هل تصدق أن الدول تموت وهي في أوج قوتها، تضحك وتأكل وتقيم العروض العسكرية؟ وهل تعلم أن روما لم تسقط لأن البرابرة كانوا أقوياء؟ كيف يمكن لدولة تملك النووي أن تخاف من نفق، ودولة تطبع الدولار أن يهددها الفقراء العراة؟ أسئلة تقودنا إلى أعمق سنن التاريخ.
الموت يضحك للدول قبل الأفراد
يقولون إن الموت يأتي على هيئة مرض، وهذا صحيح مع الأفراد. أما الدول، فتموت وهي بكامل صحتها، تضحك، وتأكل، وتُقيم العروض العسكرية.
روما لم تسقط لأن البرابرة كانوا أقوياء
لا تصدقوا أن روما سقطت لأن البرابرة كانوا أقوياء. روما سقطت لأن الرومان تعبوا من أن يكونوا رومانًا. لأن القمح صار أهم من الشرف، ولأن الكولوسيوم صار أقدس من المعبد.
التاريخ له قاعدة لا تتخلف: كل دولة تظن أنها الاستثناء… فتصبح العبرة.
اسألوا بغداد عن هارون الرشيد
اسألوا بغداد عن أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله. كان يخاطب السحابة: أمطري حيث شئتِ فخراجك لي. وكان الغلام في سوق الوراقين يبيع كتابًا بدينارين، فيشتريه جاره بثلاثة ليهديه لابنه.
بغداد نسيت لماذا كانت بغداد
ثم جاء هولاكو. هل كان هولاكو أقوى من الرشيد؟ لا… لكن بغداد كانت قد نسيت لماذا كانت بغداد. صار الفقيه يفتي للسلطان، والشاعر يمدح الجواري، وصار السيف زينة على الجدار. فسقطت، والمكتبة تحترق، والنهر يصير أسود من الحبر.
اسألوا قرطبة منارة الدنيا
اسألوا قرطبة. كانت منارة الدنيا. الشوارع مضاءة، والماء يجري للبيوت، والنساء يبعن العطور في السوق بلا خوف.
الدول لا يقتلها الغزو بل الفرقة
ثم صار كل ملك طائفة يقول: أنا الأندلس. فتقاتلوا، واستعانوا بالعدو على الأخ، فأكلهم العدو جميعًا. الدول لا يقتلها الغزو، يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا.
وانظروا اليوم: أمريكا أقوى من روما
وانظروا اليوم. أمريكا أقوى من روما. تطبع الدولار، وتحرك الأساطيل، وتسمع صوتها في جيب كل مراهق في العالم.
لكن في داخلها: 40 مليونًا بلا طبيب، وخيمة على الرصيف اسمها “بيت”، وجمهوري يرى الديمقراطي شيطانًا. روما سقطت والمصارعون يتقاتلون. أمريكا قد تسقط والسوبر بول شغال.
وإسرائيل: دولة النووي التي تخاف من نفق
وإسرائيل؟ حدثوني عن دولة تملك النووي وتخاف من نفق. تملك القبة الحديدية، ولا تملك قبة أخلاقية تحميها من دعاء مظلوم.
فندق يبحث نزلاؤه عن مخرج
28% من شعبها يبحث عن جواز سفر ثانٍ. هذه ليست دولة، هذا فندق الناس تريد المغادرة منه قبل أن ينقطع النور.
بن غوريون يقرأ نهاية دولته
المقبور بن غوريون قال: “لا دولة يهودية تعيش 80 سنة”. لماذا؟ لأنه قرأ التوراة، وقرأ التاريخ. التاريخ يقول: كل استعمار استيطاني يموت، وكل ظلم له نهاية، وكل قوة بلا عدل هي حطب لنارها.
الدول تسقط يوم تنهزم فكرتها
يا سادة: الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها. تسقط يوم تنهزم فكرتها. يوم يصبح القاضي تاجرًا، والجندي مرتزقًا، والمعلم موظفًا، والوطن فندقًا.
أخلاق السقوط: الظلم قانونًا والصمت حكمة
يوم يصبح الظلم قانونًا، والصمت حكمة، والتصفيق للباطل ذكاء.
القوي لا يسقط لأن عدوه قوي. يسقط لأنه صدّق أنه لن يسقط. فرعون غرق وهو يقول “أنا ربكم الأعلى”. والنمرود مات ببعوضة.
هذه سنّة الله: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
علامات الموت قبل الدفن
فإذا رأيت الدولة تظلم وهي تضحك، وتقتل وهي ترقص، وتدعي الأخلاق وهي عارية… فاعلم أن الطبيب الشرعي قد كتب التقرير، وما بقي إلا دفن الجثة.
والسقوط… لا صوت له.
الخلاصة
خاتمة القول أن سنن الله في الأمم لا تعرف الاستثناء، وأن الدول لا تسقط بسيوف الأعداء بقدر ما تسقط بفساد ضمائرها وانهيار قيمها. روما سقطت لأن الرومان ملوا من أن يكونوا رومانًا، وبغداد احترقت لأنها نسيت لماذا كانت بغداد، وقرطبة تفرقت لأن الملوك رأوا في إخوتهم أعداءً. أمريكا اليوم تمتلك القوة الطاغية لكنها تتفكك من الداخل، وإسرائيل تحمل النووي وترتجف من نفق لأن الدول التي تخلو من الأخلاق تهدم نفسها قبل أن يهدمها عدوها.
المصدر
صفحة أدهم شرقاوي على منصة X بتصرف.


