زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

اتسم موقف الأمة من العلمانية التي هجمت على بلاد المسلمين ومجتمعاتهم بالتذبذب وعدم الحسم؛ وهذا مخالف لطبيعة العقيدة وموقف الإسلام منها.

مقدمة

إن أحد التحديات الخطيرة ـ إن لم تكن أخطر هذه التحديات على الإطلاق ـ والتي تواجه أهل السنة والجماعة في هذا العصر لَهِي إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبّسة، التي تتخفى وراءها العلمانية التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة.

ولفضح العلمانية ومواجهتها لا بد أوّلاً أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الوضوح في نفوس أهل السنة..

فإنه بدون هذا الوضوح تعجز تجمعات أهل السنة، ويعجز علماؤها، عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة، وتتأرجح هي أمام التجمعات الجاهلية ـ ومنها العلمانية ـ وبالتالي تفقد تجمعات أهل السنة أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء في مواجهة هذه التجمعات الجاهلية من حيث تقف هذه التجمعات الجاهلية فعلاً، لا من حيث تزعم، والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع.. بعيدة جداً.

وجوب توضيح الحقائق وتحديد للمفاهيم

ونظراً لما أصاب كثيراً من التصورات الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان الناس في هذا العصر، فإن من الضروري أن يقوم أهل السنة والجماعة بتجلية تلك التصورات، وكشف هذه الشبهات في كلمة موجزة عن حقيقة العلمانية، وبيان أن التوحيد الذي هو أعظم حقيقة في التصور الإسلامي ـ بل في الوجود كله ـ هو في الوقت ذاته أكبر نقيض للعلمانية؛ ومن ثَم كان لا بد من معرفته حق المعرفة والتأكيد عليه في جميع مراحل الدعوة إلى الله، مع بيان سبيل إحياء الأمة في التمسك واتباع مناهج وأصول أهل السنة والجماعة.

وإذا كان معنى (لا إله إلا الله) الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وخير تعريف للطاغوت ما ذكره الإمام ابن القيم، رحمه الله:

“الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

فطاغوت كل قوم مَن يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتّبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله”. (1إعلام الموقعين 1/ 50)

فإننا نستطيع القول بأن الشرك ـ الذي ظل عبر التاريخ محور الصراع بين الأمم والرسل ـ هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين:

  • الإرادة والقصد.
  • الطاعة والاتباع.

أما شرك “الإرادة والقصد”: فهو التوجه إلى غير الله تعالى بشيء من شعائر التعبد، كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعاً للتبريرات الجاهلية المردودة القائلة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].

وطاغوت هذا النوع قد يكون صنماً أو وثناً أو ميتاً أو جنيَّاً أو شيخاً.. الخ.

وأما شرك “الطاعة والاتباع”: فهو التمرد على شرع الله تعالى، وعدم قبول حكمه وتحكيمه في شؤون الحياة بعضها أو كلها. وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، بين الإيمان والكفر، كما أنه السِمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ  شأنها في الحضارة والمعرفة، ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، ﴿أَم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

وطاغوت هذا النوع قد يكون زعيماً أو حاكماً أو كاهناً، أو قد يكون هيئة تشريعية أو أنظمة وأوضاع وتقاليد وأعراف، أو مجالس نيابية وبرلمانات وقوانين، ودساتير وأهواء..الخ.

والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد؛ وهو تحكيم غير الله والتلقي عن غيره؛ فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة والقربات، وألّا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع لها في كتبه وعلى لسان رسله: ﴿إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40].

فردُّ الأمر كله إلى الله، واتخاذه وحده حَكَماً في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يُصرف شيء منها لغيره، وهذا هو ذات “الدين القيم” الذي لا يرضى الله تعالى سواه، وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ.

إذا تقرر هذا، فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءاً منها فهو طاغوت في أي صورة كان، وفي أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان ـ فرداً أو مجتمعاً ـ شاهداً “ألا إله إلا الله”، حقيقةً؛ إلا بالكفر بالطاغوت والبراءة منه وأهله.

لا بد من “عبودية” إما لله، وإما لغيره

“إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله”. (2مقدمة رسالة العبودية/ 6)

وكل عبودية لغير الله كبرت أو صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60، 61]، يشمل ذلك العرب الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إنَاثاً وإن يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ [النساء: 117]، ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ.

