كيف يمكن لدولتين كانتا قبل ربع قرن تعانيان الفقر والمجاعات أن تحققان نهضة اقتصادية استفاد منها ملايين البشر، ثم يفصل بينهما اليوم فارق سبعة أضعاف في متوسط الدخل؟ ولماذا يكره الغرب المتراجع الصين بينما يتعاون مع الهند، رغم أن كلاً منهما يحكمه نفس الشخص منذ خمسة عشر عاماً؟ وما سر هذا الفارق الكبير بين نموذج التنمية الصيني، والنموذج الهندي؟ وكيف يمكن للدول العربية، أن تستفيد من دروس هاتين التجربتين؟
الصين والهند.. قوتان صاعدتان وفارق كبير
اليوم يتفق العالم على أن المستقبل للصين والهند. كلاهما قوة بشرية كبيرة وقوة اقتصادية كبيرة ومساحة أراضي واسعة. وكلاهما كان دولة فقيرة متخلفة تعاني المجاعات والفقر الشديد منذ حوالي 25 سنة فقط. وكلاهما حقق نهضة اقتصادية استفاد منها ملايين البشر خلال عشرين سنة. وكلاهما يحكمه نفس الشخص خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة… مودي في الهند، وتشي جينبينج في الصين.
لكن الفارق اليوم بين الصين والهند كبير جداً في حجم التطور والقفزة والتقدم والقوة. مثلاً متوسط دخل الفرد السنوي في الصين 14,230 دولاراً أمريكياً، بينما يبلغ في الهند 2,760 دولاراً أمريكياً. يعني اقتصاد الصين اليوم ومتوسط دخل الفرد يساوي حوالي سبعة أضعاف الهند!! والفارق يتزايد ويتضخم بسرعة. وهذا ينطبق أيضاً على القوة العسكرية والسياسية… إلخ. لذلك يكره الغرب المتراجع بشدة الصين، بينما يتعاون مع الهند.
لماذا تسبق الصين الهند؟ الفارق في نموذج التنمية
لكن لماذا تسبق الصين الهند؟ طبعاً الموضوع ليس له علاقة بخرافة ديمقراطي وديكتاتوري… فهذه خرافة انكشفت. والجميع يعرف أن تمثيلية الانتخابات في كل بلاد العالم، وبلاد كثيرة نجحت لفترة طويلة ويحكمها ديكتاتور متحالف مع الدولة العميقة وانتخابات: بوتين روسيا، أردوغان تركيا، نتنياهو إسرائيل، مودي الهند، تشي الصين… إلخ. المهم يكون ولاؤه للبلد، وليس للاستعمار الخارجي. والكل يعرف لعبة الديمقراطية: سيطر على الإعلام، حرك الحشود والغوغاء، تكسب الانتخابات.
أين الفارق بين نموذج تنمية الصين ونموذج تنمية الهند؟
- نموذج الصين: من القاعدة إلى القمة
الفارق في أن الصين طبقت نموذج يبدأ من القاعدة: تنمية الشعب، التعليم الأساسي، توفير فرص عمل للشعب في القرى والمدن، تصنيع وتصدير، تبدأ بتصنيع بسيط ثم يتطور ويتخصص.
- نموذج الهند: من القمة إلى القاعدة
بينما الهند قالت أن عدد السكان كبير، فطبقت نموذج يبدأ من القمة: التركيز على مساعدة عدد قليل من رجال الأعمال وتوفير الفرص والتسهيلات لهم، التركيز على التعليم العالي في مجال الخدمات والتكنولوجيا، وليس التعليم الابتدائي والمتوسط، التركيز على مجالات الخدمات والكمبيوتر والعمل في شركات الكمبيوتر العالمية، أو السياحة والبنوك والإعلانات! وإهمال المجالات الأخرى من مصانع ومجالات أخرى، الاهتمام بالسوق الداخلي والاستهلاك المحلي قبل التصدير، تركيز المال والأعمال في المدن الكبيرة وإهمال الريف والمدن الصغيرة.
النتائج.. فرص للقلة في الهند ونهضة شاملة في الصين
النتيجة هي أن نموذج الهند يوفر فرصاً كبيرة لعدد قليل من البشر، ومعهم مجموعة من فاحشي الثراء، بينما يتمنى أن يكون هذا النجاح قاطرة تجر وراءها بقية الشعب الفقير وتوفر لهم فرص عمل وترفع الدخل، وهذا حدث لكن بدرجة بسيطة جداً، لأن الفارق بين الأغنياء والفقراء يتزايد في الاتساع.
- نموذج الصين يهتم بالشعب والقاعدة
بينما في الصين النموذج يهتم بالشعب والقاعدة والصعود من القاعدة، الاهتمام بمساحة أوسع من البشر والمدن والقرى، توفير فرص تطوير وتعليم وعلاج وعمل لعدد أكبر، والتركيز على التصدير.
- التحديات المشتركة والمختلفة
طبعاً كلاهما لا يزال في مرحلة الصعود، والصين اليوم تواجه مشكلة نقص عدد المواليد، وهذا ما يسمى الثروة البشرية التي يعتبرها العرب الحمقى في بلادنا عبئاً ومشكلة سكانية!
والهند تواجه مشاكل أكثر بسبب العنصرية ضد المسلمين الذين يشكلون 20% من سكان الهند، وصراعها مع باكستان، فضلاً عن المشاكل العميقة في المجتمع الهندي المفكك من الداخل.
الدروس المستفادة للعالم العربي
الاستقلال واستغلال الطاقة البشرية مفتاح النهضة
لكن في المجمل، خلال العشرين سنة الماضية، كلاهما قدم نموذجاً ناجحاً يدل على أن الاستقلال واستغلال الطاقة البشرية هو مفتاح النهضة الاقتصادية، والأمر ليس مستحيلاً أو خيالاً علمياً، وأن سيطرة الغرب ليست قدراً كونياً محسوماً إلى يوم القيامة!
والتجربة توضح أن الاهتمام بالمجتمع كله أفضل وأكثر فاعلية في النهضة الاقتصادية من التركيز على شريحة صغيرة فقط منه، سواء شريحة من رجال الأعمال، أو شريحة من مهندسي الكمبيوتر أو بتوع السياحة والبنوك… أقلية تعمل في خدمة شركات أمريكية وأوروبية.
الدول العربية أقرب لنموذج الهند
للأسف الدول العربية أغلبها أقرب لنموذج الهند: التركيز على تقديم تسهيلات لشريحة صغيرة من رجال الأعمال وخريجي بعض المجالات، وإهمال بقية الشعب، على أمل أنه حين تحقق هذه الشريحة الصغيرة الغنى والنجاح الاقتصادي، فسوف تجر وراءها بقية الشعب الفقير في القرى والنجوع والحارات الفقيرة!
المصدر
صفحة د. خالد عمارة، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
قراءة في تخلف العالم العربي في العصر الحديث (1-2) مظاهر التخلف


