كيف يمكن لدولةٍ راهنت لعقود على تقديم نفسها كـ”ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط” أن تجد نفسها في عزلة دولية غير مسبوقة بعد طوفان الأقصى؟ ولماذا تحوّل خطاب رئيس وزرائها من التهديد والوعيد إلى الاستجداء والتبجح، بينما تغادر وفود عشرات الدول قاعة الأمم المتحدة احتجاجاً على خطابه؟ وما دلالة أن يصبح نتنياهو “شخصاً غير مرغوب فيه” في المنابر الدولية، وأن تُلاحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ وهل يمكن أن نقرأ في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة انعكاساً لعمق الأزمة التي تعيشها إسرائيل دولياً؟
انهيار الصورة الإسرائيلية في الغرب
جاء طوفان الأقصى لا كعملية عسكرية فحسب، بل كحدث هز البنية العميقة لما يُعرف في الغرب بالثوابت الإسرائيلية، تلك التي صُنعت بعناية وروِّجت كحقائق فوق النقد. لعقود تسللت إسرائيل إلى العقل الغربي كدولة ديمقراطية متحضرة ضحية تدافع عن نفسها، لكن حين انقلبت المعادلة وظهر الوجه الحقيقي للآلة العسكرية الإسرائيلية وهي تفتك بالأطفال والمدنيين وتحاصر المدن وتجوعها بدأت تلك الصورة تنهار قطعة قطعة .
استطلاعات الرأي تكشف تحولاً في المزاج الغربي
لم يعد بالإمكان الترويج لأسطورة الجيش الأخلاقي، ولا لأسطورة الدولة الديمقراطية في الشرق المظلم، ولا لتهمة اللاسامية كسيف مسلط على رقاب كل من يجرؤ على نقد الاحتلال. وتكشف استطلاعات الرأي الدولية عن تغير ملموس في نظرة الشعوب إلى إسرائيل خلال الحرب. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث عام 2025 في 24 دولة أن النظرة السلبية لإسرائيل أصبحت هي السائدة في غالبية الدول المشمولة، بما فيها الولايات المتحدة، إضافة إلى دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والسويد وإيطاليا .
العزلة الدبلوماسية غير المسبوقة
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة . وقد أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة، نظهات شميم خان، أن المكتب “لم يتخذ أي خطوات لمحاولة سحب أو إلغاء مذكرات التوقيف”، وأن القضية “لا تزال جارية” .
قيود على سفر نتنياهو وعزلة دبلوماسية
وتحد مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية من قدرة نتنياهو على السفر إلى عدد من الدول، إذ يمتنع عن بيكورات غير أمريكا إلا في حالات استثنائية . وقد انتقد السياسي الإيرلندي ميك والاس سماح فرنسا وإيطاليا واليونان لطائرة نتنياهو بعبور أجوائها، معتبراً ذلك “تمكيناً لجرائم الحرب” .
خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة: صرخة عزلة أم مرافعة دفاعية؟
في الرابع والعشرين من سبتمبر 2026، وبينما كان نتنياهو يستعد لإلقاء خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، غادرت وفود عشرات الدول القاعة احتجاجاً . ووفقاً لوكالة الأنباء اليمنية سبأ، غادرت وفود 75 دولة قاعة الجمعية العامة قبيل إلقاء نتنياهو كلمته . وأشارت وكالة “واينت” الإسرائيلية إلى أن ممثلي نحو 70 دولة لم يكونوا حاضرين أثناء الخطاب .
نتنياهو يصف المنسحبين بـ”الجبناء أخلاقياً”
وقد وصف نتنياهو الوفود المنسحبة بأنها “جبناء أخلاقياً”، وقال: “إذا كان هناك مزيد من الجبناء الذين لم يغادروا القاعة، فأطلب منهم المغادرة الآن” . ووفقاً لتحليل نشره موقع “واينت” الإسرائيلي، جاء خطاب نتنياهو “متأخراً ووحيداً”، وتحدث أمام قاعة غادرها عدد كبير من الحاضرين “وإلى عالم لم يعد قادراً على الاستماع إليه” .
