هل يرضى أحدكم أن يرى عمره في طاعة الله يضيع هباءً كبستان محترق في شيخوخته؟
وبين وعد الشيطان بالفقر ووعد الله بالمغفرة والفضل، أيهما تختار ليكون نديم قلبك؟
مثل البستان المحترق.. صورة هزت القلوب
تدبر قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266].
إن في أمثال القرآن من العظات ما يجعل القلب الحي يستيقظ بها ويغير أحواله ويعالج بها آفاته، وهذا المثل المضروب في هذه الآية الكريمة يهز القلوب الحية ويجعلها تراجع أعمالها، وهل هي خالصة لله عز وجل أم أنها غير ذلك؟ لأنه لا يقبل عند الله عز وجل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، وما كان فيه من الرياء أو المنة أو إرادة الدنيا فإنه مضمحل مردود على صاحبه معاقب على ذلك، فهل يود أحد أن تذهب أعماله سدى يوم القيامة مع ضرورته العظيمة لها، كما ضاع على صاحب الجنة والبستان بستانه الذي كان متعلقًا به؛ لما فيه من الثمار اليانعة وأصابه الكبر وله أولاد صغار ضعفاء، وفجأة أصابها إعصار فيه نار فاحترقت، فيا لها من حسرة عظيمة على صاحب هذه الجنة والبستان الذي كان تعلقه بها عظيمًا حيث جمالها وثمارها؛ وله أولاد صغار لا يستطيعون الكسب، وأصابه الكبر وقرب الموت، ويريد أن يورث هذه الجنة لأولاده الضعفاء؛ فإذا بها رماد محترقة، فهل يود أحد أن يكون له هذا؟ فكذلك من أتى بأعمال يوم القيامة من صلاة وصيام وغيرها يرجو أجرها؛ فإذا هي تذهب جفاء هباء في أحوج ما يكون لها؛ وسبب بطلانها المن والأذى والرياء وإرادة الدنيا.
نداء الرحمن وإيعاد الشيطان
تدبر قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 268-269].
في هاتين الآيتين هدايات عظيمة منها:
- الهداية الأولى: الفرق بين وسوسة الشيطان وإلهام الرحمن
أولاً: يبين الله عز وجل في هذه الآية الكريمة الفرق بين وحي الشيطان وإلهام الرحمن؛ فإذا وجد العبد في قلبه خوفا وتشاؤماً وإيعاداً بالفقر وقلقاً وقنوطاً وميلاً إلى الفاحشة فهذا من الشيطان، وإن وجد في قلبه الطمأنينة والتفاؤل وحسن الظن بالله عز وجل ورجائه لمغفرته فهذا من إلهام الرحمن، ويشهد لهذا قوله ﷺ: “إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ”، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268] الآيَةَ.
- الهداية الثانية: الحكمة جوهر الخير الكثير
ثانياً: جاء في تفسير الحكمة في قوله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أنها العلم بالقرآن وعلومه، وقيل: العلم بالسنة والفقه في الدين، وقيل: العقل والفهم، وقيل: الخشية، وكل هذا من الاختلاف في التنوع حيث أن الجامع لمفهوم الحكمة البصيرة في الدين، وإعمال العقل في تدبر الكتاب والسنة؛ وإنزالهما في محلهما، وهذا يقتضي الإحاطة بأحكام الدين وعقائده، وفهم الواقع المراد إنزال الحكم عليه، والفقه بأدوات التنزيل وذلك بمعرفة فقه الموازنات والمآلات والأولويات.
الربا.. سموم في جسد الاقتصاد
تدبر قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].
فحمدًا لله أن هدانا للإسلام وإلى شريعته الكاملة الشاملة العادلة التي كلها خير وصلاح للعباد في العاجل والأجل، فما أحل الله عز وجل لعباده من شيء أو أمرهم به إلا وفيه مصلحتهم ونجاتهم، وما نهى الله عز وجل عن شيء وحرمه عليهم إلا وفيه المفاسد المؤدية إلى شقائهم وعنتهم، ومن ذلك تحريمه سبحانه للربا؛ وما يجره على المجتمعات من فساد في أموالهم، ومحق لبركتها، وفساد ذات بينهم، ولما فيه من ظلم القوي للضعيف وإرهاقه بالديون.
ونظرة سريعة للرأسمالية المتوحشة اليوم والتي تهيمن على الاقتصاد العالمي نجد كيف تعاني البشرية منها الأمرَّيْن؛ حيث الأموال دولة بين حفنة من الأغنياء يمتصون به جهد الفقراء وأموالهم، مما يهدد الدول والمجتمعات بانهيار اقتصادي مدمر لا يبقي ولا يذر.
آية الدين.. دستور التوثيق لحفظ الحقوق
تدبر آية الدين التي بدأها الله عز وجل بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ثم في وسط الآية ذكر الحكمة من الكتابة والتوثيق فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282].
وفي آية الدين صورة من الصور الكثيرة التي لا نهاية لها من رحمة الله بعباده حيث أمر بكتابة ما يتفقون عليه ويتعاقدون عليه درءاً للمفاسد والشقاقات؛ التي تنشأ بين العباد نتيجة إهمالهم لتوثيق العقود والدين، وقد أوضح الله عز وجل في قوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾؛ وهذا نجده اليوم بين المتخاصمين في الحقوق التي لم تكتب، حيث أدى عدم الكتابة إلى الاختلاف والشقاق.
اقرأ أيضا
تدبرات وهدايات سورة البقرة (8)


