زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

نحاول أن نتسامى لنتمثل منهج الله كاملا.. لكن كلما حدث خلاف، نجد من يقفز الى خندق العدو؛ يستبيح الحرمات ويخون الإسلام ويخذل أهله، وينفّض يده فتنفضّ جموع وتتشتت قوى، ويفقد الإسلام قوىً كانت محتشدة من أجله، من أجل غضب شخص أو رغبة فانٍ..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..

أمة واحدة

جعل الله تعالى المسلمين أمة واحدة من دون الناس، وهكذا كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة المنورة فكتب بين المسلمين كتابا وفيه هذا النص «وأن المسلمين أمة واحدة من دون الناس». والتسمية باسم معين مشتق من وصف، مؤذن بأن هذا الوصف علة لهذا الحكم، فالإسلام هو علة الالتقاء وقطب رحى لتجمع وهوية المسلمين.

حياة وحقوق وواجبات

وأخوّة الإسلام تضمن لأصحابها حياة اجتماعية معينة لأنه يترتب عليها حقوق منصوص عليها، فلا يظلمه ولا يُسْلمه ولا يخذله ولا يخدعه ولا يغشه ولا يحسده ولا يضمر له ضغينة ولا حقدا، ولا يبع على بيعه ولا يخطب على خطبته حتى ينكح أو يدَع، ولا يكره له الخير..

يسلّم عليه إذا لقيه، ويبشّ في وجهه، ويكرمه ويؤثره، ويصفه بأفضل الأوصاف..

تحْرُم عليه غيبته، ويحْرُم أن يفسد بينه وبين أحد؛ لا زوجه ولا أهله ولا إخوانه.

سليم الصدر لأخيه، يظن فيه الخير، ويتحدث عنه بأفضل ما يعرف، رباطه مع أخيه هو رباط السماء، والعلاقة معه تمر عبر السماء، يزداد حبه لأخيه بقدر طاعته وينقص بقدر المعصية، يستره وينصحه ويحنو عليه خائفا عليه. مهتم بأخيه؛ يشاركه جراحه ويزداد فرحه لفرح أخيه.

لا يحقر المسلم أخاه لقلة فهم أو علم أو مال، لا يستعلي عليه ولا ينفض يده من إخوانه، المسلم يألف ويؤلف، هاش باش، ودود وصول … وهكذا حقوق كثيرة.

فإذا أضيف اليها رابطة الرحم والدم زادت الحقوق، فإذا كانت الجيرة فحقوق أخرى.

فإذا كان في عمل إسلامي واحد زاد حق أخيك وزاد واجبك ..

فإذا كان هذا العمل في ظرف تاريخي فاصل بين غياب الإسلام ورجوعه أو اندراسه وازدياد غربته، تضاعفت الحقوق وتسامت النفوس وطولب كل مسلم بمعالي قد تصبح في درجة الواجب هي في ظرف آخر من المستحبات.

واقعية لكن يجب أن تتسامى

ولكن المسلمين بشر يخطئ ويصيب، وللنفوس البشرية سمات وأوصاف، وميول ونوازع، وأشواق وأشجان، وتطلّع وتشوف، وخوف ورهبة، وغيرة وتنافس، وبحث عن الحقوق كما الواجبات، وغبطة وأثرة، ولها لحظات غفلة ونزعة انتقامية وأعراض تشفٍّ.. إنها النفوس.

لكننا أيضا مسلمون، نحمل منهجا ربانيا، ولا بد لهذا المنهج من بصمة، وملامح وسمات، وقسمات خاصة في الشخصيات التي تخضع لتربيته.. ولا بد لهذا المنهج من تأثير وعميق وتغيير جوهري للإنسان إذ إنه يخلق الإنسان من جديد ﴿أومن كان ميتا فأحييناه﴾؟

لكن حين يضع الإسلام في حسابه طبيعة نوازع النفوس وواقعية التعامل معها وإمكانية المخالفة والغيرة والتشاحن والخلاف.. عندئذ لا بد أن نسأل:

أين نضع خلافاتنا؟

وهنا نقول إن أي خلاف بين المسلمين أفرادا، أو بين فرد وأخيه، أو بين فرد وجماعته، أو بين جماعة وأخرى، لا بد له من ضوابط.