لقد تغيرت ولا شك بعض مظاهر العبادة فلم يعد هناك تلك (الإناث) التي كان العرب في شركهم يعبدونها ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والقومية والعلمانية والحرية الشخصية والجنس … الخ. عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية، تضفي عليها القداسات الزائفة، وتُعبد من دون الله، ويُطاع أمرها في مخالفة الله وفي تغيير خلق الله، وما تغيرت

إلا مظاهر العبادة (تطورت) !! ولكن الجوهر لم يتغير، إنه عبادة الشيطان.

وعلى ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى الطاغوت والعبادة يتضح لنا المعنى الحقيقي لشهادة (لا إله إلا الله) الذي هو “الكفر بالطاغوت، وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة”.

وانطلاقاً من هذا المفهوم ـ الذي يعتبر في حقيقة الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة عند أهل السنة والجماعة ـ؛ نستطيع أن نرى حكم الإسلام في العلمانية بسهولة ووضوح ونستطيع أن نصل بالقضية إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة اللازمين لفضح العلمانية ومواجهتها.

العلمانية باختصار

إن العلمانية باختصار نظام طاغوتي جاهلي كافر، يتنافى ويتعارض تماماً مع شهادة (لا إله إلا الله) من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:

  • أولاً: من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله.
  • ثانياً: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.

إن العلمانية تعني ـ بداهة ـ: الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعة الله، وقبول الحكم والتشريع والطاعة والاتباع من طواغيت أخرى من دون الله.

فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين؛ ومن ثم فهي ـ بالبديهة أيضاً ـ نظام جاهلي، لا مكان لمعتقده ولا لنظامه ولا لشرائعه في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، فهل يبقى بعد هذا مجال للشك أو التردد في الحسم والوضوح اللازمَين في نفوس أهل السنة اليوم تجاه العلمانية؟

الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والقلوب، والغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة؛ هذا وذاك هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم.

شبهات تحول دون الحسم الواجب

فمن هذه الشبهات استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقهما الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، بذريعة أن هذه الأنظمة ـ لاسيما العلمانية الديمقراطية ـ لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة شعائر التعبد، وبحجة أن بعض أفراد الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة، ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام وحج وصدقة، ويحترمون من يسمونهم برجال الدين..(!)، ويحترمون المؤسسات الدينية..الخ.

وفي ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة يستصعب بعض الناس – ومنهم للأسف الشديد بعض من يرفع راية الدعوة الإسلامية اليوم ـ القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة كافرة جاهلية، وأن المؤمنين بها المتبعون لها جاهليون.

ومن الواضح أن الذين يلوكون هذه الشبهات لا يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، ولا مدلول (الإسلام)، وهذا على فرض حسن الظن بهم، وهو ما لا يجوز في حق كثير من المثقفين، وبالذات بعض الذين يرفعون راية الدعوة الإسلامية اليوم ويتعللون بهذه العلل الواهية.

خاتمة

إن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراع أهل السنة والجماعة المرير عبر القرون، وإن القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ومثله السنة المطهرة لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها.

هل تحمّل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابُه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين سنة متوالية، وهل نزل القرآن الكريم موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين؛ من أجل أن يقول الجاهليون ـ باللسان فقط ـ “لا إله إلا الله”، ويقيموا الشعائر التي يمُنّ دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها؟!!

وما الفرق بين قول قريش: “يا محمد؛ اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة”، وبين قول العلمانيين ـ لفظاً أو حالاً ـ “نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المجالس التشريعية والبرلمان وفي القضاء والتجارة والسياسة”..؟

أهو شيء آخر غير أن قسمة أولئك زمنية، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية؟

يقول ابن كثير، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾:

“ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكم، المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم.

وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) ـ وهو عبارة عن: كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير”. (3تفسير القرآن العظيم 2/ 67)

……………………………

الهوامش:

  1. إعلام الموقعين 1/ 50.
  2. مقدمة رسالة العبودية/ 6.
  3. تفسير القرآن العظيم 2/ 67.

المصدر:

  • مجلة البيان ربيع الآخر – 1408هـ، ديسمبر – 1987م، (السنة: 2)، بقلم: محمد المصري

اقرأ أيضا:

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية