زمن القراءة ~ 13 دقيقة 

من آثار رحمته سبحانه وتعالى أن أرسل إلينا رسوله، وأنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة،  وهدانا من الضلالة، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا، وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا .

من أسماء الله الحسنى: (الرحمن، الرحيم)

قال الله تعالى: (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن: 1، 2].

وقال – عز وجل -: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [طه: 5].

وقال سبحانه: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ) [مريم: 45].

والآيات في ذكر اسم (الرحمن) كثيرة جاءت في (57) موضعًا من القرآن.

أما اسمه (الرحيم) فقد جاء في (123) موضعًا من القرآن الكريم أكثرها كان مقترنًا باسمه سبحانه (الغفور) ومن ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المزمل: 20].

وقوله تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43].

المعاني الكريمة لهذين الاسمين الجليلين

هذان الاسمان الكريمان مشتقان من (الرحمة) على وجه المبالغة وهي الرقة والتعطف وإن كان اسم (الرحمن) أشد مبالغة من اسم (الرحيم)، لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل وبناء فعلان: للسعة والشمول، واتفق أهل العلم على أن اسم (الرحمن) عربي لفظه، وفي الحديث القدسي: (أنا الرحمن ، خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي…) الحديث1(1) أحمد في المسند (1686)، وأبو داود في سننه (1694) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (520)..

فقد دل هذا الحديث على الاشتقاق. وكانت العرب تعرف هذا الاسم في لغتها.

قال الله – عز وجل -: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم) [الزخرف: 20]. وجاء في أشعارهم قول الشاعر:

وعجلتم علينا إذ عجلنا عليكم          وما يشأ الرحمن يعقـد ويطلق2(2) انظر النهج الأسمى محمد حمود النجدي 1/75، 76.

الفرق بين الاسمين

فرق بعض أهل العلم بين هذين الاسمين الكريمين بالفروق التالية:

أولاً: أن اسم (الرحمن): هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة.

وأما اسـم (الرحيم): فهو ذو الرحـمة للمؤمنين كما في قوله تعـالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)  [الأحزاب: 43]. ولكن يشكل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيم) [البقرة: 143]، وقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [الإسراء: 66].

ثانيًا: أن اسم (الرحمن) دال على الرحمة الذاتية، و(الرحيم) دال على الرحمة الفعلية؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم. فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته.

وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43]، وقوله: (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 117].

ولم يجيء قط (رحمن بهم) فعلم أن (الرحمن) هو الموصوف بالرحمة، (والرحيم) هو الرحيم برحمته»3(3) بدائع الفوائد 1/24..

ويقول في موطن آخر: «ولم يجيء رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين؛ مع ما في اسم (الرحمن) – الذي هو على وزن فعلان – من سعة هذا الوصف؛ وثبوت جميع معناه للموصوف به. ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا؛ وندمان، وحيران، وسكران، ولهفان، لمن مُلِئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول.

ولهـذا يقرن استواءه على العرش بهـذا الاسـم كثيرًا، كقـوله تعـالى: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [طه:5]، (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ) [الفرقان: 59].

فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأن العرش محيطٌ بالمخلوقات؛ قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق؛ واسعة لهم، كما قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كلَّ شيء.

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق: كتب في كتاب – فهو عنده موضوعٌ على العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي)4(4) البخاري (7404)، ومسلم: (2751).. وفي لفظٍ: (فهو عنده على العرش)5(5) البخاري: (3194)..

فتأمَّل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة؛ ووضعه عنده على العرش، وطَابقْ بين ذلك وبين قوله: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [طه:5] وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ) [الفرقان: 59] يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب – تبارك وتعالى – إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم»6(6) مدارج السالكين 1/34..

ثالثًا: اسم (الرحمن) من الأسماء التي لا يجوز للمخلوق أن يتسمى بها؛ قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) [الإسراء: 110] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وهو (الله) – جـل جلاله – وأما (الرحيم) فإنه تعـالى وصف به نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم (الله)، (الرحمن)، (الخالق)، (الرازق) ونحو ذلك؛ ولهذا بدأ باسم الله الموصوف (بالرحمن) لأنه أخص وأعرف من (الرحيم)؛ لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص»7(7) تفسير ابن كثير 1/21..

الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان

الأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه كسائر صفاته، يجب إثباتها لله – عز وجل – من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. كما قال سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156]، وقوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) [الأنعام: 133].

الثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله – عز وجل – منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها؛ وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)8(8) مسلم (2752).. ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (أن الله – عز وجل – قال عن الجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء…. » الحديث9(9) مسلم (2846).؛ وهذه الرحمة من باب إضافة المفعول إلى فاعله، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية.

رحمة الله عز وجل لعباده نوعان

الأولى:- رحمة عامة

وهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، ونومهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى.

قال الله – عز وجل -: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر: 7]، يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: «وهذه هي الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات، حتى الكفار؛ لأن الله قرن الرحمة هذه مع العلم؛ فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء؛ فقد بلغته رحمته؛ فكما يعلم الكافر؛ يرحم الكافر أيضًا.

لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية مختصة بالدنيا؛ فالذي يرزق الكافر هو الله الذي؛ يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك»10(10) شرح العقيدة الواسطية (بتصرف يسير) 1/249..

الثانية:- رحمة خاصة

وهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله – عز وجل – في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثيبهم عليه، ويدافع عنهم وينصرهم على الكافرين ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيما أعطاهم، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب ويغفر لهم ذنوبهم ويكفرها بالمصائب ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخولهم الجنة ونجاتهم من عذابه – عز وجل – ونقمته. وهذه الرحمة هي التي جاء ذكرها في قوله تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43].

يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – عن هذه الرحمة الخاصة بعد حديثه عن الرحمة العامة: «أما المؤمنون؛ فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم؛ لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية.

ولهذا تجد المؤمن أحسنَ حالاً من الكافر، حتى في أمور الدنيا؛ لأن الله يقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: 97] الحياة الطيبة هذه مفقودة بالنسبة للكفار، حياتهم كحياة البهائم.. لكن المؤمن إن أصابته ضراء صبر واحتسب الأجر على الله – عز وجل – وإن أصابته سراء شكر فهو في خير في هذا، وفي هذا وقلبه منشرح مطمئن»11(11) شرح العقيدة الواسطية 1/249..

وقال عند قوله تبارك وتعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).

(قوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ): متعلق بـ(رحيم)، وتقديم المعمول يدل على الحصر، فيكون معنى الآية: وكان بالمؤمنين لا غيرهم رحيمًا.

ولكن كيف نجمع بين هذه الآية والتي قبلها: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) نقول: الرحمة التي هنا غير الرحمة التي هناك. هذه رحمة خاصة متصلة برحمة الآخرة  لا ينالها الكفار؛ بخلاف الأولى. هذا هو الجمع بينهما، وإلا فكلٌ مرحوم، لكن فرق بين الرحمة الخاصة والرحمة العامة)12(12) شرح العقيدة الواسطية 1/251..

ذكر بعض آثار رحمة الله – عز وجل – في خلقه وأمره

آثار رحمة الله – عز وجل – لا تعد ولا تحصى إذ إن رحمة الله – عز وجل – قد وسعت كل شيء فكما أن علم الله – عز وجل – قد وسع كل شيء ولم يخف عليه أي شيء فكذلك رحمته سبحانه قد بلغت كل شيء بلغه علمه سبحانه قال الله – عز وجل -: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر: 7].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فوسعت رحمته كل شيء، ووسعت نعمته كل حي، فبلغت رحمته حيث بلغ علمه»13(13) الصلاة وحكم تاركها ص 173..

وقال سبحانه عن نعمه التي هي من آثار رحمته: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34].

وأسوق فيما يلي بعضًا من آثار رحمة الله تعالى في خلقه وشرعه، وإلا فإن رحمة الله – عز وجل – قد وسعت كل شيء ولا يحيطها عقل ولا حصر ولا عد. إذ كل ما يقع عليه السمع والبصر فرحمة الله – عز وجل – فيه بادية، وما يخفى على السمع والبصر من آثار رحمة الله تعالى أعظم وأكثر.