ويجب ألا نفقد هذه الضوابط لشدة موجدة على أخٍ، أو عظيم ألمٍ سبَّبه لك، أو تضييع حق، أو اعتداء على حق ما من حقوقك.. ونرى أن من هذه الضوابط ما يلي:

أولا: حفظ الكيان العام

هناك دِين لا بد من حفظه، والكيان العام للمسلمين، أو الخاص بإطار عمل معين، منوط به حفظ هذا الدين وحماية بيضته والذَود عنه وإقامته، وتحقيق آمال المسلمين وحفظ أعراضهم وستر عوراتهم وتأمينها، وحفظ علومهم وميراث نبوتهم، وإيصال هذا الخير للعالم ممن نرجو لهم النجاة في الآخرة من عذاب الله تعالى.

فالحفاظ على هذا الكيان من أوجب الواجبات، ولا يسمح لنفسه مسلم مخلص أن يهدّ أي كيان عام أو خاص بسبب مظلمة شخصية؛ بل لا يسمح لنفسه أن يعطل عملا، أو يخذّل الناس، أو يفرقهم، أو يشيع فيهم جوا من الشحناء أو الكراهية أو التشكيك أو التخذيل أو نفض اليد منهم.

[للمزيد اقرأ: من عبرة التاريخ .. التفرق الذي يسبق كل سقوط]

ثانيا: حفظ الأخوّة ومشاعرها وصِلاتها

هناك أخوّة إسلامية جامعة، ورابط يلف المسلمين ويحميهم، والحدث الفردي العرضي يجب أن يبقى عرضيا وفرديا وجزئيا، كما يجب أن تبقى الأخوّة الإسلامية سليمة دافئة، جامعة قوية، ولو على حساب الصبر على أثرةٍ ما..

كما قال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: «ستلقون بعدي أَثَرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».(1)

ليست هذه مذلة، بل هو تأخيرٌ للمصلحة الفردية عن المصلحة العامة والحيلولة دون أن ينهدّ الكيان العام بسبب مظلمة خاصة. وهو فقه عظيم لمن عقله ورسخ في قلبه.

ثالثا: البحث عن الواجب قبل الحق

ثمة حقوق لك، وثمة واجبات عليك..

ابحث عما يجب عليك قبل أن تبحث عما هو لك، هكذا تكون الأمور، وإلا تنازع الخلق وأفسدوا بواقي الخير بينهم، وظهر منهم من الشر ما لم يكن في الحسبان، وتناسوا من الأوامر الشرعية والحقوق ما يظهر لبسطاء المسلمين، فيكون الدعاة عبرةً لا مثالا يُحتذى!

رابعا: بناء الأخوة على عقيدة الولاء لله تحفظها

حقوق الأخوّة الإسلامية مبنية على الولاء لله ولرسوله وللمسلمين. وولاء الله تعالى هو الأصل؛ فهو المحبوب لذاته قبل كل شيء وأعظم من كل شيء، ثم ولاء الرسول والمؤمنين تبع لولايته تعالى وفرع عليها.

وبالتالي فإذا حدث حادث ما فثمة جدران ضخمة وحواجز عقدية تحول بين المسلم وبين ولاء العدو سواء كان كافرا أصليا أو علمانيا إباحيا مرتدا أو عميلا أو خائنا أو عدوا للمشروع الإسلامي، مهما كان السبب.

[اقرأ أيضا: الإسـلام هويـة تجمـع الأمـة]

خامسا: حفظ العهد وسابق الخير

ثمة فضائل بين المسلمين تحدث بينهم، وأعمال خير تقع دائما، ومشاعر نظيفة يتبادلونها معظم أوقاتهم؛ فمن البر والوفاء .. ومن حسن العهد والإيمان .. ومن الأصالة وحسن الخلق .. ومن حفظ الجميل أن يحفظ المسلم سوابق الخير وعهد الصفاء.

ومن الخير والذكاء والفطنة أن يتحسس المسلم دوما رجوعَ الخير وانقشاع حالة الخلاف؛ فيُبقي لنفسه وجها لعودة الودّ وحال الصفاء ورجوع المياه الى مجاريها..

ومن الحكمة والذكاء والفطنة أن يتحسب لعودة الوجوه تتقابل، وبالتالي فلا يفحُش في الخصومة ولا يفجر في العداء ولا يتمادى في البعد أو العزلة ولا يقطع صلات ندية كان يحياها مع أشخاص أعزاء .. «أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما».(2)

ومن الخير كل الخير ألا يُظهر الاستغناء عن إخوانه؛ فهذه آفة وجريمة قد يعاقَب عليها من قِبل رب العالمين؛ فيفقد ما لم يكن في الحسبان..

فإن رفض أحد نعمة المحبة والمهابة في قلوب إخوانه فما أدرانا أن تتغير القلوب فيُسقط الله تعالى المحبة أو الهيبة من القلوب، ويستبدل مكان الحرص من إخوانه عليه استغناء عنه، ومن البحث عنه الى اسقاطه من الحسابات..؟!

