“بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء”.. فمن هم هؤلاء الغرباء؟ وكيف تكون منهم؟ وما علاقة مجالس القرآن بهم؟ هذا المقال يكشف لك الطريق.
من هم الغرباء الذين بشرهم النبي ﷺ؟
في خضم انشغال الناس بالدنيا، وتهافتهم على زخرفها، وتنافسهم على حطامها، يظل هناك أناس لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة. أناس يشعرون بالغربة بين قومهم، لأنهم يخالفون التيار، ويسيرون عكس الريح. يتبعون الحق حيثما كان، وينصرون الله ولو كانوا وحدهم.
هؤلاء هم “الغرباء” الذين بشر بهم النبي ﷺ عندما قال: “بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء” . سُئل: من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: “الذين يصلحون إذا فسد الناس” .
وفي رواية أخرى: “الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي” .
هؤلاء الغرباء ليسوا بالضرورة أناساً يعيشون في بلاد الغربة، بل هم غرباء في زمانهم ومكانهم ومجتمعهم. غرباء في أفكارهم وقيمهم وسلوكهم. غرباء لأنهم يعيشون في الواقع وفق ما يعتقده الناس مستحيلاً: يعيشون الإسلام كما أنزله الله، لا كما يريده الناس.
هذا هو جوهر الرسالة الثالثة من كتاب الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، التي عنونها “مجالس القرآن منهج الغرباء” . يبين لنا الشيخ أن طريق الغرباء إلى النجاة هو التمسك بـ”مجالس القرآن”، أي التلقي المباشر للقرآن، والانقياد له، والتربية على منهجه، بعيداً عن التأثيرات الفاسدة للبيئة المفسدة.
لماذا صار الإسلام غريباً؟
- معنى الغربة في الدين
الغربة المقصودة في الحديث ليست غربة المكان، بل غربة المعنى والمنهج. الإسـلام غريب في أوساط الناس لأن أكثر الناس ابتعدوا عنه، وانشغلوا بغيره، وبدلوه وحرّفوه، واتخذوا من دين الله عادات وتقاليد، وتركوا جوهره وأخلاقه وتعاملاته وعباداته الصحيحة.
من هنا، المؤمن الحق أصبح كالشيء الغريب بين قومه. لا يفهمون تصرفاته، ولا يقبلون طريقته، وقد يسخرون منه، أو يقاطعونه، أو يؤذونه. هذا الشعور بالغربة قد يكون مؤلماً، لكنه أيضاً بشير بأنك على الطريق الصحيح.
يقول الشيخ فريد في هذه الرسالة: “الغرباء هم الذين يتمسكون بالقرآن منهجاً وحكماً وسلوكاً، ويرفضون أن يركبوا موجة الفساد التي تجتاح المجتمع” . إنهم يشبهون سفينة نوح التي ركبها المؤمنون، بينما غرق غيرهم.
أسباب غربة الإسلام اليوم
هناك أسباب كثيرة أدت إلى غربة الإسلام في أوساط المسلمين أنفسهم:
– غزو الأفكار الدخيلة: دخلت على المسلمين أفكار فلسفية وكلامية ومناهج فكرية لا تنسجم مع روح الإسلام والقرآن، فأفسدت عقولهم، وشوشت عليهم دينهم.
– الاهتمام بالقرآن حوله لا به: صار الناس يشتغلون بالقرآن حفظاً وتجويداً وتفسيراً، دون أن يتعرضوا له تعرض التلقي والتربية والانقياد.
– الانبهار بالحضارة الغربية: استضعف المسلمون أنفسهم أمام الحضارة الغربية، وتركوا دينهم واتبعوا عادات الآخرين وأفكارهم، حتى صار الدين غريباً بينهم.
– ضعف القدوة: غاب الأسوة الحسنة في الناس. فقد قل من يقتدى بهم في صلاحهم وتقواهم، وكثر من يقتدى بهم في فسادهم وانحرافهم.
من هم الغرباء؟ (مواصفاتهم)
المواصفات كما وردت في الحديث
النبي ﷺ وصف الغرباء بصفات عظيمة، في أحاديث متعددة:
- المواصفة الأولى: يصلحون إذا فسد الناس
الغريب هو الذي يبقى صالحاً في وسط فاسد. كالنخلة في وسط سبخة، أو كالغصن الأخضر بين الأشجار اليابسة. لا يغريه الفساد المحيط به، ولا يجرفه التيار. بل قد يكون مصلحاً، يحاول إعادة الناس إلى الطريق القويم.
