في زمنٍ تعيش فيه الأمة حالة مخاض شديد، وتتوالى عليها النوازل والأحداث العظام، وتتكالب عليها قوى الكفر والفساد، وتُفرض عليها حرب فكرية تشوّه المفاهيم وتقلب الحقائق، ماذا يجب على الدعاة وطلبة العلم وأهل السنة؟ هل يكفيهم أن يتفرجوا ويصفوا الأحداث، أم ينتظرون غيرهم ليحمل العبء؟ وكيف يواجهون هذه الحرب الفكرية التي تسمي الجهاد إرهابًا، والرذيلة تحررًا، والفضيلة تخلفًا؟ وكيف يحققون الوعي بالواقع دون غفلة أو تهويل؟ ثم كيف يزكون نفوسهم ويقوون إيمانهم ليثبتوا أمام الفتن؟ وكيف يوازنون بين المصالح والمفاسد عند التعارض والتراجح؟ ولماذا يجب أن يكون الاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة أولوية قصوى في مثل هذه الأوقات؟ وما فقه الاحتساب في أيام الاستضعاف بين الغلو والتفريط؟ وأخيرًا: كيف يأخذون بالأسباب المادية والمعنوية للنجاة من الفتن، من التوبة والدعاء والقرآن، إلى هجر الترف والاهتمام بالصحة والقوة؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه من خلال سبعة أمور.
المحتويات
Toggleبين مخاض الأمة وبوادر النهوض: ما واجبنا؟
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فلا يخفى على إخواني الدعاة وطلبة العلم ما تشهده الأمة من نوازل وأحداث عظيمة؛ تؤذن بيقظتها إن شاء الله تعالى، وانتقالها من حال الغفلة والاستضعاف إلى النهوض والمدافعة.
ولا شك أن الأمة اليوم تعيش حالة مخاض شديدة تسبق الولادة والفجر الجديد، يقابل ذلك حالة سفول وانحدار لأعدائها من الكفار والمنافقين، لاسيما بعد طوفان الأقصى المبارك؛ الذي صحح الله به مفاهيم خاطئة، ورفع به وعي الأمة وحنينها إلى هويتها.
وقد عرى الله فيه دولة الرفض ودول الكفر ولا سيما اليهود والغرب وأمريكا، الذين فضحهم الله وأبان حقيقتهم للناس من مسلمين وغيرهم، وسقطت به أقنعتهم وادعاءاتهم الكاذبة لحقوق الإنسان والحرية والعدالة، وما يصاحب ذلك من انهيار حضاري وأخلاقي واقتصادي، الأمر الذي يؤول بإذن الله إلى السقوط المدوي لحضارتهم وهيمنتهم وقوتهم في العالم، كل ذلك يسقط الآن وينهار والحمد لله المدبر للأمور والقاهر فوق عباده.
ونحن ننتظر تحقق سنة الله عز وجل فيهم، حيث بلغوا الذروة في الظلم والإفساد والعلو، واجتمع فيهم ما تفرق في الأقوام الكافرين من قبلهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب مدين، وقوم لوط، قال تعالى: ﴿فَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]، وإن من هذه الاهراصات ما نراه اليوم من تسليط الكفار بعضهم على بعض، وإهلاك بعضهم لبعض، كما هي الحال في الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإيرانية الأمريكية، وإن هذا من الاهراصات والمبشرات لعلو أمة الإسلام والسنة، وعلامات لنهضتها إن شاء الله تعالى.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما واجبنا نحن أهل الإسلام والسنة إزاء هذه الأحداث والنوازل وبوادر نهوض الأمة؟؟
هل يكفي توصيفنا وشكوانا وأن نبقى متفرجين نتتبع الأحداث ونسأل عن الأنباء؟؟
كلا والله فليسألن الله عز وجل كل مكلف قادر على أن يسهم في نهضة الأمة ثم لم يفعل، قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]، وقال سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71].
والنفرة في سبيل الله أنواع فمنها:
-
النفرة بالكلمة والقلم والتربية.