آثار رحمة الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس

أولاً: تظهر آثار رحمة الله – عز وجل – في كل ما خلق الله – عز وجل – سواء في هذا الكون العريض وما فيه من المخلوقات العظيمة المسخرة بأمره سبحانه وما فيها من المنافع والرحمة لعباده، أو ما في خلق الإنسان من الآيات الدالة على عظمته سبحانه ورحمته – عز وجل – بهذا الإنسان، حيث خلقه في أحسن تقويم وأقام جسمه وروحه، وأعطاه العقل وقواه، وأمده وأعده ورزقه وأنعم عليه بنعمه الظاهرة والباطنة. ولو ذهبنا نستعرض آثار رحمة الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس لفنيت الأعمار ولم تنته من حصرها وعدها مع أنها جزء من مائة جزء من رحمته.

يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في وصفه لشمول رحمة الله تعالى: «وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئًا بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه.. فسبحان من أعمى بصيرة من زعم أن رحمة الله مجاز»14(14) مختصر الصواعق المرسلة 2/350 «باختصار»..

قال الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13].

وقال سبحانه: (فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الروم: 50].

وقال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4].

وقال – عز وجل -: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: 6 – 8].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وتأمل قوله تعالى: (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن:1 – 4] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئًا عن صفة الرحمة متعلقًا باسم (الرحمن)، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 78]، فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة، إذ مجيء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك فكل ما ذكر عليه بورك فيه، وكل ما أخلي منه نزعت منه البركة.

… وبرحمته أطلع الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض وجعلها مهادًا وفراشًا وقرارًا وكفاتًا للأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر، وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل… ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه وألقى بينهما المحبة والرحمة، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع الزوجين، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه.

ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم، وانحل نظامهم، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والمراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه ثم عم الجميع برحمته»15(15) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 122 – 124 «بتصرف يسير»..

إرساله الرسل وإنزاله الكتب هداية للناس

ثانيًا: وأعظم آثار رحمته سبحانه إرساله الرسل وإنزاله الكتب هداية للناس وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور. فالرسل رحمة من عند الله – عز وجل – لعباده قال الله – عز وجل -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

وقال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89].

فبرحمته أرسل الرسل وأنزل الكتب لهداية البشر، ولتعريفهم بربهم سبحانه وأسمائه وصفاته، وكيفية عبادته لينقلهم برحمته من الجهالة إلى العلم ومن الغي إلى الرشد، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن النار إلى الجنة فسبحان أرحم الراحمين وخير الرازقين.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل علينا كتابه وعلّمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة ، وبصّرنا من العمى، وأرشدنا من الغي.

وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا، وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم، وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا…

… وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالهم، فبرحمته خُلقت، وبرحمته عُمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليها، وبرحمته طاب عيشهم فيها.

وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه…»16(16) مختصر الصواعق المرسلة 2/123..

ويقول أيضًا: «من أعطى اسم (الرحمن) حقَّه: عرف أنه متضمنٌ لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمُّنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحَبِّ.

فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح: أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدوابِّ، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك»17(17) مدارج السالكين 1/8..

مغفرته لذنوب عباده وتكفير سيئاتهم

ثالثًا: ومن رحمته سبحانه مغفرته لذنوب عباده والصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوبة لهم.

قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه، ومن عقوبته بعفوه، ومن نفسه بنفسه… وأوسع المخلوقات عرشه، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي هو أوسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء.

ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه، كتب مقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابًا فهو عنده وضعه على عرشه «إن رحمته سبقت غضبه» وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم، والعفو عنهم، والصفح عنهم، والمغفرة، والتجاوز، والستر، والإمهال، والحلم، والأناة. فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر»18(18) مختصر الصواعق المرسلة 2/121 – 122.وانظر إلى مزيد من تفاصيل آثار – رحمة الله تعالى-  وحكمته في خلقه في الكتاب النفيس (مفتاح دار السعادة) لابن القيم رحمه الله تعالى..