- المواصفة الثانية: يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي
أي يعيدون السنة النبوية إلى مكانتها، ويعملون بها، ويدعون إليها، وينقونها مما علق بها من بدع وخرافات. هم ورثة الأنبياء حقاً.
- المواصفة الثالثة: قليلون
الغرباء قلة قليلة في كل زمان. قال ﷺ في بعض الروايات: “هم الثلة القليلة في الناس الكثيرة” . ليسوا بالعدد، بل هم كالملح في الطعام، أو كالنقطة البيضاء في الثوب الأسود.
- المواصفة الرابعة: لا يهتم بهم الناس
الناس لا يعيرون الغرباء اهتماماً، لأنهم لا يشاركونهم في أهوائهم ولا في ضلالاتهم. وقد يتعرضون للأذى والاضطهاد بسبب خروجهم عن المألوف.
الغرباء عبر التاريخ
ليس الغرباء ظاهرة جديدة، بل هم موجودون في كل زمان ومكان. نماذجهم كثيرة:
نوح عليه السلام: ظل في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، فما آمن معه إلا قليل. كان غريباً في قومه.
إبراهيم عليه السلام: خرج من قومه وآبائه وتركهم يعبدون الأصنام، وكان غريباً في دينه، بل وفي هجرته.
لقمان الحكيم: كان عبداً حبشياً، لكنه آتاه الله حكمة، وعاش غريباً بين قومه.
أصحاب الكهف: فتية آمنوا بربهم، فهربوا بدينهم إلى الكهف، وكانوا غرباء في زمانهم ومجتمعهم.
النبي ﷺ وأصحابه: عاشوا غرباء في مكة، ثم هاجروا إلى المدينة، ثم بقوا غرباء بين قبائل العرب حتى فتح الله عليهم.
هؤلاء كلهم غرباء، والله معهم، وناصرهم، ومكن لهم في الأرض.
مجالس القرآن منهج الغرباء
ما هي مجالس القرآن؟
“مجالس القرآن” هي التجمعات التي تُعقد لتلاوة القرآن وتدبره والتعلم منه والعمل به. لكنها ليست أي مجالس قرآنية. الشيخ فريد يضع ضوابط لهذه المجالس:
الضابط الأول: أن تكون مجالس تدبر وتعلُّم، لا مجرد تلاوة شكلية.
الضابط الثاني: أن تهدف إلى تغيير السلوك وتزكية النفس، لا إلى كثرة الختمات فقط.
الضابط الثالث: أن تكون منهج حياة، لا مجرد لقاءات أسبوعية تنتهي بانتهائها.
الضابط الرابع: أن تكون بعيدة عن حب الظهور والسمعة، قائمة على الإخلاص والتواضع.
يقول الشيخ: “مجالس القرآن هي حلقات التربية الربانية التي تنقل الإنسان من ظلمات الجهل والغفلة إلى نور العلم والهدى، وهي المصنع الذي يخرج الغرباء” . فهي المكان الذي يتحول فيه القرآن من نص مقروء إلى واقع معاش.
كيف تصنع مجالس القرآن الغرباء؟
أولاً: التلقي المباشر
الغرباء لا يأخذون دينهم عن طريق الوراثة أو التقليد الأعمى، بل يتلقونه مباشرة من القرآن والسنة، بفهم سلف الأمة. يستمعون إلى الآيات كأنها تنزل عليهم الآن، فيتفاعلون معها، ويتأثرون بها.
ثانياً: التزكية والتربية
الغرباء لا يكتفون بمعرفة الأحكام، بل يزكون أنفسهم، ويربونها على الأخلاق القرآنية. يتدربون على الصبر، والصدق، والتوكل، والإخلاص، والرحمة. مجالس القرآن عندهم هي مدرسة تخرجهم أحسن مما دخلوا.
ثالثاً: الانقياد والتسليم
الغرباء لا يناقشون أوامر الله ونواهيه بأهوائهم. بل يسلمون وينقادون. قالوا: سمعنا وأطعنا. لا يبحثون عن رخص ومخارج، بل يبحثون عن الأكمل والأفضل.
رابعاً: الجماعة والصحبة الصالحة
الغرباء وإن كانوا قلة، إلا أنهم يجتمعون على الخير، ويتحابون في الله، ويتبادلون النصح والدعم. هذه الصحبة هي التي تحميهم من الوحدة والضلال. كما قال ﷺ: “عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة” .
