كيف يمكن لدولةٍ تزعم أنها حامية للأمة العربية أن تتصل برئيس وزراء الكيان الصهيوني قبل عشرة أيام من طوفان الأقصى لتحذره من “زلزال” يخطط له السنوار، وتطمئنه بأنها مستعدة لحماية “اتفاقات أبراهام”؟ ولماذا تتحول أبوظبي من دولة تنموية إلى أداة لتفتيت الدول العربية، عبر شبكات مرتزقة تمتد من كولومبيا إلى السودان واليمن وليبيا، وتغذي الميليشيات بالسلاح والمال لتمزيق أوطان العرب؟ وقفةٌ مع خيانة إماراتية تمتد من فلسطين إلى السودان واليمن وليبيا، وكشف دور أبوظبي في تدمير الأمة العربية تحت غطاء “التطبيع” و”الاستثمار”.
التحذير الإماراتي لنتنياهو.. خيانة قبل الطوفان
في أواخر سبتمبر 2023، أي قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر، أجرى رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد اتصالاً هاتفياً برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، محذراً إياه “تحذيراً صريحاً” من أن قائد حماس في غزة يحيى السنوار يخطط لعملية كبرى. استمرت المكالمة 45 دقيقة عبر “نظام اتصالات خاص” طورته أبوظبي، وأبلغ خلالها بن زايد نتنياهو بأن العملية المحتملة قد تؤدي إلى “سفك دماء واسع” وتزعزع استقرار المنطقة وتهدد “اتفاقات أبراهام”. فرد نتنياهو مطمئناً إياه: “نحن مستعدون في غزة”، مشيراً إلى اعتقاده بأن أي اضطرابات ستكون في الضفة الغربية أكثر من القطاع.
السنوار يهدد بـ”زلزال” وينقل التحذير عبر فتحاوي إلى دحلان وبن زايد
بدأت القصة في أوائل سبتمبر 2023، عندما كانت إسرائيل وحماس وفتح تجري اتصالات غير مباشرة بشأن ملف المحتجزين الإسرائيليين. لكن الاتصالات تعثرت، وفي تلك اللحظة اختفى السنوار من رادار جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”، وتواصل مع شخصية من حركة فتح قائلاً: “انقلوا للإسرائيليين أنني أخطط لمفاجأة كبيرة لهم إذا لم يحرزوا تقدماً”، واستعمل لفظ “زلزال”، وهي الكلمة التي أثارت قلق الوسيط الفتحاوي، قبل أن ينقلها إلى محمد دحلان الذي أصبح لاحقاً مستشاراً لرئيس الإمارات.
نتنياهو يتجاهل التحذير ولا ينقله إلى قادة الأمن
بحسب الكتاب، لم ينقل نتنياهو مضمون تلك المكالمة التحذيرية إلى رئيس الأركان هرتسي هاليفي، ولا إلى رئيس الشاباك رونين بار، ولا إلى رئيس الموساد ديفيد برنياع. وتقول مصادر في الشاباك والجيش إنهم لو علموا بالمكالمة الإماراتية، لكانت ستصبح “تقييماً إضافياً يعزز المعلومات التي كانت قد وصلت”. ومكتب نتنياهو نفى الرواية ووصفها بأنها “أكذوبة خالصة”، لكن رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت أكد صحتها واتهم نتنياهو بـ”الإهمال الجنائي”.
الإمارات حصان طروادة الصهيوني في المنطقة
في تصعيد يعكس عمق الشقاق بين الرياض وأبوظبي، وصف الأكاديمي السعودي وعضو مجلس الشورى السابق الدكتور أحمد التويجري الإمارات بأنها “حصان طروادة الصهيوني” في المنطقة، معتبراً أن سياسات القيادة الإماراتية لا تنبع من ضرورات أمنية، بل من “حسد تاريخي” لمكانة السعودية وسعي محموم لفرض هيمنة إقليمية. وأكد أن الإمارات وضعت مقدراتها العسكرية وقواعدها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحت تصرف الاستخبارات الإسرائيلية، مستشهداً بتقارير عن استخدام مواقع في اليمن وإريتريا لتسهيل العمليات ضد القوى الفلسطينية.
الهلال الأحمر الإماراتي غطاء تجسسي لصالح الاحتلال
اتهم التويجري الإمارات بالتورط المباشر في “الحرب البربرية” على قطاع غزة عبر واجهة “الهلال الأحمر الإماراتي” الذي استُخدم كغطاء تجسسي لمد الاحتلال بمعلومات عن مواقع المقاومة وصواريخها، كما أشار إلى تقارير استخباراتية تؤكد تهيئة قواعد عسكرية إماراتية في اليمن وإريتريا والصومال لتكون منصات إمداد لوجستي ومعلوماتي لجيش الاحتلال في عدوانه على غزة.
شبكة المرتزقة الإماراتية في السودان
كشفت تحقيقات “فاينانشال تايمز” عن شبكة إقليمية يديرها الإماراتيون لتجنيد المرتزقة ونقلهم وتدريبهم، تمتد من كولومبيا إلى الإمارات، ثم إلى بوصاصو في الصومال والكفرة في ليبيا، وصولاً إلى نيالا والفاشر في السودان. وأكدت تحقيقات أممية أن الإمارات وفرت لقوات الدعم السريع كل ما تحتاجه من سلاح ولوجستيك وتدريب وأفراد أجانب.
تقرير أممي يوثق دور الإمارات في مجازر السودان
وثق تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان أن الدعم الإماراتي ساهم بشكل مباشر في عمليات قوات الدعم السريع في مخيم زمزم للنازحين، حيث راح ضحية المجزرة أكثر من 1500 مدني وتهجير 400 ألف، وفي مدينة الفاشر حيث وثقت البعثة انتهاكات تحمل سمات الإبادة الجماعية. كما كشفت التحقيقات عن نهب كميات هائلة من الذهب من السودان لصالح الإمارات، ووصفتها بأنها “واحدة من أكبر عمليات سطو الذهب في التاريخ”.
مرتزقة كولومبيون وآخرون يقاتلون إلى جانب الدعم السريع
كشفت التحقيقات أن الإمارات جندت آلاف المرتزقة الكولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان. وأكد مقاتلون سابقون أن شركة الأمن الخاصة GSSG، التي تتخذ من الإمارات مقراً، تولت نقلهم وتوظيفهم، وأن أول مجموعة من الكولومبيين وصلت في أكتوبر 2024، وكانت مهمتها تأمين ممر لوجستي عبر شرق ليبيا إلى دارفور. وأكد قائد ميداني منشق عن الدعم السريع أن خطوط الإمداد تقلع من الإمارات إلى مطارات في ليبيا وتشاد والصومال ثم إلى دارفور.
الإمارات في اليمن.. دعم الانفصال وتفكيك الدولة
منذ تحرير عدن في يوليو 2015، أنشأت الإمارات بنية أمنية موازية للدولة في العاصمة المؤقتة، عبر الحزام الأمني ووحدات مكافحة الإرهاب، قبل أن يصبح المجلس الانتقالي الجنوبي القوة الأبرز في المدينة. وأكدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن قوات يمنية مدعومة من الإمارات، إضافة إلى قوات إماراتية، نفذت مئات الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”.
الانقلاب على الحكومة الشرعية وتقويض جهود السعودية
في أغسطس 2019، سيطرت قوات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً على عدن ومقرات حكومية تابعة للحكومة المعترف بها دولياً. ورغم إعلان الإمارات انسحابها في أكتوبر 2019، أبقت نفوذها السياسي والعسكري عبر المجلس الانتقالي والقوات التي دربتها ومولتها. وقد أثار هذا التدخل غضب السعودية، التي شنت غارات على المجلس الانتقالي واستعادت السيطرة على معظم جنوب اليمن.
الإمارات في ليبيا.. دعم الميليشيات وتقسيم البلاد
اتهم أكاديميون سعوديون الإمارات بالمسؤولية عن “تفتيت ليبيا” ودعم الفصائل في شرق البلاد بالمال والسلاح. وكشفت تحقيقات “فاينانشال تايمز” أن شبكة المرتزقة الإماراتية تمتد إلى الكفرة في ليبيا، حيث تُستخدم المطارات الليبية كمعبر لإيصال الإمدادات إلى قوات الدعم السريع في السودان. وهذا يعني أن الإمارات توظف الأراضي الليبية كمنصة لتمويل وإطالة أمد الحرب في السودان.
خلاصة.. خيانة تمتد عبر الأمة
الإمارات تخدم الصهيونية على حساب العرب والمسلمين
ما كشفته التحقيقات الدولية والأممية يرسم صورة مروعة لدولة إماراتية تحولت من دولة تنموية إلى أداة لتدمير الأمة العربية. فالتحذير الإماراتي لنتنياهو قبل طوفان الأقصى، والتنسيق الاستخباراتي مع الاحتلال، ودعم قوات الدعم السريع في السودان بالسلاح والمرتزقة، وإشعال الفتنة في اليمن عبر المجلس الانتقالي، وتقسيم ليبيا، كلها تشكل نمطاً واحداً من الخيانة المنظمة. وقد وصفها كاتب سعودي بأنها “خيانة لله ورسوله وللأمة”، وأكد أكاديمي سعودي آخر أنها “حصان طروادة الصهيوني” الذي يعمل على زعزعة استقرار المنطقة لخدمة أجندات تل أبيب. وتبقى الحقيقة الأثقل: أن الإمارات تستثمر عوائد النفط والغاز في تدمير أوطان العرب بدلاً من بنائها، وتوظف المال الإماراتي لقتل الأطفال السودانيين واليمنيين، وتمهد الطريق لمشروع “إسرائيل الكبرى” على حساب دماء المسلمين. وغداً سيكون يوم الحساب، والتاريخ لا ينسى.