-
ومنها النفرة بالمال.
-
ومنها النفرة بالسنان حسب المقدور.
وإن مما ينبغي النفرة فيه اليوم والعناية به الأمور التالية:
الأمر الأول: العناية بالعلم الشرعي والمفاهيم النقية وتأصيلها
أهمية إصلاح المفاهيم المحرفة
إن أهمية إصلاح المفاهيم المحرفة والرد عليها؛ تأتي لأننا نعيش اليوم حربًا على المفاهيم من الكفر والمنافقين وأهل البدع، لتشويه المفاهيم الإسلامية الصحيحة، والتلاعب بالمصطلحات، وتسمية الأمور بغير اسمها، وتحسين القبيح، وتقبيح الحسن، أو إلى حرف المفاهيم الصحيحة إلى الغلو والإفراط أو إلى التفريط والجفاء، ويساهم في ذلك الإعلام المضلل من مسموع ومقروء ومرئي.
فإن لم ينهض مصلحو الأمة ودعاتها للتصدي لهذه الحرب على المفاهيم، بالعلم الشرعي، وبيان الصحيح من هذه المفاهيم والسقيم، فستكون فتنة وفساد عظيم، لا سيما في ظل هذه الظروف والفتن والنوازل.
أمثلة على تحريف المفاهيم
المثال الأول: تقبيح الحسن
ومثال على تقبيح الحسن الذي يمارسه الملبسون المضللون: تقبيحهم للجهاد وتسميته بالإرهاب والعدوان، والسعي لإراقة الدماء، وتسمية المجاهدين بالإرهابيين، والأصوليين، والتكفيريين، والخوارج.
المثال الثاني: تقبيح الحسن
ومثال آخر على تقبيح الحسن: حملهم على عقيدة الولاء والبراء التي هي ثمرة كلمة التوحيد، وأنها عقيدة الإقصاء والعداوة والكره، ومحاربة للسلام، والتسامح، والإنسانية.
المثال الثالث: تحسين القبيح
ومن أمثلتهم لتحسين قباحتهم: تسميتهم للفاحشة القدرة التي يرفضها الحيوان؛ فضلا عن الإنسان السوي فاحشة اللواط تسميتها بالمثلية، تحوينا لشأنها، وتحسينها لها، حتى وصل بهم الحال إلى نشرها في العالم، وتمثيل أهلها في المجالس النيابية، وغيرها من المناسبات.
المقصود من العناية بالمفاهيم
والمقصود: أن نعتنق اليوم بتصحيح المفاهيم، وتأصيلها بالعلم الشرعي، ولا سيما في أسرنا وأبنائنا ومدارسنا والمحاضن التربوية، ووضع برامج ومناهج تخدم هذا الهدف، وتحمي أبناء الأمة من هذه الحرب الفكرية، وتعرف الناس بربهم، وأسمائه وصفاته، وسننه.
وإن أهمية العناية بالمفاهيم تأتي من كون المفاهيم لا تقتصر على الاعتقاد فقط، بل تنعكس على المواقف، والممارسات، والسلوك، والأحكام.
الأمر الثاني: العناية بالوعي وفهم الواقع
تعريف الوعي
الوعي: مصطلح شرعي وليس من المصطلحات الحادثة، قال تعالى في أول سورة الحاقة بعد أن ذكر عادًا وثمود وفرعون وقومه وقوم نوح من قبل وما حل بهم جميعًا من العذاب، قال بعد ذلك: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 12].
وفي خطبة الوداع العظيمة قال ﷺ: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع»1(1) [البخاري: 1741].
القرآن يعينا بمكائد الأعداء
والقرآن الكريم في مواطن كثيرة يعينا بخطر أعدائنا، وكيدهم ومكرهم، ففي سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والأنفال، والتوبة، والمنافقون وغيرها، ذكر الله عز وجل فيها صفات المنافقين، وحذرنا من مكرهم وغدرهم بقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، وهذا من الوعي.
