أليست رحلة الخرشنة القطبية التي تعبر تسعين ألف كيلومتر بلا خريطة ولا بوصلة بشرية، دليلاً على أن الهداية الحقيقية تنبع من داخلها لا من معالم الأرض؟
وهل كان نبي الله إبراهيم حين قال “إني ذاهب إلى ربي سيهدين” يخوض رحلة مختلفة جوهرياً عن رحلة هذا الطائر، أم أنهما يشتركان في ذات اليقين الفطري الذي يجعل الطريق يتكشف تحت الأقدام قبل أن تراه العيون؟
رحلة تتحدى المستحيل
في كل عام، يقوم طائر الخرشنة القطبية (Arctic Tern) برحلة تبدو للبعض ضرباً من الخيال أو الجنون. نحو تسعين ألف كيلومتر، يعبر خلالها الأرض من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي ثم يعود من جديد. يقضي عمره متنقلاً بين صيفَي القطبين في نهار شبه متصل، وكأنه يغزل حياته كلها من ضوء الشمس.
بمقاييس الملاحة البشرية، تبدو هذه الرحلة مستحيلة. طائر صغير لا يحمل أجهزة رصد، ولا يقرأ خرائط الطقس، ولا تصله إحداثيات عبر الأقمار الصناعية، يعبر آلاف الكيلومترات فوق محيطات مفتوحة لا معالم فيها. لا جبل يهتدي به، ولا طريق مرسوم، ولا منارة تلوح في الأفق. رغم ذلك… لا يضل.
البوصلة الإلهية: هداية مغروزة في الكيان
لقد أودع الله في جسد هذا الطائر بوصلة دقيقة تهديه، ومنحه أجنحة طويلة تنساب مع الرياح بأقل جهد. بل وهيأه للنوم بنصف دماغه فقط؛ يغفو نصفه ليستريح، بينما يبقى نصفه الآخر يقظاً، يراقب الأفق ويحفظ الاتجاه.
وحين ينتهي عمره، يكون قد قطع مسافة تعادل السفر إلى القمر والعودة منه ثلاث مرات تقريباً. كل هذا العناء والتفاصيل التي لا تحيط بها عقول كثير من البشر، فضلاً عن عقل طائر بسيط يهاجر مدفوعاً بيقين فطري لا يعرف التردد.
الخرشنة لا تنتظر أن ترى اليابسة قبل أن تعبر المحيط، ولا تؤجل رحلتها حتى تتضح السماء كلها. يكفيها ذلك النداء الخفي المزروع في داخلها. ثم تمضي.
تشابه عجيب: بين هجرة الطائر وهجرة الخليل
كلما قرأت عن هذا المخلوق البديع، تذكرت تلك الرحلات العظيمة التي لم تبدأ مشترطة وضوح الطريق. رحلات بدأت حين صار النداء في القلب أوضح من الطريق نفسه.
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:].
هذه الآية من سورة الصافات تلخص رحلة سيدنا إبراهيم الطويلة طول حياته كلها. تلخص هجرات إبراهيم الذي رفع الشعار ذاته من قبل في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[العنكبوت:].
“ذاهب إلى ربي”.. “مهاجر إلى ربي”.. جُمل لا تشبه خرائط البشر. مبادئ خرجت من قلب رجل يقف وقد أُغلقت خلفه كل الأبواب حين حاول قومه إحراقه وتوعد الوالد برجمه. ذاهب ولا مستقبل مادي مفصل يمكن لعينيه أن تراه. رغم ذلك ذهب…
حين تسقط الإحداثيات: الوجهة التي تتجاوز الجغرافيا
في هدوء قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
هو لم يذكر مكاناً محدداً. كأن أسماء المدن والبلدان فقدت معناها فجأة، والإحداثيات الجغرافية سقطت من حساباته كلها. البوصلة نفسها أدارت ظهرها لاتجاهات الأرض الأربعة، واكتفت بوجهة واحدة يتعلق بها القلب: ﴿إِلَىٰ رَبِّي﴾.
ربما لم يكن يعلم، وهو ينطق بهذه الكلمات، أنه سيعبر بلاداً وقارات، وأن قدميه ستعرفان الشام، ثم مصر، ثم يعود إلى الشام، ثم يحمله الأمر بعد ذلك إلى وادٍ مقفر في الحجاز لتبدأ هناك حكاية أمة كاملة. لم يكن يملك خارطة طريق بمقاييس الأرض، لكنه كان يملك يقيناً يزن الجبال، وثقة مطلقة بأن الذي أمره بالرحيل سيتولى توجيه رحلته، وأن الخُطى التي تسير في ركاب المَعِيّة الإلهية لا يمكن أن تضل الطريق أبداً.
الوجهة الحقيقية: مراد رب البلاد والعباد
وإن وجهته لم تكن مدينةً على خرائط البلدان… وجهته كانت مراد رب البلاد والعباد. كان إبراهيم يوقن أن من يقود طريقه لا يضل، وأن المسافات كلها تصبح تفصيلاً صغيراً إذا كانت الوجهة واحدة: ﴿إِلَىٰ رَبِّي﴾. أما الطريق، فكان يتكشف له كلما صدق في السير.
لم يكن إبراهيم الذاهب إلى ربه يبحث عن أرض جديدة… كان يبحث عن الهدى. الكلمة التي تبدو صغيرة في عدد حروفها، لكنها تلخص الرحلة كاملة: ﴿سَيَهْدِينِ﴾.
السين: حرف المستقبل الموقن
السين هنا ليست مجرد حرف… هي مستقبل يوقن به. هداية لا تُسلَّم دفعة واحدة، وإنما تتنزل عبر الطريق، خطوة بعد خطوة. لهذا لم يسأل إبراهيم ربه أن يريه النهاية قبل البداية. البداية كانت تكفي. أما النهاية… فهي بيد ربه.
أكثر طرق الحياة لا تكشف نفسها دفعة واحدة. إنها تمنحك من النور قدر ما يكفي للخطوة التالية… فإذا صدقت القدم الأولى… خرج ضوء الثانية من طيات الغيب.
دروس في السير: حين يكون الطريق تحت الأقدام
بعض طرق الحياة تبدو غائمة أكثر مما نحب، لا لأن الطريق مفقود، ولكن لأن الخرائط لا تُمنح لمن يقف طويلاً يتأملها. الخرائط تُرسم غالباً تحت أقدام السائرين. وأعظم هجرات الروح لا تبدأ بمعرفة وجهة السفر، وإنما تبدأ بتسليم البوصلة لمن لا يضل ولا ينسى.
حسابات الأرض تقول: اعرف الطريق… ثم امضِ فيها. أما إبراهيم، فقد علّم البشرية كلها قانوناً آخر: سر إلى الله… وسيخلق الله لك الطريق.
فرق بين من يعرف أين يذهب ومن يعرف مع من يذهب
لهذا ظلت عبارة إبراهيم مختلفة عن كل عبارات السفر التي يعرفها الناس. كل مسافر يعرف إلى أين يذهب، أما إبراهيم فقد كان يعرف مع من يذهب وإلى من يذهب. وكان ذلك يكفي.
وكما تهاجر الخرشنة القطبية مدفوعة بنداء فطري لا ترى معالمه، هاجر إبراهيم مدفوعاً بنداء إلهي لم يرَ تفاصيله، لكنه أيقن أن من دعاه لن يخيب سعيه، وأن الهداية تنزل على من يخطو، لا على من ينتظر أن يُرسم له الطريق كاملاً قبل أن يبدأ.
المصدر
صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.


