تصميم صور المنشورات 3

هل تساءلتَ يومًا لماذا يُكرِّرُ اللهُ في اثنتي عشرةَ سورةً مشهدَ التبرُّؤِ بينَ الأتباعِ والمتبوعينَ يومَ القيامةِ؟!
هذا المقالُ ليس تفسيرًا عابرًا، بل صدمةٌ قرآنيةٌ تعيدُ لكَ معنى التوحيدِ والتسليمِ، وتكشفُ لكَ أسرارَ آياتٍ كنا نمرُّ عليها دونَ أن نُدركَ أنَّها تُغيِّرُ مصائرَنا في الدنيا والآخرةِ.

أيُّ ظلمٍ أعظمُ من إغلاقِ المساجدِ وتحويلِها إلى منابرَ للطواغيتِ؟!

18) تدبر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114].

قال أهل التفسير نزلت هذه الآية في مشركي قريش عندما منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويبين الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أظلم في المانعين ممن منع أن يقام ذكر الله عز وجل في المساجد من صلاة وقراءة قرآن وأذكار، وسعى مع المنع في خرابها إما حسيًا أو معنويًا وذلك بجعلها منابر تدعوا إلى الشـرك أو الفساد والظلم والثناء على الطواغيت والظلمة ومعاداة أولياء الله وموالاة أعداء الله، إنه لا أحد أظلم ممن هذا صنيعه، وما أصدق هذه الآية اليوم على ما يقوم به الظلمة وأعوانهم من إغلاق المساجد ومنع الدعاة من نصح الناس ووعظهم، وتسخيرها في الثناء على الظلمة ومعاداة أولياء الله والتحريض عليهم.

لن ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى.. فلماذا نُرضيهم على حسابِ دينِنا؟!

19) تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].

يحسن في هذا المقام أن نذكر بعض الآيات من كتاب الله عز وجل التي في معنى هذه الآية ثم نقف بعد ذلك مع تدبرها:

الآية الأولى: قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].

الآية الثانية: قوله تعالى عن سحرة فرعون بعد أن آمنوا وهددهم فرعون بالقتل والصلب قولهم: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126].

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59].

الآية الرابعة: قوله تعالى عمن أحرق المؤمنين في الأخاديد: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8].

حربُ الكفارِ للمسلمينَ ليستْ اقتصاديةً ولا سياسيةً.. إنها حربُ عَقيدةٍ منذُ البدايةِ حتى النهايةِ

إن هذه الآيات بمجموعها تفيد حقيقة ثابتة ومسلمة ومحكمة وهي أن عداء الكافرين بشتى مللهم؛ وحربهم للمسلمين إنما هي حرب عقدية دينية، هدفها حرف المسلمين عن دينهم وتوحيدهم لربهم، والتبعية للكفار والدخول في ملتهم وأنظمتهم المحادة لله ورسوله ﷺ، هذا هو سبب حرب الكفار للمسلمين ونقمتهم لهم مهما لبسوا وضللوا وحرفوا أهداف هذه الحروب إلى كونها حربا اقتصادية، أو حربا على الإرهاب؛ كما هو الحال اليوم، أو حربا من أجل نشر الحرية والديمقراطية.

ولهذا ينبغي للدعاة وطلاب العلم والمجاهدين ومن مكن الله لهم في الأرض أن يحذروا من خداع الكفار والتنازل لهم عن محكمات هذا الدين رغبة أو رهبه، لأن التنازلات للكفار ولا سيما اليهود والنصارى لا تقنعهم هذه التنازلات حتى يترك المسلمون دينهم ويستبدلوه بدين الكفار ونظمه وتشريعاته وهذا هو الخسران المبين.

التحذيرُ الإلهيُّ: مَن يتبعْ أهواءَ الكفارِ بعدَ العلمِ، فلن يجدَ له وليًّا ولا نصيرًا

وقد جاء الوعيد لمن اتبع أهواء الكفار في هذه الآية وفي آيات أخرى من القرآن، منها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: 37].

