تصميم صور المنشورات 4 4

هل رأيتَ قوماً فروا من الموت فكان الموتُ مصيرهم، ثم عادوا إلى الحياة؟

وماذا لو ترك الله الأرض بلا تدافع بين الناس، أكانت ستبقى عامرة بالخير أم تمتلئ فساداً وظلماً؟

في هذه الوقفة التأملية مع آيات سورة البقرة، نسافر بين مشاهد الإحياء بعد الموت التي أرانا الله إياها في حياتنا الدنيا، ليكون ذلك برهاناً ملموساً على قدرته يوم البعث، ثم نقف على سنة عظيمة من سنن الله في خلقه وهي “سنة التدافع” التي يحفظ بها الأرض من الفساد، ويميز بها الخبيث من الطيب، ويظهر بها عبوديات المؤمنين التي تخبو في أوقات الرخاء، وكل ذلك تحت تدبير العزيز الحكيم الذي لا يخرج شيء عن مشيئته وقضائه.

مشاهد الإحياء بعد الموت.. براهين حسّية على البعث

تدبر قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243].

في هذه الآية مثال لإحياء الله عز وجل الأموات بعد موتهم، يذكر الله عز وجل هذا الحدث الذي رآه وأحسه الناس في هذه الحياة للتدليل على قدرة الله عز وجل على بعث الناس وإحيائهم بعد موتهم يوم البعث والحساب.

وقد ذكر الله عز وجل في سورة البقرة حالات أخرى رآها الناس من إحياء الأموات بعد موتهم وهي في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 55-56].

وقوله تعالى في قصة البقرة بذكر إحياء المقتول بعد موته وذكره لمن قتله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:73].

وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:260].

سنة التدافع.. النظام الإلهي لحفظ الأرض من الفساد

تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].

يبين الله عز وجل لنا في هذه الآية سنة عظيمة من سنن الله عز وجل عامة مطردة ثابتة صارمة ألا وهي سنة التدافع، وقد جاء مثلها في سورة الحج وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40].

وجاء في معنى هاتين الآيتين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112].

إن سنة التدافع بين الحق والباطل، أو بين باطل وباطل قد اقتضتها حكمة الله عز وجل وعلمه المحيط بكل شيء، ولو شاء الله عز وجل لأظهر الحق بدون صراع مع الباطل ولا مدافعة، ولكن اقتضت حكمته البالغة بأن ينشـر دينه الحق بالمدافعة والابتلاءات وبذل الجهد والجهاد في هذا الصراع.

من الحكم البالغة في هذه السنة العظيمة ما يلي:

أولاً: في سنة المدافعة والصـراع بين الحق والباطل يبتلي الله عز وجل أولياءه ويمحص ما في قلوبهم، ففي الشدائد يتميز الخبث من الطيب ويظهر صادق الإيمان من كاذبه، وفي هذا خير للدين وأهله إذ لو بقي المنافقون ومن في قلوبهم مرض داخل الصف المسلم ولم يتميزوا فإن في ذلك خطرًا وزعزعة وخبالاً وفتنة للمؤمن، قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179].

ثانيًا: في أوقات الصـراع بين الحق والباطل يظهر الله عز وجل فيها جوانب من الحق لم تكن لتظهر لولا هذه المدافعة والصراع كما يظهر الله عز وجل فيها أيضًا جوانب وفضائح للباطل ما كانت لتعرف لولا الصـراع والمدافعة بينه وبين الحق.

ثالثًا: في المدافعة والصراع بين ا لحق والباطل تبرز عبوديات غائبة وتتقوى فيها أحوال وأعمال فعلية إيمانية كانت ضعيفة أو مختفية قبل الصراع وذلك مثل عبودية التوكل على الله عز وجل وحسن الظن به، وعبودية الزهد في الدنيا والإخلاص، وعبودية مراغمة أعداء الله، وعبودية الصبر والثبات، وعبودية الإخوة والتعاون على البر والتقوى، وعبودية المحبة لله تعالى والتضحية والاستشهاد في سبيله.

رابعًا: سنة المدافعة ليس شرطًا أن تكون بين المسلمين والكفار، وإنما تكون أيضًا بين الكفار أنفسهم فيدفع الله فيها كافرًا أكبر فسادًا بكافر أقل فسادًا ولا يترك الأرض لكافر ينفرد بالقوة حتى لا يعم الفساد والظلم ويطم.

الله مدبر الكون.. والأحداث بتقدير العزيز الحكيم

تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253].

في هذه الآية الكريمة درس عظيم حيث يعرفنا الله عز وجل بنفسه وعزته وقدرته وحكمته ويلفت أنظار عباده إلى حقيقة مسلمة قد تغيب عن كثير من الناس أيام النوازل والأحداث الكبيرة؛ ألا وهي أن الله عز وجل مالك الملك القاهر فوق عباده هو المدبر لما في السموات والأرض ولا يكون في ملكه شيء صغير أو كبير إلا وقد علمه سبحانه وكتبه وشاءه وخلقه، بحكمته ورحمته وعزته، قال سبحانه في هذه الآية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:112]، وقال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة:5]، فهو سبحانه مدبر الأمور ومصرفها بعلمه وحكمته ورحمته وقدرته، والله عز وجل بهذا يعلق عباده به وحده، وتفسـر الأحداث والنوازل في ضوء هذا العلم، وهذا ينشئ في القلب صدق التوكل عليه والخوف منه ومحبته وإحسان الظن به؛ مما يكون له الأثر في التفاؤل وعدم الإحباط واليأس إذا اشتدت الكروب، كما يضفـي في قلوب المؤمنين عدم الخوف من الكفار، حيث أنهم في قبضة الله تعالى ولا يستطيعون فعل شيء أو الحاق الضرر بالمؤمنين إلا بإذنه، فإنما هم منفذون لقضاء الله وقدره، لا يستطيعون الخروج عن ذلك، وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه المعرفة؛ لأن الإعلام الظالم الملبس لا يربط الناس بربهم وعلمه وحكمته وعزته، وأنه هو الذي يدبر الأحداث ويديرها، وإنما جل ما في الإعلام ربط الناس بالتفسيرات المادية والأسباب، وبتضخيم قوة الأعداء ومكرهم، وكأن هذا الكون ليس له مدبر حكيم عليم قوي عزيز.

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات سورة البقرة (7)

تدبرات وهدايات سورة البقرة (8)

تدبرات وهدايات سورة البقرة (9)

التعليقات معطلة