إن الالتصاق بإخوانك والاستدفاء بأخوّتهم والبقاء قريبا من أهل الطاعة تذكرهم ويذكرونك، تنصحهم وينصحونك، تتآلف قلوبكم وتتشابك أيديكم وتتعاون جوارحكم، تتقاسمون أعمال الخير وتقسّطون الدعوة الى الله على قدر مواهبكم وقدراتكم .. سائرين الى الله لا تفتُرون، هو الرجاء وهو الأمل..

فالله تعالى هو المقصود والمعبود .. وهو المستعان وعليه توكلنا.

لا تخطيء فتفقد ما لم يكن في الحسبان.

سادسا: مثال يُحتذى

اختلف الحسن بن الحسن بن على مع على زين العابدين ابن الحسين، وهما ابنا عم، فسبّ الحسن عليا زين العابدين وعابه عيبا شديدا أمام الناس، وعليٌّ ساكت لا يتكلم.

وبعدما انتهي اليوم ذهب اليه ليلا فطرق بابه فلما خرج قال له علي: يا حسن إن كنتُ كما تقول فغفر الله لي، وإن لم أكن كما تقول فغفر الله لك.

لم يكن رد أعظم من هذا.. فأدرك الحسن خطأه واعتذر بل وبكى حتى رحمه عليّ، رحم الله الجميع ورضي عنهم.

سابعا: مقدمات للقاء الله

إن العفو عز، وإن الصفح علوّ درجة، وإن الستر لزين تستر به يوم القيامة، ومن يغفر للخلق يغفر الله له، وفي الحديث «من غفر غفر الله له».

ومن اتسع لإخوانه وسعته رحمة الله، ومن رأى قدرة الله عليه في ذنبه ومع هذا يحلُم الله عليه، ثم رأى خطأ أخيه في حقه فأسقط هذا من أجل ذاك لعل الله يغفر؛ فما أدراك لعل في هذا نجاتك..

وماذا عليك لو جعلت شعارك مثل هذا الرجل الذي كان يقول: «خذ ما يَسُر، واترك ما عَسُر، وتجاوز؛ لعل الله يتجاوز عنا. فتجاوز الله عنه».(3)

ثامنا: هنا تضع خلافك

بعدما تضع هذا أمامك، ضع خلافك مع أخيك في محله اللائق في ضوء هذه القواعد، ولا تفجع إخوانك بمصيبة، ولا تمزق تجمعا غضبا لنفسك، واحرص على هذا الكيان بل وكل كيان إسلامي، فالإسلام اليوم في حاجة الى كل جهد وعمل، وكل تجمع خيّر مخلص من أجله.

أخيرا إن الإسلام غريب طالت غربته، وغائب طالت غيبته، أفلم يأن للغائب أن يعود وللغريب أن تنجلي عنه الغربة؟

وإذا كان الأمر لك فيه طرف فلا يؤتَى هذا الدين ولا الكيانات التي تحمله من قِبلك .. واسمع الى أخيك يقول:

أخي إني أريدك لا تدعْني …… وإن بي ضاق صـــدرُك من يسَعني؟!

أأبكي دون أن تبكي لحزني؟ …………….. وجفنك بارد لم يجر دمعه؟

* * *

فلا تسمع لتحريك الضغائن ………….. وأنصت لاستغاثات المآذن

فرايات الكفر قـد نشبوا البراثن ……… فدع داعي التفرق لا تطعه

* * *

وشد بعزمة في اللـــــه أزرى …. شريكي أنت في قهري ونصري

لِنحْرِك صوب الأعـــــدا ونحري……. فصُن صدري فأنت اليوم درعه

اللهم ألِّف بين المسلمين، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سُبُل السلام، وأخرِجهم من الظلمات الى النور بإذنك، إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم ..

وصلى الله وسلم وبارك على أكرم الخلق محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين.

……………………………………..

هوامش:

  1. متفق عليه.
  2. رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ (ت:1997)، وصححه الألباني رحمه الله
  3. رواه النسائي وأحمد وابن حبان وغيرهم.

اقرأ أيضا:

  1. من نحن؟ وما لنا وللأقصى والقدس؟
  2. لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين حق غير دين الإسلام لابن باز
  3. مسؤولية الفرد عن انتكاسة الأمة.. (1-2) التكاليف الفردية والجماعية
  4. مسؤولية الفرد عن انتكاسة الأمة.. (2-2) المسؤولية الفردية والتضامنية

التعليقات غير متاحة