هل تعلم أن ليبيا التي دفع أبناؤها الغالي والنفيس لتحريرها من الطاغية، أصبحت اليوم هدفاً لصفقة جديدة تعيد فيها العسكر إلى الحكم تحت غطاء أمريكي؟
وهل يرضى الليبيون الأحرار أن يصبح مصير بلادهم رهينة لمشروع صهيوأمريكي، يعيد إنتاج الفشل والدمار ويحوّل مؤسساتهم إلى أدوات للاستبداد والنهب؟
المخطط الأمريكي للسيطرة على ليبيا
يمضي مشروع “صفقة بولس” لتسليم ليبيا إلى العسكر على جرعات متدرجة من التطبيع والتطويع، بأسلوب خبيث يهدف إلى تمرير الأمر على أهله حتى يجدوه واقعاً محتوماً قد أحاط بهم من كل جانب. هذا المخطط لا يأتي من فراغ، بل هو امتداد لسياسة أمريكية ممنهجة تجاه ليبيا بدأت منذ عقود.
فالمشير حفتر، الذي يُروّج له البعض كحلٍّ للأزمة الليبية، تربى في دوائر المخابرات الأمريكية هو وأبناؤه، وصُنع على أعينهم، ثم رُمي به على أهل ليبيا لقطع الطريق على أي محاولة لحكم رشيد كانوا يؤملونه بعد الإطاحة بالقذافي.
الدور العربي المسلوب الإرادة
الدول العربية شرقاً وغرباً، بما فيها من ملوك وحكام وخزائن أموال، أصبحت مسلوبة الإرادة والثروة والقرار، كلها في خدمة المشروع الصهيوني. ولم يبقَ من الدول العربية الممانعة لهم سوى ليبيا والسودان، فجُعل لهما حفتر وحميدتي لإشعال الحروب وتنفيذ المخططات الدموية.
لقد بدأ حفتر دوره عندما أُرسل لإعلان الانقلاب على السلطة المنتخبة وتجميد الدستور، وأعانه عملاء الأمريكان من الإمارات وغيرها على تدمير بنغازي وتهجير أهلها واستلاب أملاكهم، وقتل الأوفياء والأئمة وأهل القرآن والصالحين في حرب دموية ذهبت بمئات الآلاف بين قتيل وجريح ومهجّر، وكانت الحرب على بنغازي بأمر من دولة الإمارات التي مدّته بالسلاح والعتاد والطائرات حتى تم له الأمر، ثم سلّطوه على أهل طرابلس في حرب 2019 ولكنه اندحر وعاد يجر ذيول الهزيمة والذل.
السودان نموذجاً مشابهاً
السودان هي الأخرى كانت تصنع سلاحها وكان لها جيش يخشى منه، فأشعلت فيها الإمارات حرباً أهلية لا تبقي ولا تذر، تمزّقها شر ممزق برعاية أمريكية. والمرتزقة المجندون للقتال في السودان يتم تدريبهم في معسكرات حفتر في المنطقة الشرقية، ويُزوّدون بالسلاح والعتاد والأموال المنهوبة من الخزينة الليبية والوقود، لتستمر الحروب التي تطحن النساء والأطفال والمرضى والجياع دون خوف من الله ولا حياء من الناس.
السبب الأول: الرئيس الصهيوني ومشروع السيطرة
يُستهان بصفقة بولس بحجة أن أمريكا منشغلة بأمور أخرى، وهذا غير صحيح لسببين:
الأول: أن رئيس الأمريكيين يصرّح عن نفسه أنه “صهيوني” ولا يُخفي ذلك. وشاهدنا جرائمه الدموية في غزة، حيث قتل عشرات الآلاف من النساء والأطفال والمواليد، وقصف المستشفيات وحرقها بمن فيها من المرضى والطواقم الطبية، وقطع عنهم الدواء والكهرباء ومنع أهلها من الطعام والماء، وحاصرهم ولاحقهم في الشوارع والمدارس والمخيمات.
هو نفسه من استدرج قادة وزعماء العالم العربي والإسلامي إلى شرم الشيخ وجعلهم ضامنين لوقف الحرب قبل ثمانية أشهر، ثم خدعهم جميعاً واستهزأ بهم وبعهودهم وضماناتهم. وسلّمته المقاومة الأسرى وجثث الموتى طواعية وإبداءً لحسن النية، لكن الضامنين صمتوا ولم ينفّذ الكيان شيئاً من الاتفاق، والقتل والقصف متواصل، والقوات تتوسع وتضم نحو 70% من القطاع.
ما دام الرئيس الأمريكي “صهيونياً” كما يقول، فلا يمكن أن يسمح لليبيا بإجراء انتخابات ولا أن تكون دولة ذات سيادة تملك أمرها وقرارها، فقد جُرب ذلك عام 2012 عندما وجدوا السلاح الليبي بعد الثورة في غزة وفلسطين.
صفقة بولس هي لتسليم ليبيا إلى عميل لأربعين عاماً أخرى، بعد التخلص من عميلهم الأول القذافي الذي كان يعرف دوره ويؤديه بإتقان، يسبهم في كل خطاب ويشتمهم لكنه كان يعلم أن المطلوب منه أن تظل ليبيا دولة فاشلة أموالها منهوبة، بلا مؤسسات ولا جيش ولا قرار، تعيش في فوضى المؤتمرات الشعبية واللجان، وهذا يكفي الصهاينة والأمريكان ولا يريدون أكثر منه.