وتتجلى رحمة الله – عز وجل – بعباده التائبين في أجلى صورها فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم بفرح الله – عز وجل – بتوبة عبده وقبوله لتوبة التائبين.

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى: 25].

وقال سبحانه: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام: 54].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أفْرَحُ بتوبة عبده – حين يتوب إليه – من أحدكم، كان على راحلة بأرض فلاة؛ فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه. فأيس منها. فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده. فأخذ بخطامها. ثم قال – من شدة الفرح – اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح)19(19) البخاري (6309)، ومسلم (2747). هذا لفظ مسلم. ولا يهلك على الله إلا هالك ولا يخرج عن رحمة الله تعالى إلا من يعلم الله تعالى أنه لا يستحق الرحمة البتة، وهم القوم الكافرون؛ قال الله تعالى: (لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87] ويمكن أن نجد هذا المعنى في قول إبراهيم عله السلام وهو يدعو أباه الكافر: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) [مريم: 45]، فاختيار إبراهيم عليه السلام: اسم (الرحمن) في تحذير أبيه من العذاب فيه سر لطيف لأن المتبادر للعقل أن يربط العذاب باسم من أسمائه سبحانه يناسب العقاب أما أن يربط العذاب باسمه (الرحمن) فلا شك أن في ذلك سر لطيف ألا وهو – والله أعلم – أن إبراهيم أراد أن يفتح لأبيه باب الرجاء والتوبة فإن الله – عز وجل – رحيم يقبل توبة التائبين مهما عملوا. وكذلك ربما أراد إبراهيم عليه السلام أن يعلم أباه أنه إن أصابك العذاب ممن اسمه (الرحمن) الذي وسعت رحمته كل شيء، فإن هذا يدل على أنه ليس فيمن عذبه الرحمن ذرة تستحق الرحمة؛ إذ لو كان فيه موجب الرحمة لرحمه.

رحمة الأمهات بأولادهن

رابعًا: ومن آثار رحمته سبحانه ما يضعه في قلوب الأمهات من رحمة نحو أولادهن سواء كان ذلك عند الإنسان أو الحيوان من وحش وطير وهوام. وأن رحمة الله – سبحانه وتعالى – أعظم وأوسع من رحمة الأمهات بأولادهن.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «قُدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتَرونَ هذه المرأة طارحةً ولَدها في النار؟) قلنا: لا والله! وهي تقدر على أن لا تَطْرَحَه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أرحَمُ بعبادِهِ من هذه بولدها)»20(20) البخاري (5969)، ومسلم (2754)..

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان، فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه منها اسم (الرحمن الرحيم)»21(21) مختصر الصواعق المرسلة 3/122..

خامسًا: وتتجلى رحمة الله – عز وجل – في شرعه المطهر وأحكامه التي كلها خير ورحمة للخلق سواء ما يتعلق بهدايتهم وحفظ أديانهم، أو ما يتعلق بحفظ نفوسهم وأبدانهم، أو ما يتعلق بحفظ عقولهم وأفكارهم، أو ما يتعلق بحفظ أعراضهم وأنسابهم وأولادهم، أو ما يتعلق بحفظ أموالهم وممتلكاتهم.

فكل ما يتعلق بهذه الضروريات الخمس من أحكام إنما جاءت رحمة بالناس بالمحافظة عليها وحمايتها من الفساد والعدوان حتى يعيش الناس في أمن وسعادة قد رفع عنهم الحرج والعنت وحفظ لكل ذي حق حقه. كما تظهر رحمة الله – عز وجل – في يسر الشريعة، ورفع الحرج عن العباد فيها، وشرع الرخص التي ترفع المشقة عنهم.

تكفير السيئات، وغفران الذنوب بفعل المصائب والمكروهات

سادسًا: كما تتجلى رحمة الله – عز وجل – في المصائب والمكروهات التي يقدرها على عباده المؤمنين فهي وإن كانت مؤذية ومكروهة إلا أن في أعطافها الرحمة والخير بالمصاب، لأن الله – عز وجل – كتب على نفسه الرحمة ورحمته سبقت غضبه.

