تصميم صور المنشورات 11 2

كيف يتحول خطأ المجاهدين في الشهر الحرام إلى وسيلة يتخذها الأعداء لتشويه صورة الإسلام؟

وماذا يفعل الله بأوليائه الذين يجتهدون في سبيله فيصيبون تارة ويخطئون أخرى؟

مشهد النزول.. سرية عبد الله بن جحش والقتال في الشهر الحرام

في هذه الوقفة التأملية مع آيات سورة البقرة، نقف على مشهد من مشاهد الدعوة والجهاد، حيث بعث النبي ﷺ سرية بقيادة عبد الله بن جحش، فلم يدر أصحابها أن قتالهم وقع في الشهر الحرام، فأثار المشركون ضجةً كبرى يتهمون فيها المسلمين بانتهاك الحرمات، لتنزل الآيات الكريمة تضع الموازين العادلة، وتقرر أن جريمة المشركين في الصد عن سبيل الله وإخراج المؤمنين من ديارهم أعظم عند الله من خطأ المؤمنين الذي كان عن اجتهاد وتأويل، ثم يختم الله الآية برجاء رحمته ليطيب خواطر المجاهدين ويثبت قلوبهم.

بين خطأ المجاهدين وإجرام المشركين.. الموازين الإلهية

تدبر قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 217-218].

في هذه الآيات دروس وقواعد مهمة يحتاج إليها في الدعوة والجهاد، ومعرفة سبب نزولها يعين على تدبرها واستنباط الدروس منها، فعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “أَنَّهُ بَعَثَ رَهْطًا وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَوْ عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْطَلِقَ بَكَى صُبَابَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ مَكَانَهُ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَقْرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: «لَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى الْمَسِيرِ مَعَكَ» ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ اسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمْعٌ وَطَاعَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَخَبَّرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ رَجُلَانِ وَمَضَى بَقِيَّتُهُمْ، فَلَقُوا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَجَبٍ أَوْ جُمَادَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] الْآيَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصَابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهُمْ أَجْرٌ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]”.

الموازين الإلهية بين هفوات المؤمنين وجرائم الكافرين

من الآية وسبب نزولها نخرج بالدروس والقواعد التالية:

خطأ المجاهدين في بحر حسناتهم

أولاً: المجاهدون بشر يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين، لكن خطأهم ينغمر في بحر حسناتهم، ولذا فالله عز وجل في الآيات السابقات ذكر أن قتلهم في الشهر الحرام كبير؛ لكنهم كانوا يريدون رحمة الله وجنته بجهادهم وخروجهم في سبيل الله، لذا عقب الله عز وجل على هذا الحدث بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]، فسلى عنهم، وطيب خواطرهم؛ بعد أن شنع عليهم بعض المسلمين.

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَمْ يُبَرِّئْ أَوْلِيَاءَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَبِيرٌ وَأَنَّ مَا عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ الْمُشْرِكُونَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِالذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَالْعُقُوبَةِ، لَا سِيَّمَا وَأَوْلِيَاؤُهُ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ فِي قِتَالِهِمْ ذَلِكَ).

شناعات الكفار أعظم عند الله

ثانياً: الحذر من توظيف الأعداء الكفرة والمنافقين الحديث عن أخطاء الدعاة والمجاهدين؛ وإعلانها في الشماتة بهم؛ والتنفير من الجهاد وأهله.

الحذر من توظيف الأعداء لأخطاء المجاهدين

ثالثاً: ولقطع هذا التوظيف نرى في الآية الكريمة أن الله سبحانه عند ما ذكر أن القتل في الشهر الحرام كبير؛ أتبعه بالتشنيع على الكفار وما يقومون به من العدوان والشرك والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أشنع وأعظم جُرماً من خطأ المجاهدين.

ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على هذه الآية بقوله: (لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل، وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه لتشويه موقف الجماعة المسلمة؛ وإظهارها بمظهر المعتدي.. وهم المعتدون ابتداءً، وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداءً.. هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزناً، ولا يتحرجون أمام المحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجوهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام، ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم المحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: أنظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام).

دروس معاصرة.. مكيال الكفار المزدوج وفضح إجرامهم

رابعاً: على الدعاة والمجاهدين اليوم أن يَعوا هذه الآية ولا ينطلي عليهم خداع الكفار وتلبيسهم بتضخيم أخطاء المجاهدين ونشرها، وإهمال الشنائع التي يقوم بها أولئك الذين يقتلون الأطفال والنساء والرجال، ويحتلون بيوتهم وديارهم، ولا يرون ذلك خطأ ولا عدواناً ولا حرمة ولا إرهاباً، فإذا قام المجاهدون بدفعهم والدفاع عن ديارهم وأموالهم وقتلوا من هؤلاء الخنازير من قتلوا؛ مشوا وقالوا عنهم بأنهم إرهابيون ودعاة عنف، وما اعتداءات الأمريكان على أهلنا في أفغانستان والعراق وحروب الإبادة التي يقوم بها اليهود في غزة وغيرها بدعم أمريكي عنا ببعيد، فهي أكبر شاهد على إجرام الأعداء؛ وكيلهم بمكيالين حسب أهوائهم.

لذا ينبغي فضحهم وتعريتهم بكل وسيلة ممكنة.

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة البقرة (4)

تدبرات وهدايات من سورة البقرة(5)

تدبرات وهدايات سورة البقرة (6)

تدبرات وهدايات سورة البقرة (7)

التعليقات معطلة