لماذا جعل الله في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، وجعل اتباع المتشابهات سبيل أهل الزيغ والفتنة، بينما جعل التسليم بها سبيل الراسخين في العلم؟ وكيف يمكن للتأويلات الفاسدة أن تستحل بها دماء، وتُهتك بها أعراض، وتُؤكل بها أموال، وتُشن بها حروب بين المسلمين، وتُسجن بها العلماء على طول التاريخ؟
فضل الزهراوين وسبب نزول سورة آل عمران
سبق في ذكر فضائل سورة البقرة ذكر الحديث الذي فيه فضل سورة البقرة وآل عمران وأوله: “اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا…” الحديث1(1) مسلم: (804)..
ومن مقاصد هذه السورة ذكر الجهاد بنوعيه جهاد البيان وجهاد السنان وحيث نجد في النصف الأول من السورة حديث مفصل عن جهاد البيان وذلك ببيان الدين الحق وجهاد أهل الكتاب به وبيان العقيدة الباطلة التي عليها أهل الكتاب بسبب تحريفهم لكتبهم وما نشأ عن ذلك من كفر وشرك لله عز وجل، وما تخلل من بيان ومناظرات أقام الله فيه الحجة على اليهود والنصارى والنصف الثاني من السورة حديث عن جهاد السنان والسيف المتمثل في عرض صور من غزوة أحد بين المسلمين ومشركي قريش وما فيها من المشاهد والدروس والعبر، بداية من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران:121]الآية.
آية المحكم والمتشابه.. الفرق بين منهج أهل السنة وأهل الزيغ
47) تدبر قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 7-8].
في هذه الآيات الكريمات يبين الله عز وجل لنا الفرقان بين منهج أهل السنة؛ ومنهج أهل الزيغ والبدع في الاستدلال عند ورود الشبهات وما لا تدركه العقول كيفيته فقال عن أهل الزيغ والأهواء: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال عن أهل السنة المتبعين: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
شأن أهل الزيغ.. اتباع المتشابهات للفتنة والتأويل
فشأن أهل الكفر والبدع وأهل الزيغ أن يقفو عند المتشابهات التي تحتمل عدة معان ولا يردونها إلى المحكم من الكتاب والسنة حتى يتبين المعنى الحق، ويستخدمون في ذلك التأويلات الباطلة لتحريف كلام الله عز وجل وكلام رسوله ﷺ على غير مراد الله تعالى ولا مراد رسوله ﷺ، وكم من الجنايات العظيمة التي نشأت؛ من جنايات التأويلات الفاسدة حتى استحلت بها دماء وهتكت بها أعراض وأكلت بها أموال، وهل قتل عثمان وعلي رضي الله عنهما إلا بالتأويل، وهل جرت الحروب العظيمة بين المسلمين إلا بالتأويل، وهل سجن وعذب علماء المسلمين على طول تاريخهم إلا بالتأويل.
شأن أهل السنة.. الإيمان والتسليم ورد المتشابه إلى المحكم
وأما شأن أهل السنة الاتباع فهو الإيمان بما جاء عن الله عز وجل وعن رسول الله ﷺ على مراد الله وعلى مراد رسول الله ﷺ وعلى فهم خيار الأمة من الصحابة رضي الله عنهم، فإذا قابلتهم آيات مشتبهات تحمل عدة معان بعضها حق وبعضها باطل ردوها إلى المحكم من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله ﷺ؛ حتى يتبين المعنى الحق، وما قابلهم من آيات لا تدركها عقولهم من غيوب ماضية أو مستقبلية أو عن صفات الله تعالى قالو: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فسلموا وأذعنوا ولم يستعملوا العقول في تأويلها أو تحريفها، ومع هذا الإذعان والتسليم المطلق دعوا ربهم وسألوه الثبات على الحق وقالو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾.
قصة نزول الآية في وفد نصارى نجران
وقد جاء في بعض كتب التفسير أن هذه الآيات نزلت في وفد نصارى نجران حينما جاءوا إلى المدينة وأثاروا الشبهات على صحة معتقدهم، وقالوا أن في القرآن ما يدل على أن الله أكثر من واحد في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، فوقفوا عند هذه الآيات ومثيلاتها حيث تكلم الله عز وجل بهيئة الجمع (إنا، نحن)، وهكذا شأن أهل الكفر والبدع المتبعين للشبهات وعدم ردها للمحكمات.
الرد عليهم من وجهين
والرد عليهم:
أولا: أن أداة الجمع تفيد ثلاثة معان: الجمع، وتفيد التفخيم والتعظيم، وتفيد وجود جهات أخرى مكلفة بتنفيذ أمر الله من الملائكة.
ثانيا: رد المتشابه إلى المحكم من كلام الله عز وجل، فلو روده إلى المحكم من كلام الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
لو ردوه إلى هذه الآيات وما في معناها لتبين بطلان شبهتهم بأن الله عز وجل أكثر من واحد لورود صيغ الجمع.
ورد المتشابه إلى المحكم من منهج أهل السنة والاتباع في استدلالهم، خلافا لأهل الشرك والبدع المتبعين للشبهات، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام والسنة وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الراسخون في العلم.. من هم وصفاتهم
ووقفة أخيرة عند قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وقد جاء ذكر الراسخون في العلم أيضًا في سورة النساء على صفة المدح وذلك في قوله سبحانه بعد أن ذكر أكل اليهود للمال بالباطل وأخذهم الربا استثنى منهم الراسخون في العلم فقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 162]. فمن هم ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟:
صفات الراسخين في العلم
إنهم العلماء الربانيون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، ودعوا إلى الله عز وجل، وجاهدوا في سبيله، وصدعوا بالحق، وقادوا الأمة وساسوها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].
وفي قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44].
الفرق بين الربانيين والأحبار
وقد أورد ابن جرير الطبري عند هذه الآية تعريف الربانيين والأحبار والفرق بينهما بقوله: (والربانيون جمع (رباني) وهم العلماء الحكماء البصـراء بسياسة الناس وتدبر أمورهم والقيام بمصالحهم، والأحبار هم العلماء)2(2) جامع البيان: (8/ 451-452) طبعة التركي..
وذكر في موطن أخر تعريفا للربانين والأحبار عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، فقال: (فـ (الربانيون): إذن هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار لأن الأحبار هم العلماء، و(الرباني): الجامع إلى العلم والفقه؛ البصر بالسياسة، والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم)3(3) المصدر السابق: (5/ 531)..
الهوامش
(1) مسلم: (804).
(2) جامع البيان: (8/ 451-452) طبعة التركي.
(3) المصدر السابق: (5/ 531).
اقرأ أيضا
تدبرات وهدايات من سورة البقرة(1)


