سلاح اسرائيل الجديد

كيف يمكن لدولةٍ تعاني من “فراغ خزينة” ونقص حاد في مخزون الذخائر الدقيقة، نتيجة انتشار قواتها على جبهات متعددة، أن تستثمر 5.4 مليار دولار في سباق الفضاء العسكري، وتطمح إلى أن تكون الأولى عالمياً في شن هجمات من المدارات الخارجية نحو الأرض؟ وكيف تمكنت إسرائيل، خلال 45 عاماً من العمل الصامت، من تحويل ما كان مجرد نكتة سينمائية في فيلم “تاريخ العالم” إلى مشروع عسكري جاد؟ وقفةٌ مع سباق إسرائيلي صامت نحو الفضاء، ومشاريع “أشعة ليزر خارقة” و”هجمات حركية” قد تغير قواعد الاشتباك في المنطقة برمتها.

نكتة سينمائية تحولت إلى مشروع عسكري جاد

في نهاية الفيلم الساخر “تاريخ العالم، الجزء الأول” History of the World, Part I  الذي حقق إيرادات كبيرة بدور السينما الأمريكية والأوروبية عام 1981، تخيّل المخرج الأمريكي اليهودي ‘ميل بروكس’ Mel Brooks  مشهدًا كوميديًا ختاميًا، يظهر فيه رواد فضاء من اليهود الأرثوذكس المتشددين وهم يحمون شعب الله المختار من “الأغيار” (أي من غير اليهود).

بدت النكتة وقتها خيالًا علميًا محضًا أو رؤيةً سينمائية ساخرة.

لكن اتضح اليوم، أن إسرائيل لم تكن تمزح وتركت الضحك واللهو لجيرانها الخاملين، وأنها عملت بكل همة وفي صمت -على مدى 45 عامًا- لنقل قوتها العسكرية إلى ما وراء الغلاف الجوي، مثلما فعلت الولايات المتحدة والصين وروسيا في سباقها المحموم على امتلاك الفضاء.

وزير الجيش الإسرائيلي يعلن عن مشروع حرب الفضاء الهجومية

وزير الجيش الإسرائيلي ‘يسرائيل كاتس’ تحدث -قبل أيام- في مؤتمر المكتب الوطني لمكافحة “تمويل الإرهاب” عن مشاريع دولة الاحتلال في “حرب الفضاء الهجومية”، مؤكدًا أن على إسرائيل ألا تكتفي بحماية الأقمار الصناعية والأنظمة الأخرى في المدارات الخارجية، بل عليها “تطوير القدرة على الهجوم من الفضاء ضد أهداف على الأرض”. فقال حرفيًا: “الفضاء هو المكان الذي لا قيمة فيه للأرض التي تسيطر عليها أسفل منه، ولا قيمة فيه لحجم سكانك .. إننا بحاجة للعمل العسكري من الفضاء باتجاه الأرض؛ عبر تعطيل الأنظمة الدفاعية وعبر ‘هجمات حركية’ kinetic attacks، وهو ما سيحدث عاجلاً. في هذه المنطقة، لا تملك أي دولة -حتى اللحظة- القدرة على الهجوم من الفضاء، لذلك أحث مؤسساتنا العسكرية على أن نكون أول من يقوم بذلك الهجوم. نحن الآن نجنّد أفضل العقول”.

ليست هرتلة سياسية بل مشروع جاد

هذه التصريحات، التي أبرزتها صحيفة ‘هآرتس’ العبرية وأفردت لتفاصيلها تقريرًا مطولاً، ليست “هرتلة” سياسية أو عزفًا منفردًا على أوتار الخيال العلمي من باب التباهي بالتفوق العسكري والعلمي الكاسح في الشرق الأوسط، كما اعتاد قادة الكيان.