وقد تظهر هذه الرحمة للمصاب عيانًا ويتبين ما في المكروه من الرحمة واللطف وقد لا يتبين ذلك في الدنيا ولكن يظهر آثار رحمة الله فيها في الآخرة بتكفير السيئات، وغفران الذنوب بفعل هذه المصائب.

قال الله تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216 ].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه)22(22) البخاري (5641)، ومسلم (2573)..

أما ما يصاب به الكفار من المصائب والعقوبات فهي رحمة بالمؤمنين من شر الكفار وتسلطهم، وإفسادهم في الأرض، وهي عدل مع الكفار.

وأذكر بهذه المناسبة آية من كتاب الله – عز وجل – ظهر لي فيها معنى خفي يدل على أن ما يصيب المؤمن من ضر ومكروه إنما هو من آثار رحمة الله تعالى وموجب اسمه سبحانه (الرحمن الرحيم).

قال الله تعالى عن مؤمن آل ياسين أنه قال لقومه المشركين: (إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ) [يس:23]، فلماذا اختار هذا الرجل الصالح اسم (الرحمن) من بين أسماء الله تعالى؟ وهل (الرحمن) يريد الضر بعباده المؤمنين؟

إن المعنى اللطيف في هذه الآية – والله أعلم – أن الضر إذا أتى من (الرحمن) فإن هذا موجب رحمته ولطفه ويصير الأمر الذي ظاهره الضر في حقيقته رحمة، وخيرًا للمؤمن لأن الرحمن لا يصدر عنه إلا الرحمة واللطف والبر: (فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].

معيته سبحانه لأوليائه

سابعًا: وتتجلى رحمة الله – عز وجل – في رحمته الخاصة بأوليائه، وتوفيقهم، وتسديدهم، وحفظهم، وتيسير أمورهم، وإجابة دعائهم، ونصرهم على أعدائهم الكافرين، وتمكينه لهم في الأرض، وإعانتهم وإغاثتهم في قضاء حوائجهم كما في جلب الرزق والمطر وكشف الكروب، وخرق السنن الكونية لهم، وإظهار الكرامات على أيديهم.

الهوامش

(1) أحمد في المسند (1686)، وأبو داود في سننه (1694) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (520).

(2) انظر النهج الأسمى محمد حمود النجدي 1/75، 76.

(3) بدائع الفوائد 1/24.

(4) البخاري (7404)، ومسلم: (2751).

(5) البخاري: (3194).

(6) مدارج السالكين 1/34.

(7) تفسير ابن كثير 1/21.

(8) مسلم (2752).

(9) مسلم (2846).

(10) شرح العقيدة الواسطية (بتصرف يسير) 1/249.

(11) شرح العقيدة الواسطية 1/249.

(12) شرح العقيدة الواسطية 1/251.

(13) الصلاة وحكم تاركها ص 173.

(14) مختصر الصواعق المرسلة 2/350 «باختصار».

(15) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 122 – 124 «بتصرف يسير».

(16) مختصر الصواعق المرسلة 2/123.

(17) مدارج السالكين 1/8.

(18) مختصر الصواعق المرسلة 2/121 – 122.وانظر إلى مزيد من تفاصيل آثار – رحمة الله تعالى-  وحكمته في خلقه في الكتاب النفيس (مفتاح دار السعادة) لابن القيم رحمه الله تعالى.

(19) البخاري (6309)، ومسلم (2747).

(20) البخاري (5969)، ومسلم (2754).

(21) مختصر الصواعق المرسلة 3/122.

(22) البخاري (5641)، ومسلم (2573).

المصدر

كتاب: “ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها” للشيخ عبد العزيز الجليل، ص100-118 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

أسماء الله الحسنى: (3، 4) [الواحد، الأحد]

أسماء الله الحسنى (2) الرب

شرح أسماء الله الحسنى (1) [الله جل جلاله]

 

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية