الامة الاسلامية

هل تساءلت يوما كيف يمكن لممر مائي ضيق أن يجعل العالم القوي المتماسك يرتجف اقتصاديا، ويربك أسواق النفط، ويرفع أسعار الشحن، ويستنفر العواصم الكبرى سياسيا وعسكريا؟

العالم يرتجف بمضيق واحد

هل تخيلت أن العالم الذي يبدو اليوم قويا متماسكا ومسيطرا يمكن أن يرتجف اقتصاديا بسبب ممر مائي ضيق؟ هل تخيلت أن قرارا متعلقا بنقطة بحرية واحدة قد يربك أسواق النفط ويؤخر التجارة ويرفع أسعار الشحن ويجعل عواصم كبرى تستنفر سياسيا وعسكريا؟

إذا كان هذا أثر مضيق واحد، فكيف بك إذا علمت أن أمة الإسلام تمتلك أهم المفاصل التي تقوم عليها حياة الغرب في كل أرجاء الأرض؟

لابد أن تعرف أن الأمة الإسلامية ليست مجرد رقعة جغرافية واسعة، بل هي الأمة التي تقع يدها على أعصاب الاقتصاد العالمي نفسه.

مفاصل القوة في يد الأمة

ولك أن تنظر إلى الخريطة لترى بعضا من هذه المفاصل:

مضيق هرمز أو مضيق خالد بن الوليد، هذا المضيق وحده تمر عبره نسبة هائلة من نفط العالم. أي اضطراب فيه يجعل أسواق الطاقة ترتجف وترتفع الأسعار وتبدأ القوى الكبرى بإعادة الحسابات فورا. ليس لأن المضيق كبير، بل لأن العالم الحديث مربوط به.

باب المندب، هذا المعبر الذي يصل بين البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويحمل جزءا أساسيا من التجارة القادمة من آسيا نحو أوروبا. أي توتر فيه لا يؤثر على منطقة واحدة فقط، بل يمتد أثره إلى شركات النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.

قناة السويس، القناة التي تختصر الزمن التجاري للعالم، والتي أثبت الواقع أن تعطلها أياما قليلة فقط يربك مئات السفن ويؤخر البضائع ويكلف الاقتصاد العالمي مليارات.

البحر الأحمر، ليس مجرد بحر، بل شريان يربط الشرق بالغرب، ويجعل من يتحكم به حاضرا في قلب المعادلة الدولية.

ثم فوق ذلك كله، فإن بلاد الإسلام تحتوي على أكبر خزانات الطاقة في العالم.

لماذا يخاف الغرب؟

فكيف يمكن لأمة تملك كل هذا أن تكون خارج مركز القرار الدولي؟ ولماذا يخشى أن تستعيد هذه الأمة وحدتها؟

لأن المسألة ليست حدودا ولا مجرد ثروات. المسألة أن أمة كهذه لو امتلكت قرارها فعلا لتغير شكل العالم كله.

هل عرفتم لماذا يخاف الغرب؟ لا يخاف من المسلمين لأنهم فقط أكثر من مليار ونصف، ولا لأن أرضهم واسعة، ولا لأن ثرواتهم هائلة، بل يخاف من أن تجتمع هذه العناصر كلها تحت سلطان واحد وقرار سياسي واحد، يحول الأمة من شعوب متفرقة إلى قوة واعية تعرف ماذا تملك.

هو مطمئن تماما طالما أن عناصر القوة هذه منفصلة فيما بينها، ولا يربطها نظام سياسي مبدئي واحد.

هل أدركت الآن أن الأمة الإسلامية تتربع على أعصاب الاقتصاد العالمي دون أن تدرك قيمة ما تملك؟

امتلاك المكان شيء وامتلاك القرار شيء آخر

والسؤال الآن: إذا كانت مفاصل القوة والتأثير هذه كلها في المجال الإسلامي، فكيف لا تكون الأمة في مركز القرار العالمي؟

الجواب: لأن امتلاك المكان شيء وامتلاك القرار شيء آخر.

فالموقع وحده لا يصنع قوة ما لم يوجد سلطان سياسي يوظف الموقع.

والثروة وحدها لا تصنع سيادة ما لم توجد دولة ترى الثروة جزءا من مشروع الأمة.

ولهذا بقيت الأمة رغم أنها تملك أخطر الممرات وأغنى الموارد خارج حجمها الحقيقي، لأن الذي فقد ليس الإمكانات، بل الكيان السياسي الذي يجمع الإمكانات.

ماذا لو امتلكت الأمة سلطانها؟

ولو أن الأمة امتلكت سلطانها فعلا، واجتمع قرارها، وأصبحت هذه المفاصل البحرية ضمن رؤية واحدة، وتخلصت من حكامها الذين مكنوا الغرب من ثرواتها، فإن العالم كله سيضطر راغما لإعادة تعريف علاقته بهذه الأمة.

لأن من يملك هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر الأحمر ومضيق جبل طارق والخليج العربي وغيره، لا يملك مجرد خرائط، بل يملك مفاتيح تتيح التأثير في الطاقة والتجارة والنقل والاقتصاد العالمي.

الأخطر من المفاصل – الفكرة والعقيدة

لكن الأخطر من كل ذلك أن الأمة لا تملك هذه المفاصل فقط، بل تملك فكرة، تملك العقيدة التي جعلت منها خير أمة أخرجت للناس، تملك رسالة تجعل منها وصية على هذا الكون، تحمل له الإسلام هدى ونورا للعالمين.

وهنا جوهر القضية: فالدول الكبرى قد تملك السلاح، لكنها لا تملك مبدأ يحمل العالم. أما الأمة الإسلامية إذا اجتمع لها السلطان مع العقيدة، فإنها لا تدخل العالم باعتبارها قوة ضاغطة، بل باعتبارها أمة تحمل تصورا كاملا للحياة والسياسة والحكم.

ولهذا كان الخوف دائما من عودة الأمة موحدة، لأن الأمة إذا عادت لا تعود فقط بثرواتها، بل تعود بفكرتها. وحينئذ لن يبقى النظام الدولي على صورته الحالية.

حين تصبح المفاصل بيد أمة واعية

إذا أصبحت مفاصل الطاقة والتجارة العالمية بيد أمة تعرف قيمة ما عندها، وتعرف أن عقيدتها ليست مجرد شعور بل مشروع حضاري لا يهدأ حتى يعم الأرض كلها، لا يترك بيت مدر ولا وبر إلا أدخل إليه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر.

عندها لن يكون المسلم تابعا لقرار يصنع خارجه، بل سيصبح العالم كله يراقب ماذا تريد الأمة، وماذا يريد خليفة المسلمين.

المصدر

سائد مرعي “الأمة الإسلامية ومفاصل الاقتصاد العالمي” محاضرة مفرغة بتصرف.

اقرأ أيضا

من هشاشة “إسرائيل” إلى أوراق القوة العربية المهدرة

“امتلاك القوة” خطوة للخروج من التبعية والتمكين للشريعة

القوة سِرُّ عز الأمة

التعليقات معطلة