فالفكرة التي يطرحها الوزير الإسرائيلي تتجاوز استغلال الفضاء في مراقبة الأعداء وجمع المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية، بل تحويله إلى منصة لإطلاق الهجمات على مواقعهم -التي يظنون أنها محصّنة بالرادارات وأنظمة الدفاع المستوردة- على الأرض.

أشعة ليزر خارقة وقضبان من السماء

وفي هذا السياق، يوثّق موقع ‘كالكاليست’ Calcalist الاقتصادي الإسرائيلي أن ‘كاتس’ صرّح في إحاطة سابقة مطلع الصيف، بأن إسرائيل تستثمر بكثافة في تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء تشمل ما وصفه بـ”أشعة ليزر خارقة”، بهدف وضع البلاد ضمن الدول الثلاث الأولى عالميًا في هذا المجال، قائلاً: “يجب أن نكون الدولة الرائدة عالميًا في مجال شن هجمات عسكرية من الفضاء”.

مفهوم “قضبان من السماء” أو “قذائف الرب

فيما تنقل ‘هآرتس’ عن خبراء في التكنولوجيا إن إسرائيل تتحرك فعلياً نحو “حدود عسكرية جديدة تتجاوز القيود الجغرافية التقليدية”، عبر تطوير أسلحة فضائية قادرة على تنفيذ ضربات من المدار إلى الأرض، على غرار مفهوم أمريكي قديم يُعرف باسم “Rods From God” أي “قضبان من السماء” أو “قذائف الرب” كما تُترجم في الإعلام العبري.

والحقيقة، أن هذا المصطلح يعود إلى مشاريع بحثية في البنتاغون منذ سبعينيات القرن الماضي، تحت اسم “مشروع ثور” Project Thor الذي يعتمد على أقمار صناعية تطلق من المدار الخارجي قضبانًا من مادة ‘تيتانيوم’ أو ‘تنغستن’ (يبلغ طول القضيب الواحد ستة أمتار وعرضه ووزنه نحو عشرة أطنان) قادرة على ضرب أي نقطة على الأرض خلال 15 دقيقة فقط، بطاقة تدميرية تقارب قوة سلاح نووي تكتيكي.

إسرائيل تطور نسخة خاصة بها من البرنامج الأمريكي

ويشير تقرير ‘هآرتس’ إلى أن إسرائيل عملت من زمن على تطوير “نسخة خاصة بها” من ذلك البرنامج الأمريكي، مستفيدةً من خبرتها المتراكمة في الأقمار الصناعية العسكرية (سلسلة “أوفيك” Ofek أي أفق)، وقدرات تكنولوجية متطورة في الصناعات الجوية والفضائية، فضلًا عن منظومات التوجيه الدقيقة التي طوّرتها في برامج الصواريخ الباليستية والمنظومات المضادة للصواريخ (مكونات القبة الحديدية).

الرسالة موجهة للشركاء والأعداء معاً

وارتباطًا بذلك، يرى البروفيسور ‘دان بلومبرغ’ الرئيس السابق لوكالة الفضاء الإسرائيلية، أن رسالة ‘كاتس’ الأخيرة “لم تكن موجهة فقط للأعداء في المنطقة، بل أيضًا لشركاء إسرائيل التي لا تريد أن تبقى مجرد لاعب في مجالي الاستخبارات والاتصالات فحسب”. ويضيف: “في حرب إيران الأخيرة، أظهرنا قدرة على الوصول بقوتنا عبر مسافات أبعد، لكننا أصبحنا معتمدين بشدة على الأمريكيين. لذلك نعمل على الانتقال لمرحلة الاعتماد بشكل كامل على تقنيات إسرائيلية في حرب الفضاء المقبلة”.

