هل تساءلت يومًا عن الهدف الحقيقي من الجهاد في الإسلام؟ وهل هو مجرد دفاع عن النفس والديار كما يروج البعض، أم له أبعاد أعمق تتعلق بتحرير البشرية من الفتنة وإعلاء كلمة الله؟ ولماذا يشرع الاستغفار بعد الطاعات العظيمة كالحج والصلاة؟ وما سر ارتباط الجهاد بالصبر والابتلاء في القرآن؟ تأملاتنا اليوم في سورة البقرة تأخذك في رحلة عبر خمس وقفات قرآنية، تكشف لك سنن الله في القتال، والإنفاق، والاستغفار، والاختلاف، والابتلاء، فتهدي قلبك إلى حقائق ربما غابت عن كثيرين.
التدبر الحادي والثلاثون: هدف الجهاد في القرآن
تدبر قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193].
ومثلها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39].
- الهدف الأسمى: إزالة الفتنة وإعلاء كلمة الله
في هاتين الآيتين بيان صريح في تحديد هدف الجهاد في سبيل الله: وهو حتى لا تكون في الأرض فتنة؛ وهي: الشرك؛ وفتنة الناس به. وكذلك حتى يكون الدين والدينونة والحكم لله عز وجل ولشريعته.
- رد على من حصر الجهاد في الدفاع فقط
وفي هذا البيان رد صريح على من يقول إنما شرع الجهاد للدفاع عن المسلمين وديارهم وفتنتهم عن دينهم فقط.
التدبر الثاني والثلاثون: آية الإنفاق وعدم الإلقاء بالتهلكة
تدبر قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
- تفسير أبي أيوب الأنصاري لمعنى الآية
يذكر المفسرون عند هذه الآية تفسير الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه لهذه الآية: عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: “إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها”، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد”.
- رد على فهم خاطئ للآية
في بيان أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه لمعنى الآية بذكره لسبب نزولها؛ رد واضح على من فهم من الآية أن من ضحى بنفسه في مواجهة الكفار أنه تشمله هذه الآية ويعد أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة. والصحيح أنه لا تشمله هذه الآية فلا يعد فيمن ألقى بنفسه للتهلكة.
- التهلكة الحقيقية: ترك الجهاد لا الإقدام عليه
وإنما التهلكة بترك الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه، وما يترتب على ذلك من تسلط الأعداء على المسلمين وإذلالهم، وإتلاف لهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وكذلك ما يترتب من الهلاك في الآخرة لمن ترك الجهاد ولا سيما المتعين عليه، وهذا عكس ما يفهمه كثير من الناس.
- تطبيقات أخرى للآية
وبعد فهم هذه الآية كما أنزلت فلا مانع أن يدخل فيها كل من عرض نفسه لعمل فيه سبب لإهلاكه -سوى الجهاد في سبيل الله- كتناول المطاعم أو الأشربة التي تمرض الجسم أو تهلكه، ومثل تعريض المسلم نفسه لأعمال بدنية يغلب فيها الهلاك والموت.
التدبر الثالث والثلاثون: الاستغفار بعد الطاعات
تدبر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199].
- الحث على الاستغفار بعد الطاعة العظيمة
يرشد الله عز وجل عباده الحجاج بعد إفاضتهم من عرفات ودعائهم وشهودهم هذا المشهد العظيم (يوم عرفة) الذي يباهي الله فيه بهم الملائكة، أن يكثروا من الاستغفار بعد هذه الطاعة العظيمة.
- الاستغفار بعد الطاعات سنة متكررة
وقد جاء الحث على الاستغفار بعد الطاعات في أكثر من طاعة فمنها: قوله عن المتهجد من الليل: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]، وكان من هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الانصراف من الصلاة أن يستغفر ثلاثًا.
- السر الأول: جبر تقصير العبادة
أن العبد بعد الطاعة والعبادة يخشى عليه من أمرين: الأول: تقصيره في أداء هذه العبادة (من صلاة أو صوم أو حج. إلخ)، وذلك بالتفريط في بعض شروطها أو واجباتها أو سننها وهو لا يشعر؛ فيأتي الاستغفار والتوبة من هذا التقصير ليجبر الخلل في هذه العبادة.
- السر الثاني: معالجة الرياء والعجب
الثاني: معالجة ما قد يطرأ على النية من رياء أو عجب، فيأتي الاستغفار لمعالجة هاتين الآفتين الخطيرتين والتوبة منهما، وذلك بإظهار الافتقار إلى الله تعالى والاعتراف بفضل الله تعالى وتوفيقه له في أداء العبادة، وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله عز وجل، ويقينه بأنه خاسر ضائع مفرط لو وكله الله عز وجل إلى نفسه ولو طرفة عين.
التدبر الرابع والثلاثون: صنفان من الناس
تدبر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 204-207].