كما حذرنا من أهل الكتاب ومكرهم وغدرهم، وما يحملون في قلوبهم من بغض وحقد للمسلمين، فقال سبحانه عنهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 118-120]، وكل هذا من الوعي، فالذي ينبغي أن يحذره المؤمن ألا يكون غافلًا مغفلًا يستخفه الذين لا يوقنون، أو يستخدمونه بسبب غفلته وسطحية في تنفيذ أجنحتهم في الفساد وهو لا يشعر.
الوعي مسؤولية الدعاة
لذا كان لازمًا على الدعاة والمربين وطلاب العلم مع أبنائهم، وفي دروسهم، وخطبهم، ومحاضراتهم التربوية، أن يولوا مسألة الوعي اهتمامهم، ووضع البرامج والمناهج الكفيلة بتحقيقه، وتحقيق المواقف الصحيحة إزاء النوازل وأحداث الأمة.
الأمر الثالث: العناية بأعمال القلوب وتزكية النفوس
صفات المخبتين
قال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: 34-35].
هذه بعض صفات أولياء الله المخبتين المستسلمين لربهم، الذين يبشرهم ربهم بالحياة الطيبة والنصر في الدنيا، وبرضاته وجنته يوم القيامة.
مثل آية موسى عليه السلام
ومثل هذه الآية قول الله عز وجل لموسى عليه السلام حينما هدد فرعون من آمن معه بقتل الأبناء، واستحياء النساء، وبالقتل والتعذيب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 87]، الله أكبر يبشرهم وهم في غاية الاستضعاف والتخفي والخوف من بطش فرعون.
المقصود بتزكية النفوس
والمقصود: العناية بتقوية الصلة بالله عز وجل باطنًا بالإيمان وتجريد التوكل والخشية والخوف والرجاء لله وحده، وظاهرًا بالتقرب إلى الله عز وجل بالمحافظة على الفرائض، والإكثار من نوافل الصلاة والصوم والصدقة، والذكر، وقراءة القرآن وتدبره، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، وسؤال الله الثبات والوقاية من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، كل هذا مما يقوي الإيمان والثبات عليه أيام الفتن والنوازل.
الحاجة الماسة في زمن الفتن
هذا وإن كان كل هذا مطلوب في كل وقت؛ فإنه في مثل أيامنا هذه وما نشهده من تقلبات الأمور وكثرة النوازل والفتن، يتأكد العناية به، ووضع البرامج العلمية والعملية لتقويته وترسيخه في قلوبنا، وقلوب أبنائنا، ومحاضننا التربوية، لأنه هو الزاد في طريق الدعوة وما يعترضها من عوائق وابتلاءات.
حديث الولاية
قال ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»2(2) [البخاري: 6502].
ثمرات الولاية
ففي هذا الحديث بيان واضح بأن إتقان الفرائض والزيادة عليها بنوافل الطاعات من صلاة وصيام وصدقة، وذكر، ودعاء، وقراءة قرآن، وإغاثة ملهوف، وتفريج كربة مكروب وغيرها من نوافل الطاعات، من ثمرها حفظ الله للعبد في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، وإعانة الله عز وجل له، ومن حفظه الله فيما ذكر؛ سلم من شرور الفتن، وثبته الله عز وجل.
المبادرة بالأعمال الصالحة
ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»3(3) [مسلم: 186].
وقوله ﷺ: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»4(4) [مسلم: 2948]، والهرج: وقت الفتنة.
الأمر الرابع: العناية بفقه الموازنات
تعريف فقه الموازنات
فقه الموازنات فقه وعلم شريف يدل على سعة علم من يأخذ به، وعلى سعة أفقه، وحكمته وعدله.
والمقصود بفقه الموازنات: الفقه بمقاصد الشريعة، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين عند التعارض والتزاحم.
خطر الغفلة عن فقه الموازنات
إن الغفلة عن هذا العلم وإنزاله على نوازل اليوم؛ والمواقف منها، ومن الأشخاص والهيئات والطوائف، ليتسبب في كوارث للأمة، وفرقة بين أبنائها، سواء كانت فردية أو جماعية.
