفتوحات لا تترسخ وتستقر إلا بأن تنصهر هذه الشعوب في بوتقة الإسلام، ويعيش المسلمون أمة واحدة.

وحتى ينتشر العلم في كل مكان، أرسل عمر رجلاً يجول بين القبائل في البادية معلمًا للقرآن، أي أن عمر نشر التعليم الإلزامي.

الاهتمام بالوقت والتاريخ

عندما قدم إلى عمر صك مكتوب عليه كلمة (شعبان)، قال عمر: كيف نعلم أن المقصود شهر شعبان الماضي أم الحالي؟ فعقد مجلسًا للشورى حضره كبار الصحابة وعرض هذه المسألة، أي تحديد التاريخ حتى لا تقع الأخطاء في العقود والمعاملات. فقال البعض: أرِّخوا من مولد الرسول. وقال آخرون: من مبعثه. وأشار علي رضى الله عنه إلى أن يؤرخ من الهجرة؛ فاستحسن عمر هذا الرأي، واستقر الأمر على أن تكون بداية التأريخ من بداية هجرة الرسول إلى المدينة، وأرخوا من محرمها.

خاتمة

لقد كان إنجاز عمر رضي الله عنه هو من يعتمد النظرة المستقبلية والتوقع والإعداد للأمور قبل أن تنزل أو يأتي حينها. إنه التعامل مع التحديات بمستوى كفاءة سامٍ ومرتفع ومكافيء، والإعداد للمستقبل.. إنه المستوى الحضاري في التعامل وهو تعامل يرفع اليه الإسلام ويدفع اليه، وهو ما يجب أن يكون عليه المسلمون في أقرب تمكين قادم بإذن الله.

كما نكرر؛ إن ما نحتاجه اليوم ليس الإنجازات الفردية بل ما يصح أن يكون نظاما عاما ووضعا مؤسسيا قابلا للتطبيق والتكرار بمستويات المسلمين الصالحة العادية؛ حتى لا يعتذر أحد عن العدل المأمور به بأنه ليس “عمر”..! ولا عن الإنجاز الحضاري الإسلامي أنه ليس في مستوى الصحابة؛ بينما هذه تكاليف لنا في مستوياتنا البشرية التي تطيق هذه التكاليف وإلا لما أمرنا الله بها ولا حاسبَنا على التفريط فيها.

………………………….

الهوامش:

  1. مالك بني نبي: مشكلة الأفكار ص40.
  2. القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1/ 19.
  3. قال أحد أساتذة الجامعات في أمريكا: إن أعظم إنجازات الرئيس (أيزنهاور) هي شبكة الطرق التي أنجزت في عهده وليس انتصاراته في الحرب.
  4. أي: كونوا مثل جدكم معد بن عدنان في البأس والخشونة. وعن أبي الغادية الشامي قال: “قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة”.
  5. اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة.

المصدر:

  • د: محمد العبدة، موقع قصة الإسلام.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد