تصميم صور المنشورات 5 2

هل تساءلت يومًا كيف تولد التحالفات الكبرى التي تغير ملامح السياسة والاقتصاد في العالم؟

وهل تعتقد أن القرارات المصيرية تُتخذ في قاعات البرلمانات، أم في منتجع جبلي بعيد حيث يجتمع الأثرياء والنافذون بعيدًا عن أعين الصحافة؟

إسرائيل والإمارات داخل شبكات المال والتكنولوجيا والنفوذ في أمريكا

على مدار اليومين الماضيين، بعيدا عن أعين الصحافة والاعلام وعند أبعد نقطة من مباريات كأس العالم، عُقد المؤتمر السنوي الذي تنظمه شركة «ألن وشركاه» Allen & Co في منتجع صن فالي بولاية أيداهو الأمريكية، وهو أحد أكثر التجمعات المغلقة للنخب الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية والسياسية نفوذًا في العالم.

حضر المؤتمر هذا العام لفيف من أبرز الشخصيات المؤثرة في مجالات الأعمال والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والإعلام والاستثمار والسياسة، من بينهم رؤساء أكبر شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب مليارديرات ومستثمرين وشخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة.

ورغم أن المؤتمر يُعقد سنويا منذ أكثر من أربعة عقود، فإنه لا يشبه المؤتمرات الاقتصادية التقليدية؛ فلا توجد جلسات عامة يستطيع الجمهور متابعتها، ولا بث مباشر للمناقشات، ولا بيانات ختامية تكشف ما دار بين المشاركين. فالمؤتمر مغلق، والحضور فيه بالدعوة فقط، وتكمن أهميته الأساسية في اللقاءات والعلاقات التي تُبنى بعيدًا عن الإعلام بين بعض أكثر الشخصيات نفوذًا في عالم المال والتكنولوجيا والإعلام والسياسة.

ما هو مؤتمر صن فالي؟

بدأت شركة «ألن وشركاه» تنظيم المؤتمر عام 1983. والشركة نفسها مؤسسة استثمارية ومصرفية خاصة تأسست في نيويورك عام 1922. ورغم أنها صغيرة نسبيًا مقارنة بمؤسسات مالية عملاقة مثل «غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان»، فإن قوتها الحقيقية تكمن في شبكة العلاقات التي بنتها على مدى عقود مع أصحاب الشركات والمليارديرات وكبار المستثمرين وقادة الإعلام والتكنولوجيا.

تقوم فلسفة الشركة على بناء علاقات طويلة الأمد مع دائرة محدودة من أصحاب النفوذ، ولذلك يمثل مؤتمر صن فالي إحدى أهم أدواتها الاستراتيجية. تجمع الشركة عملاءها وشركاءها وشخصيات تريد بناء علاقات معها في مكان واحد بعيدًا عن الإعلام والأسواق، وتوفر لهم فرصة الحديث والتفاوض وبناء العلاقات الشخصية واستكشاف الصفقات والتحالفات المستقبلية.

يصل كثير من المشاركين بطائراتهم الخاصة إلى المطار القريب من المنتجع، وتُعقد جلسات ومحاضرات مغلقة، لكن الجزء الأهم من المؤتمر يحدث غالبًا خارج قاعات الاجتماعات: خلال وجبات الإفطار والعشاء، والمشي في الجبال، ولعب الغولف، وركوب الدراجات واللقاءات الثنائية.

ولهذا يطلق عليه الإعلام الأمريكي وصف «المعسكر الصيفي للمليارديرات».

لماذا المؤتمر مهم؟

لأن كثيرًا من الصفقات والتحالفات الكبرى لا تبدأ بتوقيع العقود، وإنما بمحادثات شخصية بين أصحاب النفوذ. وقد ارتبط صن فالي تاريخيًا باتصالات سبقت صفقات ضخمة في عالم الإعلام والتكنولوجيا، من بينها اندماج «ديزني» وشبكة «إيه بي سي».

لكن أهمية المؤتمر أعمق من عقد الصفقات. إنه مكان لبناء شبكات النفوذ التي تجمع رأس المال والتكنولوجيا والإعلام والسياسة. يستطيع رئيس شركة تكنولوجيا أن يجلس مع مالك شبكة تلفزيونية، ومدير صندوق استثمار مع مسؤول سياسي أو استخباراتي سابق، ورئيس شركة ذكاء اصطناعي مع مستثمر خليجي يمتلك عشرات المليارات من الدولارات.

والتحول اللافت خلال السنوات الأخيرة هو أن المؤتمر الذي كان تاريخيًا تجمعًا لأباطرة الإعلام أصبح بصورة متزايدة ملتقى لأباطرة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ولا توجد أجندة تفصيلية منشورة لما يدور داخل الاجتماعات المغلقة، لكن طبيعة الحضور تكشف أهمية ملفات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والطاقة والرقائق الإلكترونية، وعمليات الدمج والاستحواذ، ومستقبل الإعلام، والعلاقة المتزايدة بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات العسكرية والاستخباراتية.

أين تقع إسرائيل داخل هذه الشبكة؟

فإسرائيل حاضرة من خلال شبكة من رجال الأعمال والمستثمرين ومديري شركات التكنولوجيا والإعلام والشخصيات السياسية التي تمتلك علاقات وثيقة معها أو تتبنى مواقف علنية داعمة لها.

أبرز الأمثلة هو أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، إحدى أهم شركات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي المتعاقدة مع الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات. كارب من أكثر رؤساء الشركات الأمريكية دفاعًا عن إسرائيل، وقد وسعت شركته تعاونها مع وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد حرب غزة. وتكمن أهميته في أنه يقف عند نقطة التقاء الذكاء الاصطناعي والمؤسسة العسكرية الأمريكية والأجهزة الأمنية وإسرائيل.

ويظهر كذلك الملياردير روبرت كرافت، أحد أبرز رجال الأعمال الأمريكيين الداعمين لإسرائيل، والذي يمتلك علاقات واسعة بالمؤسسات والقيادات الإسرائيلية. كما تحضر باري فايس، الصحفية الأمريكية المعروفة بدفاعها القوي عن إسرائيل، في مؤتمر يضم كبار ملاك المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية وشركات التكنولوجيا.

لكن الأهم من الأفراد هو البنية الأوسع. فقد أصبحت إسرائيل مركزًا مهمًا للتكنولوجيا والأمن السيبراني والصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي، بينما أصبحت شركات التكنولوجيا الأمريكية أكثر ارتباطًا بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية. ومن هنا تتشكل شبكة واسعة تربط التكنولوجيا الأمريكية ورأس المال العالمي وقطاع التكنولوجيا الإسرائيلي والمؤسسات العسكرية والأمنية.

العتيبة وكوشنر وبينيت.. الصورة الأكثر دلالة

ومن أكثر مشاهد المؤتمر دلالة ظهور السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة إلى جانب جاريد كوشنر، مستشار دونالد ترامب وصهره، ونفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق.

الصورة وحدها تختصر شبكة كاملة من العلاقات والمصالح.

العتيبة واحد من أكثر السفراء الأجانب نفوذًا داخل واشنطن، وقد بنى خلال سنوات شبكة علاقات واسعة مع المسؤولين وأعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث ورجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب المؤسسات الإعلامية. كما كان أحد أبرز مهندسي العلاقات الإماراتية الإسرائيلية واتفاقات أبراهام.

أما كوشنر فكان مهندس اتفاقات أبراهام من الجانب الأمريكي، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إسرائيل وقياداتها السياسية. وبعد مغادرته البيت الأبيض أسس شركة «أفينيتي بارتنرز» الاستثمارية التي تدير مليارات الدولارات، جاء جزء كبير منها من صناديق الثروة السيادية الخليجية.

ثم يأتي نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، ليجعل المشهد أكثر دلالة: دبلوماسي إماراتي كان من أبرز مهندسي التطبيع، ومستثمر أمريكي يدير مليارات الدولارات من الأموال الخليجية ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ورئيس وزراء إسرائيلي سابق، يجتمعون داخل واحد من أكثر ملتقيات المال والتكنولوجيا والإعلام نفوذًا في الولايات المتحدة.

العتيبة يمثل دولة تمتلك مئات المليارات من الدولارات من رؤوس الأموال السيادية وتسعى إلى التحول إلى قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومراكز البيانات والصناعات العسكرية. وكوشنر يدير مليارات الدولارات من الأموال الخليجية ويتحرك بين واشنطن والخليج وإسرائيل. وبينيت يمثل دولة تحتل موقعًا متقدمًا في قطاعات التكنولوجيا والأمن السيبراني والصناعات العسكرية.

هنا تحديدًا تظهر أهمية صن فالي: إمكانية الوصول

الوصول إلى رؤساء شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأباطرة الإعلام، ومديري صناديق الاستثمار، والأشخاص القادرين بقرار واحد على تحريك مليارات الدولارات أو تغيير اتجاه صناعة كاملة.

ومن هنا يمكن النظر إلى حضور العتيبة وكوشنر وبينيت باعتباره تعبيرًا عن شبكة جديدة للقوة تتشكل منذ سنوات، وتربط رأس المال الخليجي بالتكنولوجيا الأمريكية وإسرائيل والنخبة السياسية والاقتصادية في واشنطن.

الخلاصة

مؤتمر صن فالي يقدم نافذة مهمة لفهم الطريقة التي تعمل بها القوة في العالم المعاصر. فالقوة لا تُمارس فقط من خلال الحكومات والجيوش والبرلمانات، وإنما أيضا من خلال الشركات والتكنولوجيا والبيانات والإعلام ورأس المال والعلاقات الشخصية بين أصحاب النفوذ.

وفي عالم المال والسياسة، قد تبدأ التحالفات الكبرى بحديث قصير أثناء الإفطار أو عشاء مغلق يجمع مليارديرا أمريكيا، ومستثمرا خليجياً، ورئيس شركة تكنولوجيا عسكرية، ودبلوماسيًا نافذًا، ورئيس وزراء إسرائيليًا سابقا.

ثم تظهر نتائج هذه العلاقات لاحقا في صورة استثمارات وصفقات وتحالفات سياسية وتكنولوجية جديدة.

المصدر

صفحة د. خليل العناني على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

الدهاليز الإماراتية الإسرائيلية في ملفات إبستين

التعليقات معطلة