الشريعة بين المصالح والمفاسد
والمتأمل في أحكام الشريعة المطهرة الكاملة الشاملة يرى أنها مبنية على تحقيق المصالح، وحفظ الضروريات الخمس وتكميلها، ودرء المفاسد عنها وتقليلها، ومن ذلك ارتكاب أدنى المفاسدتين لتلافي أكبرها عند التزاحم، وتحقيق أعظم المصلحتين ولو فاتت الصغرى عند التزاحم.
القواعد الخمس الكبرى
وإن مما يعين على الفقه بهذا العلم الشريف معرفة القواعد الخمس الكبرى؛ التي هي موطن اتفاق بين أهل العلم، والتعرف على تطبيقها فإنها تعين على سعة النظر والأفق والتأني في إطلاق الأحكام واتخاذ المواقف.
وهذه القواعد هي:
-
الأمور بمقاصدها.
-
اليقين لا يزول بالشك.
-
الضرر يزال.
-
المشقة تجلب التيسير.
-
العادة محكمة.
وهي مشروحة في كتب الأصول، ولها فروع وأمثلة كثيرة جدًّا.
فقه الأولويات وسد الذرائع
ومما يلحق بهذا الفقه الشريف ما يسمى بفقه الأولويات، وفقه المآلات؛ الذي تحكمه قاعدة سد الذرائع، حيث ما أدى إلى الحرام فهو حرام ولو كان في ذاته جائزًا.
الأمر الخامس: العناية بالاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف
الأدلة على وجوب الاجتماع
قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
وقال الرسول ﷺ: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة»5(5) [الترمذي: 2165، وهو صحيح بمجموع طرقه].
وقال ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»6(6) [مسلم: 2812].
الجماعة أصل يجب المحافظة عليه
الجماعة أصل يجب المحافظة عليه عبادة وطاعة وامتثالًا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، وأن الفرقة والاختلاف والتنازع سبب الفشل والخذلان وتغلب الأعداء.
الاجتماع مطلوب في كل وقت
ولئن كان الاجتماع والائتلاف مطلوبًا وواجبًا في كل وقت، فإنه في أوقات النوازل والفتن وجهاد الأعداء أوجب وأوجب، لما في الاجتماع من البركة، وسد أبواب الشيطان، والانتصار على الأعداء، وتجاوز الفتن بسلام، حتى لو حصل اختلاف في فرع من فروع الشريعة وما أكثر ذلك، فإنه لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى الفرقة والمخاصمة والمفاصلة، بل يجب الاجتماع والتواد بين الدعاة وطلبة العلم ولو اختلفوا، بل ولو أدى إلى التنازل عن الفرع إذا كان في ذلك حفاظًا على الأصل وهو الاجتماع.
موقف الصحابة من الاختلاف
وقد اختلف الصحابة — رضي الله عنهم — في كثير من مسائل الأحكام وبقوا متوادين بينهم، صفًا واحدًا أمام عدوهم، ولم يجعلوا ما اختلفوا فيه سببًا في الفرقة والاختلاف.
فهذا عبد الله بن مسعود — رضي الله عنه — لما قيل له أثناء الحج أن عثمان — رضي الله عنه — قد اجتهد وأتم بالناس الرباعية في منى، استرجع، لأنه رأى أن مخالفة السنة وهي القصر مصيبة، ومع ذلك صلى وراء عثمان — رضي الله عنه — وأتم معه، تاركًا لما يرى من أن السنة القصر، ولما سئل عن إتمامه هذا قال: “الخلاف شر”7(7) [رواه أبو داود: 1960].
مسؤولية الدعاة
وعليه فإنه يجب علينا معاشر الدعاة ونحن نعيش فتنة عظيمة؛ أن نحرص على الاجتماع والائتلاف، ومواجهة الأعداء بصف واحد متآلف، وألا تكون بعض مسائل الخلاف سببًا في فرقتنا.
كما يجب علينا أن نسد كل باب من أبواب الفرقة، وأن نكون مفاتيح للخير والاجتماع، مغاليق للشر والفرقة والتنازع، وأن نبث هذه الثقافة في أوساط المسلمين.
الحكمة في مواجهة الفتن
وقد تشتد على المسلمين الفتن، وتسلط الأعداء، واجتياحهم لبلدان المسلمين، ما يجعل أهل السنة في حال قلتهم وعجزهم عن رد الأعداء أن يؤجلوا خصومتهم مع أهل البدع غير المغلظة، وأن يتحدوا جميعًا أمام العدو الكافر.
التوفيق بين درء المفاسد
وهذا من الأمثلة على فقه الموازنات السابق ذكره من الفقرة السابقة، حيث تعارض مفسدة صغرى وهي خطر أهل البدع على العقيدة، مع مفسدة كبرى وهي مفسدة وخطر اجتياح الكفار لبلاد المسلمين، فترتكب المفسدة الصغرى لتلافي المفسدة الكبرى.
خطر الاقتتال الداخلي
ومن النتائج الخطيرة للفرقة والتنازع أنها قد تؤول إلى الوقوع في فتنة الاقتتال بين المسلمين، التي تسفك فيها الدماء المعصومة، ويعتدى فيها على الأموال والأعراض المحترمة، بجهل، أو تأويل، أو بدافع من هوى نفس وإغراء شيطان.
الفرار من الفتنة
لذا يجب على المسلم الذي يرجو لقاء ربه، ويوقن يوم الفصل والقضاء، أن يفر من هذه الفتنة فراره من الأسد، وذلك بالفرار من مقدماتها التي تبدأ بتلوث القلب أو اللسان بها، لأحدهما الطريقان إليها.
تحذير السلف من الفتن
ولقد كان السلف — رحمهم الله تعالى — مضرب المثل في خوفهم وفرارهم وتحذيرهم من هذه الفتن، التي تأكل الدين، وتفتن فيها من يفتن.
أحاديث في التحذير من الفتن
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً فليعذ به»8(8) [رواه البخاري، ومسلم].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “إن استطعت أن تأتي الله عز وجل وأنت خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازمًا لجماعتهم، فافعل”.
وصية مطرّف بن عبد الله
وقال حُميد بن هلال: (أتت الحَورْرِيَّةُ مطرّف بن عبد الله يدعونه إلى رأيهم، فقال: يا هؤلاء، لو كان لي نفسان، بإحداهما أتيتكم فأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى، أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة، هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن هي نفس واحدة، لا أغرز بها)9(9) [سير أعلام النبلاء: 4/ 195].
الأمر السادس: فقه الاحتساب أيام الاستضعاف
اضطراب أحوال الاحتساب
في أيام الاستضعاف كما هي حال أكثر البلدان الإسلامية اليوم، تضطرب أحوال الاحتساب والمحتسبين، وسبب هذا الاضطراب فشوا المعاصي والفساد ووسائله، مع التضييق على المحتسبين ومنعهم من الاحتساب إلا في مجالات ضيقة، ونشأ عن هذا الاضطراب طرفان خاطئان، ووسط صحيح:
الطرف الأول: التغيير بالقوة
الطرف الأول: لم يبصر على رؤية وسماع المنكرات وانتشارها، فنزع إلى التغيير بالقوة والمواجهة، ولم ينظر إلى عواقب هذه المواجهة ومفاسدها التي تربوا على مفسدة المنكر نفسه، كإيذاء نفس المحتسب بسجنه وغيره، أو ما يجر هذا الأسلوب على المكاسب الدعوية وأهلها، من تحجيم، أو إيقاف، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة وقواعدها الحكيمة.