لماذا اختار الغرباء “مجالس القرآن” بالذات؟
- القرآن هو الأصل
الغرباء عرفوا أن أصل الدين وأساسه هو القرآن. كل ما سواه من علوم وفنون، لا قيمة له إذا لم يخدم القرآن ويقوده إلى واقعيته وحقيقته. لذلك ركزوا على القرآن، لا على كتب الكلام والفلسفة التي أفسدت عقول السابقين.
- القرآن هو المنهج التربوي
القرآن ليس دستوراً نظرياً فحسب، بل هو منهج متكامل لتربية النفس البشرية. فيه محطات تصعيدية تأخذ الإنسان من مرحلة إلى مرحلة، حتى يبلغ الكمال الذي يريده الله له. مجالس القرآن هي الوسيلة للدخول في هذا المنهج.
- القرآن هو النجاة من الفتن
عندما تكثر الفتن، ويختلط الحابل بالنابل، لا نجاة إلا بالتمسك بالقرآن. فالقرآن هو الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى الذي يبصرك بطريقك، والنور الذي يضيء لك في الظلمات.
- القرآن هو الباقي
كل شيء زائل، إلا القرآن. الدنيا تفنى، والمجتمعات تنهار، والحضارات تندثر، لكن القرآن باقٍ. ومن تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك.
يقول الشيخ فريد: “الغرباء هم الذين فهموا أن القرآن هو الحبل المتين الذي لا ينقطع، والصراط المستقيم الذي لا يعوج، فعلقوا به، وتمسكوا بآياته، وجعلوه إمامهم وقدوتهم” .
كيف تكون من الغرباء اليوم؟
خطوات عملية لتكون من الغرباء
إذا أردت أن تكون من الغرباء الذين بشرهم النبي ﷺ، فعليك بهذه الخطوات:
- ابدأ بتصحيح النية
اجعل نيتك خالصة لله في كل عمل تريد أن تقوم به من أجل أن تكون غريباً. لا ترد سمعة، ولا جاهاً، ولا مجداً. أريد وجه الله فقط.
- اجعل القرآن منهج حياتك
لا تكتفِ بقراءة القرآن في أوقات محددة، بل اجعله نصب عينيك في كل حين. عند أي مشكلة، ارجع إليه. عند أي قرار، استشر فيه. عند أي شك، استنر به.
- ابحث عن صحبة صالحة
ابحث عن أناس مثلهم، يريدون أن يكونوا من الغرباء. اجتمع معهم، وتدارسوا القرآن معاً، وتناصحوا، وتزاوروا. هذه الصحبة هي عونك على الطريق.
- تحمل الغربة
توقع أن تشعر بالغربة. توقع أن لا يفهمك الناس. توقع أن يسخروا منك. لا تجعل هذا يحبطك. تذكر أن طوبى (الجنة) للغرباء. كلما زادت الغربة، زاد الأجر.
- لا تستوحش من قلة السالكين
قد تجد أن طريق الغرباء طريق وعر، قليل من يسلكه. لا تضعف. فالقلة كانت دائماً سمة الغرباء. المهم أن تكون على الحق، ولو كنت وحدك.
- قم بأمر الله وإن خالف الناس
لا تخش في الله لومة لائم. قم بواجبك، وانصر الحق، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وإن كان الناس كلهم ضدك. أنت مع الله، والله معك.
رسالة أمل
لا تيأس إذا شعرت أنك غريب. فلا زال في الأمة بقايا من الغرباء. ولا زالت مجالس القرآن تُعقد في خفاء. ولا زال أناس يصلحون إذا فسد الناس. أنت لست وحدك. الله معك. والنبي ﷺ يبشرك: “فطوبى للغرباء” .
طوبى للغرباء
من أراد أن يكون من الغرباء الصالحين، فعليه أن يعتصم بكتاب الله، وأن يتلقاه تلقياً مباشراً، وأن يجعله منهجاً لتربية نفسه وسلوكه، وأن يلتحق بمجالس القرآن التي ما زالت تقام في كل مكان، وإن خفيت على كثير من الناس.
الغربة مؤلمة، لكن ألمها مؤقت، وعاقبتها جنة عرضها السموات والأرض. فاصبر قليلاً، تكن من الفائزين.
ربنا اجعلنا من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، واجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
المصدر
كتاب فضيلة الشيخ فريد الأنصاري – رحمه الله -:”هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها”، الرسالة الثانية: مجالس القرآن منهج الغرباء، إعادة صياغة موسعة.