خطاب موجَّه للداخل الإسرائيلي
ووصف التحليل الإسرائيلي الخطاب بأنه “هجومي ومشحون بالرسائل العسكرية”، إذ هاجم نتنياهو إيران وقطر وحزب الله وحماس والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب انتقادات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبريطانيا وعمدة نيويورك زهران ممداني. وفي المقابل، رأى الكاتب أن الخطاب “افتقر إلى رؤية سياسية أو رسالة إيجابية بشأن السلام” .
خطاب انتخابي قبل 33 يوماً من الانتخابات
وبحسب التحليل، بدا الخطاب موجهاً بدرجة كبيرة إلى الداخل الإسرائيلي، قبل 33 يوماً من الانتخابات، إذ ركز نتنياهو على الدفاع عن سجل إسرائيل والجيش الإسرائيلي والرد على اتهامات الإبادة الجماعية في غزة، التي تنفيها إسرائيل .
مظاهر العزلة في الخطاب نفسه
وخلال خطابه، استخدم نتنياهو وسائل رمزية استفزازية، بينها رفع جهاز “بيجر” في إشارة إلى العملية ضد حزب الله . كما قدم رمزياً جهاز “ستارلينك” للوفد الإيراني .
اتهام الدول الأوروبية بازدواجية المعايير
وقال نتنياهو إن الدول التي تتهم إسرائيل بالاستعمار “هي من اخترعت هذا المصطلح”، مشيراً إلى بريطانيا وفرنسا . ووصف الرئيس التركي أردوغان بأنه “طاغية” .
ردود فعل غاضبة على الخطاب
زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان في تدوينة تعليقا على خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:
— أصبح نتنياهو ومعه إسرائيل “منبوذين وعبئا على العالم الغربي”
— مكانة إسرائيل في العالم وصلت إلى أدنى مستوياتها، وأحذر من “انهيار اقتصادي حقيقي” بسبب العقوبات الأوروبية على إسرائيل
— علينا في انتخابات 27 أكتوبر استبدال القيادة التي تقود إسرائيل إلى كارثة سياسية وأمنية واقتصادية
وقال عمدة نيويورك زهران ممداني، في بيان، إن نتنياهو “استخدم خطابه لتكرار أكاذيب لا أساس لها، بهدف تبييض إبادة الفلسطينيين”. وأضاف: “لا كذبة يمكنها تغيير حقيقة أنه لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية” .
الرئاسة التركية ترد على اتهامات نتنياهو
وأثارت تصريحات نتنياهو رداً حاداً من مدير الاتصالات في الرئاسة التركية برهان الدين دوران، الذي قال إن استخدام نتنياهو لمنصة الأمم المتحدة لتوجيه “اتهامات لا أساس لها” ضد تركيا وأردوغان “يتنافى مع مبادئ السلام والقانون والحوار” .
الأزمة ليست في الصورة فقط
امتدت تداعيات الحرب إلى الجانب الاقتصادي، مع توسع حملات المقاطعة الشعبية للمنتجات والشركات الإسرائيلية في عدد من الأسواق العالمية. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن هذه الحملات، إلى جانب تداعيات الحرب، أسهمت في إغلاق مئات الشركات الإسرائيلية خلال عام 2024، في مؤشر على أن الأزمة لم تعد سياسية وإعلامية فحسب، بل أصبحت تحمل أبعاداً اقتصادية أيضاً.
كما شملت المقاطعة قطاعات أكاديمية وثقافية، مع تزايد المبادرات الداعية إلى تجميد التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية في عدد من الجامعات والهيئات الدولية .
إسرائيل كـ”عبء على حلفائها“
رأى تحليل إيراني أن إسرائيل، بفعل تداوم ارتكاب الجنایات، “عبء على أكتاف حلفائها وداعميها”. وأشار إلى أن الكيان “يتجه نحو عزلة دولية متزايدة”، وأنه “محاصر في معظم الدول الأوروبية، حتى في مناطق نفوذه التقليدية، ويواجه ضغطاً شعبياً هائلاً” .
انكشاف فشل إسرائيل في دورها كحافظ لمصالح الغرب
وأضاف التحليل أن “عجز إسرائيل عن تحقيق الأمن والاستقرار لنفسها، واعتمادها المتزايد على الدعم الغربي، بالإضافة إلى الضرر الأخلاقي المتزايد، يشير إلى فشلها في أداء دورها كحافظ لمصالح الغرب في المنطقة” .