وهذا الطرف نرى أنه قد خسر اليوم كثيرًا، ولكن الأخطر هو ما نراه اليوم؛ ونرى من يسوق له وهو:
الطرف الثاني: الانسحاب التام
الطرف الثاني: يأتي هذا الطرف مقابلًا للطرف الأول، وهذا الطرف هو الذي فرط في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتساهل كثيرًا بها، ورأى أن فقه الاحتساب في أوقات الاستضعاف هو الانسحاب التام من ساحة الاحتساب، وتبرير هذا الضعف والكسل بعدم القدرة، والخوف من تبعات الإنكار، وأن ليس باليد حيلة، ويستدل بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وهذا من تزيين الشيطان وتحويفه وأوهامه ووسواسه، إذ أن مآل هذا الادعاء فشو المنكرات والاستسلام لها، وقد آذن أصحاب هذا الفهم أن ترك الاحتساب حتى في بيته وعلى أهله وأولاده، التي لا خلاف في قدرته على ذلك دون أدنى ضرر.
الموقف الوسط: الاحتساب بالمقدور
والموقف الوسط العدل الصحيح في فقه الاحتساب أوقات الاستضعاف، هو الاحتساب بالمقدور، وهذا يختلف من بلد لآخر، ومن شخص لآخر، ففي بعض البلدان توجد مساحة جيدة يتحرك فيها المحتسب وينصح ويحذر، وهنا يجب الاستفادة من هذه المساحة بما هو متاح من وسائل الدعوة والبلاغ: كخطبة الجمعة، وإمامة المسجد، والمعلم في مدرسته، والمحاضر التربوي، ودور التحفيظ رجالًا ونساءً، كل هذه الوسائل ينبغي بذل المستطاع فيها بالنصح والاحتساب من خلالها.
وقد تنحسر هذه المساحة إلى أقل من ذلك، وهنا يتحرك الداعية والمحتسب بما يقدر عليه بصدق وتجرد، لا بما يمليه عليه هواه وشيطانه.
وقد يوجد في بعض الأماكن أن تنحسر المساحة التي يتحرك فيها المحتسب حتى لا يستطيع إلا في أسرته وعشيرته، وهنا يتحرك في هذا المحيط، ولا يعذر في ترك ذلك.
والمقصود: أن لا عذر لقاعد.
الأمر السابع: أخذ النفس بالحزم والجد وإعدادها لمواجهة الأخطار
حالة الغفلة
إن من العجائب اليوم أننا نعيش في غفلة عن هذه الفتن، مع أن الأخطار تحدق بنا من كل مكان، والفتن تموج من حولنا كموج البحر، فأحوالنا واهتماماتنا كما هي، نجيّء ونذهب، ونأكل ونشرب، ونلهو ونلعب، وكأننا في أيام عادية مستقرة.
ضرورة الاستعداد
إننا في هذه الأوقات نعيش حالة طوارئ، نحتاج فيها إلى ربط الحزام، وإعادة برمجة أوقاتنا واهتماماتنا وأولوياتنا، وأن نسعى جاهدين متدرجين في هجر حياة الترف والرفاهية، وأن نحرص على أوقاتنا وأعمارنا ألا تذهب وتضيع سدى.
نحن نعيش اليوم أحوالًا استثنائية طارئة، يجب فيها أن ندرك حقيقة الأخطار من حولنا، وكيف نتقيها وكيف نواجهها.
الجسم المريض والقلب المثقل
إن الأجسام المترهلة المترفة، والقلوب المريضة، المثقلة بالمعاصي والشهوات، لا تصمد أمام النوازل والفتن، وأصحابها هم أول من يسقط عند أول امتحان واختبار.
وسائل الحزم
ونصحًا لنفسي وإخواني المسلمين في هذه الظروف، أن نأخذ أنفسنا وأولادنا وأهلينا بالجد والحزم والعزم، وأن ننتشلها من مستنقع الترف والميوعة والترهل، والاهتمامات الهابطة، إلى حياة الجد والاهتمامات العالية، وذلك بالوسائل التالية:
أولًا: التوبة والإنابة إلى الله عز وجل: ومجاهدة النفس على ترك المعاصي، والمحافظة على ذكر الله والصلاة، والاستغفار، والدعاء، وقراءة القرآن، وأن نبدأ بهذا في بيوتنا، وأسرنا، وأهلينا، وأولادنا، ونقيم الدروس ومراجعة القرآن معهم، ونوسع ذلك في الأسرة الكبيرة، والعشيرة، ومن نستطيع من المسلمين، بلكمات ومواعظ ومفاهيم يواجهون بها هذه الفتن، وأن نعلم أن ما أصبنا إنما هو بذنوبنا، وبما كسبت أيدينا، وأن دواء ذلك يكون بالتوبة النصوح، والإقلاع عما يسخط الله، وفعل ما أمر به.
إن كثرة ذكر الله، والتقرب إلى الله بالطاعات، وكثرة الاستغفار، ودعاء الله عز وجل، لمن أهم الوسائل في الثبات على الدين، ورفع البلاء، والنجاة من الفتن، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66-68].
وقال سبحانه عن القرآن وأثره في التثبيت: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32].
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. وقال سبحانه: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقَطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُسْبِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبْعُدُ دِينُهُ بِعَرْضٍ مِنَ الدُّنْيَا”10(10) [مسلم: 186]. أي: بادروا بالأعمال الصالحة قبل نزول الفتن، لأن في المبادرة وقاية بإذن الله من الفتن إذا وقعت.
ثانيًا: الدعوة إلى هجر وسائل الترف الزائدة والترفيه؛ لا سيما المحرم منه، وتعويد النفس على الخشونة، وعدم الانسياق مع شهواتها، ويبدأ بذلك مع الأولاد بأن نقلهم من حالة الترف في المطعم والمأكل والمشرب والمركب إلى حال الاعتدال، وأن نقل اهتماماتهم الهابطة بالهوس الكروي، والإدمان على الجولات، والوجبات السريعة، إلى الاهتمامات العالية، ونحذرهم من الأخطار المحيطة بنا، وإن أول من يسقط فيها المترفون أصحاب الهمم الهابطة.
ثالثًا: العناية بالأمور الستة السابقة وهي (تصحيح المفاهيم، والوعي، وترقية النفس بزيادة الإيمان والأعمال الصالحة، والسعي للاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف، والإلمام ولو بشكل عام بفقه الموازنات، والاحتساب بالمقدور)، وتحقيقها ولو بالحد الأدنى في بيوتنا، وفي وسائل الدعوة المتاحة في مجتمعاتنا.
رابعًا: لزوم التأني والتؤدة، والتثبت من الأمور وملابساتها وملابساتها، قبل اتخاذ الموقف منها أو نشرها، ومحاسبة النفس في تحقيق الإخلاص والتجرد في النظر إلى النوازل، وألا يكون للنفس فيها حظ.
خامسًا: السعي إلى الارتباط بالبيئات الصالحة، التي تجمع بين الفهم الصحيح، والقصد الصحيح، والتربية الإيمانية، والأخلاق الرفيعة، والحرص على هذه البيئات الصالحة والعيش فيها، والتعاون مع أهلها على البر والتقوى، والتشاور والتناصح، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
سادسًا: الحرص على صحة الجسد، وغذائه الغذاء النافع، وتقويته بالرياضة والحمية، ونقله من الترهل والدعة والكسل إلى القوة والنشاط، استعدادًا لأي طارئ، أو جهاد في سبيل الله، ومن ذلك التمرين على ركوب الخيل، والسباحة، والرماية.
نسأل الله سبحانه أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الهوامش
(1) [البخاري: 1741].
(2) [البخاري: 6502].
(3) [مسلم: 186].
(4) [مسلم: 2948].
(5) [الترمذي: 2165، وهو صحيح بمجموع طرقه].
(6) [مسلم: 2812].
(7) [رواه أبو داود: 1960].
(8) [رواه البخاري، ومسلم].
(9) [سير أعلام النبلاء:4/195].
(10) [مسلم: 186].
اقرأ أيضا
فقه النوازل في ضوء الكتاب والسنة (1-7) علوم ضرورية، العلم بالأسماء والصفات