الإمامةُ لا تُمنحُ بالشهرةِ أو النسبِ؛ بل تُنالُ بالابتلاءِ والصبرِ والثباتِ على أمرِ اللهِ

20) تدبر قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124].

في هذه الآية حقيقة مهمة ألا وهي أن الله عز وجل لا يصطفي من يكون إماما للناس إلا من ابتلاه بشديد الابتلاء؛ فصبر فثبته الله وتجاوز الامتحان بنجاح وظهر ذلك للناس، وتحقق علم الله عز وجل الأزلي في من يصلح للإمامة إلى معلوم وواقع يشهده الناس؛ وذلك بالابتلاء الذي يميز الله ويمحص به عباده المصطفين. فهذا إمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام لم ينل هذه الرتبة العظيمة وهي إمامة الناس إلا بعد أن ابتلاه الله عز وجل بكلمات وابتلاءات عظيمة فأتمهن ونجح فيها، كابتلائه بالحرق بالنار فثبت ولم يتزعزع إيمانه، وابتلاه الله بوضع زوجته وابنه الرضيع في واد غير زرع ولا ناس فامتثل أمر ربه ووضعهم، وابتلاه الله بذبح ابنه فسارع إلى تنفيذ أمر ربه مع محبته العظيمة لابنه ولا سيما وقد بلغ معه السعي، فقدم مراد الله ومحبته على جميع المرادات والمحاب فاستحق هذه الإمامة.

أمةٌ وسطٌ.. فهل نفهمُ الوسطيةَ كما أرادَ اللهُ، أم كما يروِّجُ لها العلمانيونَ والطواغيتُ؟!

21) تدبر قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].

أمة وسطا أي عدولاً وهذه خاصية هذه الأمة في عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها وأخلاقها حيث العدل والتوازن والوسطية بين طرفي الإفراط والتفريط بين الغلو والجفا، فأينما قلبنا النظر في العقيدة وفروعها والشـريعة وفروعها والأخلاق وفروعها نجدها وسطا عدلاً لا إفراط فيها ولا تفريط، فهم مثلاً وسطا في الدين بين دين النصرانية الذين أَلَّهُو عيسى عليه السلام وعبدوه من دون الله، وبين اليهود الذين جفوا في الأنبياء فآذوهم وقتلوهم.

وهم وسط في أسماء الله وصفاته بين المبتدعة المعطلة أو المؤولة وبين المشبهة الذين شبهوا الله عز وجل في صفاته بصفات المخلوقين.

الوسطيةُ في القرآنِ ليستْ تفريطًا ولا غلوًّا؛ بل عدلٌ في العقيدةِ والعبادةِ والأخلاقِ

وهدى الله الأمة الوسط إلى الحق فأثبتوا لله تعالى الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه، ونزهوه عن مشابهة أحد من خلقه في صفاته، والمقصود أنهم المتبعون لنبيهم ﷺ فيما بلغهم به عن ربه، وفي فعله وقوله المتسم بصفة الوسطية والاعتدال.

هذا هو معنى الأمة الوسط ومعنى الوسطية والاعتدال كما أراد الله عز وجل لا كما يطرحه اليوم المنافقون في هذه الأمة من لبراليين وعلمانيين وطواغيت حيث يصفون الملتزم بدين الإسلام عقيدة وأحكامًا وأخلاقًا بالغو والتطرف والانحراف عن الدين الصحيح، ويصفون من تحلل من شرائع الإسلام ووالى أعداء الله بأنه المعتدل الوسطي.

الصبرُ والصلاةُ.. زادُ المؤمنينَ في المحنِ، وملاذُ العارفينَ عندَ الكروبِ

22) تدبر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

وسبق في أول السورة مثل هذه الآية وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].

وورود هذه الوصية الربانية في آيتين منفصلتين من هذه السورة يدل على أهمية هذان العاملين وأثرهما في الثبات أوقات المحن؛ بل الثبات على الدين والتزام أحكامه.