السبب الثاني: الجشع الأمريكي للنفط الليبي
السبب الثاني أن هذا الرئيس مرابٍ شره إلى المال، يقوم كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ، وليبيا فيها ثروات ومخزون من النفط والمعادن، وفي سبيل أن تكون فيها صفقة لشركاته لا يبالي لو بقيت دولة فاشلة مائة سنة، أو أن يقتل فيها حاكم مستبد مائة ألف، فهذا لا يحرّك في نفسه شيئاً ولا يقلقه.
تحذير لأهل ليبيا
على أهل ليبيا نخباً وكتائب ومدنيين رجالاً ونساءً ألا يستهينوا بما يُدبّر لهم، فحكم العسكر المراد من هذه الصفقة سيعيد كل المآسي التي رأوها من قبل: نصب المشانق، والتصفيات داخل البلاد وخارجها، وعودة قانون “من تحزب خان” و”الأرض ليست ملكاً لأحد” إلا له ولأولاده، والتظاهر جريمة عقوبتها الإعدام، واستباحة الحرمات والدماء والأموال.
لا بد للناس أن يستشعروا هذا الخطر الداهم الذي يريده المشروع الصهيوني الأمريكي ببلادهم، فقد تحول الآن إلى الدوائر الرسمية في وزارة الخارجية الأمريكية، وأن يخرجوا بالآلاف معبرين عن رفضهم والتنديد، وأن تكون أيديهم على الزناد لو تطلب الأمر، حفاظاً على حرماتهم وديارهم ووفاءً لشهدائهم ودفاعاً عن النفس والأهل.
رسالة إلى الحكومة
على الحكومة ألا تغتر بوعود الأمريكان في مقاسمة السلطة مع العسكر، فإن حفتر وأولاده لا يقبلون المقاسمة والشركة مع أحد في حكمهم واستبدادهم. ولتعتبر الحكومة بما سبق من حكومات كان حفتر هو من يرعاها مثل حكومة الثني وباشاغا، فهل تم لهم شيء؟ سرعان ما تخلص منها، والعاقل من اتعظ بغيره.
المخابرات الليبية بين التهميش والتسيس
السائل الذي سأل عن تعيين رئيس جديد للمخابرات العامة محق في سؤاله، فهذا المنصب من أهم مناصب الدولة وأمن الدولة متوقف على أداء دوره بالصورة المهنية السليمة، واختراقه يؤدي إلى زعزعة أمن الدولة وتدخل العدو في شؤونها وفساد أمرها.
المخابرات العامة في ليبيا للأسف منذ 2011 لم يُولّ عليها رجل من أبنائها تربى في دوائرها الأمنية وتدرج في رتبها المهنية، ليتوفر لديه الخبرة والكفاية العلمية التي تؤهله لهذا المنصب. أول من تولاها بعد الثورة سالم الحاسي وهو مدني لا علم له بأمرها، وكل من أتى بعده إلى يومنا هذا ليسوا من أبناء المؤسسة ولا ضباطاً من ضباطها، وهذا خلل كبير لا ينصلح به الأمر، لا من حيث النجاح في الدنيا ولا هو بموافق لأمر الشرع.
ضوابط تولي المناصب في الإسلام
المناصب والولايات في الدولة صغرت أو كبرت، من إدارة المدرسة إلى رئاسة الحكومة، نجاحها يتطلب أمرين مطلوبين بالشرع أيضاً:
الأمر الأول: ألا يكون في التولي والتعيين مجاملة لصداقة أو قرابة أو ترضية لأحد أو جهوية أو مناطقية أو عصبية، كل ذلك مذموم من أمر الجاهلية. يجب أن يكون التولي بناء على الخبرة والكفاية العلمية والتأهل للمنصب. فهل يُسند فتح بطن المريض إلى من لا يعرف هذه المهنة، أو تسند المحاسبة إلى فلاح؟ هل من يريد إنشاء ناطحات سحاب يسند تصميمها لغير المهندسين المختصين إلا إذا أراد لها أن تنهار؟
الأمر الثاني: الأمانة والصدق والحفظ، فالخائن لا يولى ولو كان أعلم أهل زمانه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وقال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فذكر شرطي التولي: الحفظ والعلم.
تولي المنصب الأصل فيه ألا يكون بطلب من صاحبه، فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سمرة عندما سأله الإمارة، وقال: «إِنَّا لاَ نُعْطِيهَا مَنْ سَأَلَهَا، وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهَا». لكن يوسف عليه السلام طلبها لأنه حفيظ عليم، ولأن من تأهل لها قد تتعين عليه، فله أن يطلبها صيانة للدين وإقامة للعدل وإصلاح أمر الناس، ولو كان أهل البلاد غير مسلمين، لأن من رسالة المسلم إصلاح أمر الناس وإقامة العدل بينهم.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا ضُيعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قيل: وكيف تضيع الأمانة؟ قال: «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
المصدر
أهم ماورد في حلقة الإسلام والحياة لفضيلة الشيخ د. الصادق الغرياني مفتي عام ليبيا – الأربعاء الموافق 01/07/2026.
اقرأ أيضا
خطة بولس لتقسيم النفوذ في ليبيا: صفقة أمريكية بين عائلتين على حساب الشعب