أول حرب فضائية محدودة وقعت بالفعل بين إسرائيل واليمن

فيما يذهب ‘يوسي يامين’ الرئيس التنفيذي لشركة SpacePharma للتكنولوجيا الحيوية والرئيس السابق لوحدة الأقمار الصناعية في الجيش الإسرائيلي، إلى أن “أول حرب فضائية محدودة وقعت بالفعل بين إسرائيل واليمن”، في إشارة إلى اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون باتجاه إيلات، خارج الغلاف الجوي، باستخدام منظومة Arrow 3 التي طوّرتها هيئة “الصناعات الجوية الإسرائيلية” بالتعاون مع “بوينغ” Boeing الأمريكية.

المفارقة.. طموح فضائي بمليارات الدولارات وأزمة خزينة

أما المفارقة أو “الطرفة”، فهي أن الطموح الإسرائيلي العسكري لغزو الأرض من طبقات الفضاء الخارجي، والذي يستند إلى شبكة دعم اقتصادي أحدثها خطة استثمار لعشر سنوات بقيمة تتجاوز 5.4 مليار دولار، يتزامن مع تحذيرات رئيس أركان جيش الاحتلال ‘إيال زامير’ الأخيرة من “فراغ خزينة” المؤسسة العسكرية نتيجة انتشار قوات الاحتلال على جبهات متعددة في وقت واحد، و”نقص حاد” في مخزون الذخائر الدقيقة بسبب استنفادها في حروب متتالية!!!

أين الاستثمارات المليارية العربية؟ ولماذا تخلفت الدول العربية عن سباق الفضاء العسكري؟

مليارات تُصرف في “الترفيه” و”التجميل” و”الإبهار”، ومليارات أخرى تُدفع لشراء ولاءات سياسية (كالوعود بتمويل مشاريع ترمب)، بينما يتضاءل الإنفاق على الاستراتيجيات الحقيقية للبقاء في عصر الفضاء والتكنولوجيا العسكرية.

إذا أردنا مقارنة الإنفاق العربي بين الاتجاهات الثلاثة (الترفيه – النفوذ السياسي – الفضاء)، سنجد الصورة التالية:

  1. هيئة الترفيه (المشاريع العملاقة والحفلات)

الأرقام: تتحدث تقديرات غير رسمية عن إنفاق سعودي وإماراتي يتجاوز عشرات المليارات سنوياً على:

  • حفلات غنائية عالمية (كـ “موسم الرياض” الذي تكلف ميزانيته قرابة 2-3 مليارات دولار سنوياً).
  • مهرجانات الألعاب الإلكترونية والفعاليات الترفيهية التي تستقطب النجوم العالميين.
  • صفقات انتقال لاعبين كرة قدم (التي صدمت العالم بمئات الملايين لنجم واحد).
  1. دفع المليارات لترمب (ومشاريع “التطبيع” السياسي)

هذه المليارات التي قد تُدفع كـ “سياسة توسل” للحفاظ على استقرار سياسي مؤقت، قد تُستثمر بدلاً من ذلك في بناء قدرات دفاعية سيادية تمنع الحاجة إلى دفع هذه المليارات أصلاً.

  1. الاستثمارات الفضائية والعسكرية

الأرقام: في المقابل، وعلى سبيل الذكر لا الحصر:

  • صندوق الفضاء الإماراتي: حوالي 3 مليار درهم (نحو 817 مليون دولار).
  • ميزانية وكالة الفضاء السعودية: متواضعة جداً نسبياً.

هنا نجد أن الإنفاق على الترفيه في موسم واحد ربما يفوق الإنفاق على قطاع الفضاء في عقد كامل.

الخطر: الفضاء ليس رفاهية، بل هو البنية التحتية للأمن القومي في القرن الحالي. الأقمار الصناعية للاستشعار (الاستخباراتية)، وأنظمة الملاحة، والحماية من الحروب السيبرانية، وغيرها، لم تعد خياراً بل ضرورة وجودية.

المصدر

صفحة هاني الكبيسي، على منصة ميا بتصرف.

اقرأ أيضا

القوة سِرُّ عز الأمة

قراءة في تخلف العالم العربي في العصر الحديث (1-2) مظاهر التخلف

التعليقات معطلة