كيف يمكن لسوريا، التي دفعت ثمناً باهظاً حتى تستعيد حريتها، أن تنتقل من استبداد السلطة إلى استبداد النموذج الثقافي المفروض، وتُصبح معايير بناء الدولة هي تقليد ما يُعرض عند الآخرين مما يصادم دين البلد وهويته وقيمه؟ ولماذا تتزايد وتيرة المناسبات والفعاليات التي تُصادم هوية المجتمع وتستفز مشاعر الناس، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى التئام الجراح وبناء الثقة؟
شكر نعمة التحرير لا يكون بإفساد البلاد
الحمد لله الذي أتمّ على أهل سوريا نعمته، وخلَّصهم من الطُّغمة الفاسدة التي أرهقت البلاد وأهلكت الحرث والنسل، وفتح لهم باباً جديداً لبناء وطنهم على أساس العدل والكرامة والحرية.
وإنَّ شُكر النعمة وحسّ المسؤولية يقتضيان أن تُصان ثمرة هذا التحرير، وأن يُبنى مستقبل سوريا بما ينسجم مع دين شعبه وهويته وقيمه وثقافته، لا أن يُعاد إنتاج أسباب الفساد والانقسام في صورٍ جديدة.
ومن هذا المنطلق، فإننا نُعرب عن استنكارنا لتزايد وتيرة بعض المناسبات والفعاليات والاستضافات التي تُصادم هوية المجتمع وقِيمَه، ولا سيما حين يجري تنظيمُها أو الترخيص لها أو إضفاء الصبغة الرسمية عليها أو المشاركة فيها من مسؤولين ومؤسساتٍ عامة، في مرحلة يُفترض أن تكون فيها الأولوية لإعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة على أُسسٍ سليمة.
ونؤكِّد أن اعتراضنا ليس خصومةً مع أحد، ولا تدخُّلاً في حريات الأفراد وشؤونهم الخاصة، وإنما هو اعتراضٌ على إدخال هذه المظاهر إلى المجال العام بصورةٍ تستند إلى الرعاية الرسمية أو الحضور الرسمي أو الرمزية التي تمنحُها مؤسساتُ الدولة.
إن سوريا الحرة ينبغي ألا تنتقل من استبداد السلطة إلى استبداد النموذج الثقافي المفروض، ولا أن يصبح معيار بناء الدولة هو تقليدُ ما يُعرَض عند الآخرين، مما يصادم دين البلد وهويته وقيمه.
الآثار الخطيرة للاستمرار في هذا المسار
وإننا ننبه إلى أن الاستمرار في هذا المسار ستكون له آثاره الخطيرة، ومن ذلك:
إغضاب الله وكفران النعمة
أولاً: أنه من إغضاب الله وكفران نعمته. فمن أعظم ما يوجب شكر النعم أن تُستثمر في إصلاح البلاد وصيانة أخلاق أهلها، لا في فتح أبواب الإفساد والتطبيع مع مظاهرٍ تُخالف قيم المجتمع وثوابته. وإن نعمة التحرير أمانة، ومن شُكرها أن تُبنى سوريا بما يُرضي الله ويحفظ كرامة أهلها وهويتهم.
فتح باب إفساد المجتمع وإضعاف مناعته الأخلاقية
ثانياً: أنه يفتح باب إفساد المجتمع وإضعاف مناعته الأخلاقية. فتطبيع المشهد العام مع ممارسات مُستَنكرة، وتكرارها، ثم منحها الغطاء الرسمي، يجعلها جُزءاَ من الصورة التي يُراد للمجتمع أن يعتادها، وهذا من الإفساد المتدرِّج الذي يَعودُ على المجتمع بالفساد والانحراف.
تغذية نابتة الغلو واستثمارها في التحريض
ثالثاً: أنه يَبعثُ نابتة الغلو ويغذّيها في ردود الأفعال. فحين يشعر أبناء المجتمع بأن هويتهم وقيمهم تُستفز بصورةٍ متكررة، وأن النصيحة المتكررة لا تجد آذاناً صاغية، فإن ذلك قد يدفع بعض الشباب إلى ردود فعلٍ متشدِّدة، ويوفّر لأصحاب الغلو مادةً يستثمرونها في التحريض والتعبئة. ومن الحكمة السياسية والاجتماعية ألا تُدفع المجتمعات إلى مثل هذه الاستقطابات.
إنَّ الاعتدال الحقيقي لا يعني إلغاء هوية المجتمع، والانفتاح لا يعني استفزازه، والحرية لا تعني أن تتحوَّل مؤسسات الدولة إلى راعٍ لما يُخالف قيم غالبية أهلها.
المطالب السبعة لصيانة الهوية
وعليه، فإننا نطالب الجهات المعنية بما يأتي:
أولاً: مراجعة سياسات الترخيص والتنظيم للفعاليات العامة، بحيث تراعي هوية المجتمع وقيمه ومقتضيات المرحلة.
ثانياً: وقف منح الرعاية أو الغطاء أو الحضور الرسمي للفعاليات التي تتعارض بصورةٍ واضحة مع قيم المجتمع أو تَستفزُّ شرائح واسعةً منه.
ثالثاً: عدم الاحتفاء بأي شخصيةٍ أو جهةٍ كانت داعمة للنظام البائد، أو تقديمُها للناس أو تكريمُها.
رابعاً: اعتماد معايير واضحة وشفّافة للفعاليات العامة، بعيداً عن المزاجية والانتقائية.
خامساً: فتح باب الحوار المجتمعي المسؤول حول صورة سوريا الثقافية والأخلاقية في مرحلة ما بعد التحرير.
سادساً: عدم التعامل مع الانتقادات المجتمعية على أنها غلوّ أو تطرُّف، كما لا ينبغي السماح بتحويلها إلى ذريعةٍ لممارساتٍ غاليةٍ أو متشددة.
سابعاً: أن تكون مؤسسات الدولة عاملاً في جمع السوريين وصيانة هويتهم واستقرارهم، لا سبباً في زيادة الاستقطاب بينهم.
الختام.. سوريا الكرامة والعدل
إننا نريد لسوريا بعد التحرير أن تكون دولة كرامة وعدل، وأن تكون نهضتها نهضةً تحفظ الإنسان وقيمه وهويته، وتجمع بين الرقي الحضاري والأصالة، وبين الانفتاح المسؤول والخصوصية الثقافية، وبين الحرية والانضباط الأخلاقي.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً حتى يستعيدوا ذواتهم؛ فلا ينبغي أن تُهدر ثمرة هذه التضحيات في معارك ثقافية واجتماعية مفتعلة، ولا أن تُستفز مشاعر الناس في وقتٍ هم أحوجُ ما يكونون فيه إلى التئام الجراح وبناء الثقة.
اللهم بارك لسوريا في خَلاصها، وأعِن أهلها على حفظ نِعَمك، واجعل عهدها الجديد عهد عدلٍ وإصلاحٍ وصلاح، واحفظ عليها دينها وهويتها وأمنها ووحدتها، واصرف عنها الفساد والغلو والاستبداد، وألهم المسؤولين فيها الرشد والسداد. والله من وراء القصد.
الأحد 24 ربيع الأول 1448هـ – الموافق 6 سبتمبر أيلول 2026م


