بين انهيار أسطورة “99%” الأمريكية أمام صواريخ إيران وحلفائها، وصفعة اليقظة التي أصابت الكيان الصهيوني بعد حرب غزة، تبرز الحقيقة الأكبر: العرب يمتلكون أوراق القوة لكنهم يهدرونها بالوهن وضعف الإيمان، فهل آن الأوان لاستثمار هذه اللحظة التاريخية قبل أن يفوت القطار؟
بين انهيار الوهم الصهيوني وصحوة الشعوب العربية
ما يحدث اليوم من مفاوضات ومناورات بين إيران وحلفائها من ناحية، وبين أمريكا وإسرائيل وأتباعهم العرب من ناحية أخرى، يوضح مدى هشاشة الكيان العنصري الصهيوني، ويكشف أن المقولة التي يرددها العرب “99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا” هي مقولة خاطئة تماماً، فما زال في يد العرب الكثير، لكن الوهن وضعف الإيمان هو ما يجعلهم دائماً منبطحين مستسلمين مفعولاً بهم، ينتظرون العطف والشفقة من العدو.
أوراق القوة العربية المهدرة بين مضيق هرمز وقناة السويس
يمتلك العرب مواقع استراتيجية تتحكم في شرايين التجارة والطاقة العالمية، لكن السؤال الحقيقي ليس عن وجود هذه الأوراق، بل عن حسن استثمارها. هل تتحرك الحكومات العربية لبناء حلفاء حقيقيين ومساعدتهم والوقوف بجانبهم كي يقفوا معها وقت الأزمات؟ أم أن التشرذم والتبعية هما الطاغيان على القرار العربي؟
العقيدة واللغة – غياب الأساس يضيع النصر
لولا العقيدة الراسخة والإيمان الصادق لما استطاع أي شعب أن يتحمل ويصبر بإصرار حتى يحقق النصر. والشعوب العربية اليوم تملك من مقومات الصمود ما يجعلها قادرة على التغيير، لكن غياب التفعيل الحقيقي لهذه المقوّمات هو ما يؤخر النصر. كما أن السؤال يمتد ليشمل: هل تستعمل الدول العربية ثرواتها وجيوشها في شيء مفيد؟ أم أن الريع والنخب المتقاعسة هي من تتحكم في المصير؟
مرحلة السقوط الإسرائيلي ورهان العرب على الماضي
بينما دخل الكيان الصهيوني مرحلة أفول حقيقية بعد حرب غزة، لا يزال المثقفون العرب عالقين في مرحلة انتهت منذ عشرين سنة، مرحلة أفكار وكتابات عبد الوهاب المسيري وإدوارد سعيد. اليوم لم يعد الموضوع هو محاولة مناقشة أكاذيب الصهيونية وتخاريفها المضحكة وتزوير التاريخ؛ فكل هذا أصبح أكاذيب مفضوحة وقصصاً مملة لا يصدقها أحد ولا يهتم بها أحد – حتى من يرددها في الروايات والحكايات.
تطور الصهيونية – من ملجأ للمظلومين إلى جنون توراتي
مرت الصهيونية بثلاث مراحل تحولية:
- مرحلة البحث عن ملجأ – قبل 100 سنة، كحركة لإنقاذ اليهود المضطهدين في أوروبا.
- مرحلة الاستعمار العنصري – منذ 70 سنة، تحولت إلى حركة استعمارية عنصرية ضد العرب والمسلمين.
- مرحلة جنون العظمة – بعد حرب 1967، أصابها الغرور وتحولت إلى حركة مجنونة تصدّق خرافات توراتية وتعيش على مساعدة بلا حدود من أمريكا والغرب.
وقد غرق بعض المفكرين العرب في محاولة مناقشة هذه الخرافات التي لا يصدقها أحد في العالم اليوم، بينما كان الأجدر بهم التركيز على بناء مشروع نهضوي حقيقي.
2023 – نقطة التحول وانكشاف الأكاذيب
بعد عام 2023، بدأ العالم يرى القبح الصهيوني على حقيقته، وتراجع الدعم الغربي، وانكشفت الأكاذيب التي طالما روّجتها المؤسسات الإعلامية الغربية. لكن الجنون التوراتي في شعب إسرائيل استمر، وهذا تسبب في انفصال عقلي بين السيد الأمريكي والتابع الإسرائيلي. وبعد الانفصال العقلي والعقائدي، سيأتي لا محالة الانفصال السياسي والعسكري والاقتصادي.
صفعة اليقظة – إسرائيل على جهاز التنفس الصناعي الأمريكي
تعاني إسرائيل اليوم من صدمة اليقظة على حقيقة مرّة: أنها ليست شعباً مختاراً، وأنها لا تستطيع البقاء ليوم واحد بدون مساعدة جهاز التنفس الصناعي الأمريكي. إسرائيل كائن يعيش مثل مريض العناية المركزة على جهاز تنفس صناعي وسط بيئة لم ولن تتقبله، وحتماً ستنقطع الكهرباء يوماً ما عن الجهاز، ويموت المريض في غرفة الإنعاش، ويغرق في بحر من العرب المسلمين.
إذلال غير مسبوق – بداية مرحلة جديدة لا يعرفها مفكرو التسعينيات
ما تعرضت له أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم من الأعراب في الخليج أثناء المواجهة الأخيرة مع إيران من إذلال واضح، يؤكد أننا في مرحلة جديدة تماماً – مرحلة أفكار وتطورات لم يشهدها ولا يعرفها المفكرون العرب الذين عاشوا في حقبة التسعينيات وبداية الألفينات. المشهد يتغير بسرعة، والموازين تنقلب، لكن نخباً عربية لا تزال نائمة على أفكار أمس.
تساؤلات الشعوب العربية – لماذا نملك القوة ولا نستعملها؟
بدأت الشعوب العربية تنظر بتعجب وانبهار إلى التناقض الصارخ: كيف أن العرب طوال 70 سنة يمتلكون أسباب القوة لكنهم لا يستعملونها؟ كيف يعيشون في دور الضحية، ينتظرون الحلول والخلاص من معجزات السماء أو من معونات العدو الأوروبي، أو بالحلم وانتظار السوبرمان وصلاح الدين والمهدي المنتظر والمسيح المخلص؟
إنها نظرة تعجب وذهول، وهي ترى أن الأخذ بالأسباب والصبر والمثابرة والعناد والإصرار والإيمان بالعقيدة هي وحدها الطريق إلى النصر – وليس انتظار المنقذ الغائب.
صحوة متأخرة أم بداية حقيقية؟
إن ما يراه العالم اليوم من تحولات كبرى في موازين القوى، وما تعانيه إسرائيل من انهيار معنوي واستراتيجي، وما تتعرض له أمريكا من إذلال في جبهات متعددة، كلها إشارات إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تستطيع النخب العربية والشعوب العربية أن تستثمر هذه اللحظة التاريخية؟ أم أن الوهن والانبطاح سيبقيان رهينة الماضي؟
لقد حان وقت الأخذ بالأسباب، وترك ثقافة انتظار المعجزات. فالنصر لا يأتي بالتمني، بل بالإيمان الراسخ، والعقيدة الصادقة، والعمل الجاد، والوحدة الحقيقية. وإلا فسيبقى العرب في دور الضحية، والشعوب تنتظر، والمفكرون يعيدون قراءة كتب الأمس.
المصدر
صفحة د. خالد عمارة، على منصة ميتا بتصرف يسير.