وقد ذكر الله سبحانه في هاتين الآيتين عاملين أساسيان للثبات هما:

1-الصبر. 2- والصلاة.

فأما الصبر فلا يخفى أثره في أداء الطاعات وترك المعاصي، وعدم الجزع والتسخط عند أقدار الله المؤلمة، وبدون الصبر لا تستطيع أداء هذه الواجبات.

وأما الصلاة وأثرها في الثبات على هذا الدين وأمام المصائب والفتن فلا يخفى كذلك أثرها في ذلك إذا أداها العبد بأركانها وواجباتها وخشوعها وتدبر أذكارها، ولذلك جاء عن كثير من السلف لجوؤهم إلى الصلاة عند الكروب والمخاوف والفتن، وهذا رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة وقال لبلال رضي الله عنه: (يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا).

وكان ﷺ ليالي غزوة بدر في العريش يصلى ويتضرع لربه سبحانه يسأله النصر لعباده المؤمنين.

وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما لما رجع من أحد أسفاره وعند دخوله المدينة جاءه المعزون في أخيه رضي الله عنه فما كان منه إلا أن نزل عن راحلته وقام يصلي.

كيفَ يثبتُ الدعاةُ والمجاهدونَ في وجهِ الفتنِ؟ بالصبرِ والصلاةِ.. سلاحُ الأنبياءِ!

ويتأكد الاهتمام بالصبر والصلاة والاستعانة بهما لدى الدعاة إلى الله عز وجل والمجاهدين في سبيله لأنهم أكثر الناس تعرضًا للمصائب والفتن والهزات المزلزلة، فإن لم يكن للداعية والمجاهد رصيد من ذلك ضعف واستكان، ولعل من هذا الباب أمره سبحانه لنبيه ﷺ بقيام الليل في سورة المزمل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:1-2]، ثم علل ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:5]، وأرشد سبحانه نبيه ﷺ عند الشعور بضيق الصدر أن يسبح ويصلي فقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:97-99]، وكثير ما يقرن الله عز وجل بين الصبر والصلاة والتسبيح ويأمر بها للثبات على الدين وترك طاعة الكافرين، قال سبحانه في سورة الدهر: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: 24-26].

والحاصل بيان حاجة الدعاة والمجاهدين إلى زاد وخبيئة بينهم وبين ربهم يثبتهم الله بها على عقبات الطريق وشدائده.

ماذا يقولُ المؤمنُ حينَ تهزُّه المصائبُ؟

23) تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:155- 156].

في هذه الآية بشرى للصابرين وهذه البشرى هي المذكورة في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، فما أعظمها من بشرى؛ ولكن هذه البشرى مشروطة بمن قال عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وتدبرها وحققها عملاً وحالًا ومما يعين على ذلك تدبر هذا الذكر العظيم وفقه معناه، وذلك بأن يتدبر معنى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، ومعنى: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وكيف يؤثران في تخفيف المصاب وتحقيق البشارة.

لا تيأسْ من المصائبِ؛ فهي ممرٌّ إلى البشارةِ، ولكنْ احرصْ على قولِ الاسترجاعِ بقلبٍ حاضرٍ

فقول المؤمن عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ تضفي راحة على قلب المؤمن وعزاء له في مصيبته؛ وذلك أنه بإقراره أن الله عز وجل ربه وخالقه ومالكه، وأنه سبحانه متصرف في ملكه كيف يشاء بحكمته وعلمه ورحمته وعزته وعدله، فليس للعبد من أمر نفسه شيء، وإنما هو لله وبالله فيذعن ويسلم ويصبر ويحتسب.

وأما قوله ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فله من التأثير العظيم في الصبر والرضى الشيء العظيم، ذلك أن يقين المؤمن باليوم الآخر ورجوعه إلى ربه سبحانه فيجازيه على صبره الجزاء العظيم، إن في هذا اليقين عزاءً عظيمًا وبلسمًا شافيا لحر المصيبة ولا سيما وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وهذا لا يكون إلا بعد الرجوع إليه سبحانه.