- قصة عمر بن الخطاب مع ابن عباس
قال الطبري رحمه الله: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمرُّوا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
- استنباط ابن عباس: اقتتل الرجلان
قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان؟ فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين! قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال فلما رأى ذلك ابن عباس قال: أرى ههنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشري نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي! فقاتله، فاقتتل الرجلان! فقال عمر: لله بلادك يا بن عباس (أي لله درك).
التدبر الخامس والثلاثون: الاختلاف والحاجة إلى الهداية
تدبر قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213].
- المحذوف في الآية
في هذه الآية محذوف يعرف من السياق فمعنى الآية: كان الناس أمة واحدة على التوحيد، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ويدل على هذا المعنى ما ذكره أهل القراءات أن قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾.
- تأكيد المعنى في سورة يونس
كما يدل عليه الآية الواردة في سورة يونس حيث ذكر هذا المحذوف وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 19].
- الحذر عند الاختلاف والدعاء بالهداية
والاختلاف أيام الفتن يحتاج فيه المسلم إلى الحذر، والبحث عن الحق، ودعاء الله عز وجل بالهداية إلى الحق عند الاختلاف، ولا سيما إذا كثرت الشبهات والشهوات والتلبيس كما هو الحال اليوم.
- دعاء النبي عند الاختلاف
ومن أدعية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي كان يواظب عليها ويستفتح بها صلاة الليل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
- لطائف التوسل بأسماء الملائكة
ومن لطائف هذا الدعاء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توسل بربوبية الله تعالى لثلاثة من الملائكة الكرام العظام، وكل منهم موكل عن أمر فيه الحياة والروح، فجبرائيل عليه السلام موكل بالوحي الذي فيه حياة العبد بالإيمان ونور الوحي، وميكائيل عليه السلام موكل بالقطر والمطر الذي فيه حياة الأرض والأبدان، وإسرافيل عليه السلام موكل بالنفخ في الصور الذي بعده حياة الأبدان والأرواح.
التدبر السادس والثلاثون: الجنة ثمنها الابتلاء والصبر
تدبر قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
- آيات الابتلاء في القرآن
ويضم مع هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 16]. وقوله تعالى: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].
- الهداية الأولى: ثمن الجنة غالٍ
“أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةُ”، إن ثمن الجنة نفيس وغال ولا يحصل بالأماني والكسل؛ وهو يسير على من يسره الله عليه، وأعظم هذه الأثمان التي تنال بها الجنة بعد توحيد الله: جهاد خالص في سبيل الله عز وجل، ومنازلة أعداء الله بجهاد البيان والسنان، وصبر على الابتلاءات؛ من مرض وفقر، وزلازل يختبر الله عز وجل فيها إيمان عباده وصدقهم، حتى إذا ظهر صدقهم وصبرهم جازاهم الله عليها الجنة العالية.
- الهداية الثانية: عدم اليأس من نصر الله
عدم اليأس من نصر الله عز وجل وهو آت لا محالة إذا توفرت أسبابه وشروطه، والله عز وجل هو الذي يحدد مجيئه بعلمه وحكمته وعزته ورحمته.
- الهداية الثالثة: الابتلاء سنة لا مفر منها
لا بد من الابتلاء والفتنة مهما حاول العبد الفرار منها حيث يظهر الله عز وجل بها صادق الإيمان من كاذبه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]، بل إن الله عز وجل ما خلقنا في هذه الدنيا إلا للابتلاء، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
- الهداية الرابعة: ربط القلب بالجنة لا بالدنيا
يجب على المسلم ولا سيما المجاهد في سبيل الله بالبيان والسنان أن يجعل غايته وطلبه رضا الله عز وجل وجنته، وأن لا يعلق نفسه بشيء من هذه الحياة الفانية؛ ولو كان التمكين في الأرض؛ نعم هو يسعى لتمكين دين الله في الأرض لكن غايته رضا ربه وجنته، لذا نجد في الآيتين السابقتين قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
- الارتباط بالآخرة يمنح الثبات
والارتباط بهذه الغاية تجعل المسلم يدعو إلى الله عز وجل ويجاهد في سبيل الله إلى أن يعجز أو يموت، ذلك لارتباطه بالآخرة؛ ورجاء أن يوفيه أجره يوم القيامة: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].
- تربية النبي للصحابة على الصبر
لذا ينبغي للمسلم الداعية والمجاهد أن يوطن نفسه على أن يعطي من جهده وراحته وبذله في الدنيا، ولا ينظر مقابل ذلك في الدنيا، وإنما الأخذ والأجر يوم القيامة، ومن أجل ذلك كان الرسول ﷺ يربط الصحابة رضي الله عنهم في صبرهم على الابتلاءات والجهاد بأن لهم الجنة، فكان يقول لآل ياسر وهم يعذبون في مكة: “صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ”، وقال للأنصار ليلة العقبة حينما قالوا له: ومالنا، قال ﷺ: “لَكُمُ الْجَنَّةُ”.
اقرأ أيضا
تدبرات وهدايات من سورة البقرة(1)
تدبرات وهدايات من سورة البقرة(2)
تدبرات وهدايات من سورة البقرة(3)
تدبرات وهدايات من سورة البقرة (4)