شركُ المحبَّةِ والطاعةِ أخطرُ من شركِ العبادةِ

24) تدبر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

كثير من الناس ومنهم بعض طلبة العلم الذين يَدْرُسُونَ توحيد الألوهية أو يُدَّرِسُونَه يقصرونه على توحيد النسك من ركوع وسجود وذبح ونذر واستغاثة، وهذا لا شك من صميم توحيد الألوهية والشرك فيها من الشرك في توحيد الألوهية، ولكن هناك قسم آخر من التوحيد والإشراك؛ فيه شرك أكبر وقليل من يتحدث عنه ألا هو الذي أخبر عنه ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، وهذا هو شرك المحبة والطاعة والاتباع والولاء، فمن أحب مخلوقًا كحب الله أو أشد بحيث أداه ذلك إلى الطاعة المطلقة والاتباع المطلق فقد أشرك بالله عز وجل في توحيد الألوهية والقصد والطلب وهو الشرك المنتشر اليوم، حيث يتخذ مخلوقا من البشر إله من دون الله يحب ويعظم كما يعظم الله عز وجل، ويوالي ويعادي فيه ويطاع الطاعة المطلقة في جميع ما يقوله ويشرعه من تحليل للحرام أو تحريم للحلال: (لا يسأل عما يفعل).

احذَرْ أن تُحبَّ مخلوقًا كحبِّ اللهِ، أو تُطيعهُ طاعةً مطلقةً؛ فهذا هو الشركُ الأكبرُ الذي غفلَ عنه الكثيرونَ

وفي هذه الآية يذكر الله عز وجل لنا صنفًا من الناس يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ويوالونهم كموالاة الله، إن لم يكن أشد من الله في الحب والولاء، والتعظيم، والطاعة، والاتباع.

ومن أحوال الاتباع لمتبوعيهم يوم القيامة قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:97-98]، قال بعض المفسرين: ما سووهم في الخلق والرزق، ولكن سووهم في المحبة والتعظيم والطاعة.

مشهدٌ مرعبٌ يومَ القيامةِ

25) تدبر قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 166-167].

يصور الله عز وجل لنا في هذه الآية مشهدًا عظيمًا ورهيبًا لحال الأتباع مع متبوعهم الذين اتبعوهم على الشـرك والضلال، والولاء والبراء، والفساد والإفساد، وما يكون بينهم من المحاجة والخصومة، وكفر بعضهم ببعض، ولعن بعضهم بعضًا، وما يصيبهم من الحسرة والندامة العظيمة؛ حيث لا تنفع الحسرة ولا الندامة.

تحذيرٌ إلهيٌّ متكررٌ: لا تتبعْ دعاةَ الضلالِ 

والله عز وجل برحمته يحذرنا ونحن في الدنيا من هذا المشهد العظيم؛ حتى لا نقع فيه، ونحذر من دعاة الكفر والظلال والباطل فلا نسلمهم عقولنا يلعبون بها؛ ونتبعهم على ظلالهم، بل يجب أن نبرأ منهم في الدنيا قبل أن يتبرؤوا منا في الآخرة، ومما يدل على هول هذه المشاهد يوم القيامة والحسرة العظيمة على أهلها؛ أن الله عز وجل قد كررها لنا في أثني عشرة سورة من القرآن، وفي كل سورة من هذه السور يذكر الله عز وجل لنا جانبًا من هذه الخصومة بين الاتباع ومتبوعيهم، بين الضعفاء والذين استكبروا.

وهذه السور هي: (البقرة، الأعراف، إبراهيم، النحل، الشعراء، القصص، العنكبوت، الأحزاب، سبأ، الصافات، ص، غافر)، فما أشدها من حسرة ومشاهد تنخلع لها القلوب.

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة البقرة(1)

تدبرات وهدايات من سورة البقرة(2)

تدبرات وهدايات من سورة البقرة(3)

تدبرات وهدايات من سورة البقرة (4)

التعليقات معطلة