الاقل سوءا

هل يمكن أن يعود التاريخ نفسه بعد ربع قرن، بنفس الوجوه ونفس المنطق ونفس النتائج؟ وكيف منح 95% من المصوتين العرب في إسرائيل أصواتهم لإيهود باراك عام 1999، على أساس أنه “أقل سوءًا” من نتنياهو، ثم جاءت الانتفاضة الثانية على عهده لتسقط آلاف الشهداء والجرحى؟ وهل كان باراك “الأقل سوءًا” فعلًا، أم أنه كان الأكثر دموية كما كشفت الوقائع؟ ولماذا يُعاد اليوم تسويق أيزنكوت بالمنطق نفسه، مع تجاهل تاريخه العسكري ودوره في مجلس الحرب على غزة؟

ذكرى لقاء الجزيرة عام 1999

سياق الانتخابات الإسرائيلية

لا أزال أذكر ذلك اللقاء الحواري على قناة الجزيرة عام 1999، عشية الانتخابات الإسرائيلية، حين احتدمت المنافسة بين بنيامين نتنياهو، ممثل الليكود ورئيس الحكومة منذ عام 1996، وإيهود باراك، مرشح حزب العمل آنذاك. وقد جرت تلك الانتخابات وفق نظام “الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء”، إذ كان الناخب يصوت لرئيس الحكومة بصورة منفصلة عن تصويته لقائمة الكنيست.

استضافة الشيخ كمال خطيب وغازي السعدي

يومها، استضافت الجزيرة فضيلة الشيخ كمال خطيب للحديث عن موقف المقاطعة، إلى جانب شخصيات أخرى، لا أذكر منها إلا غازي السعدي من الأردن، الذي قُدم باعتباره خبيرًا وباحثًا بارزًا في الشؤون الإسرائيلية. وبحسب ما أذكر، هاجم السعدي الشيخ كمال خطيب، وطالبه بحرقة بأن يكون “على قدر المسؤولية”. وخُيّل للمشاهد، من كلامه، أن الشيخ وما يمثله من تيار لا يحسنان فهم الواقع، وأن المسؤولية تقتضي دعم باراك باعتباره “أقل سوءًا” من نتنياهو، وأنه سيكمل مسيرة السلام التي بدأها رابين، إلى آخر هذه التبريرات التي تتكرر عشية كل انتخابات.

تغييب تاريخ باراك الدموي

أما تاريخ باراك العسكري والدموي، فلم يكن حاضرًا في ذلك الخطاب، وكأن الرغبة في إزاحة نتنياهو تكفي لمحو هذا التاريخ أو تعطيل دلالاته.

نتيجة الانتخابات ومفارقة “الأقل سوءًا“

95% من العرب صوتوا لباراك

وجرت انتخابات عام 1999، وبلغت نسبة مشاركة العرب في الداخل نحو 75%، ومنح نحو 95% من المصوتين العرب أصواتهم لباراك في انتخابات رئاسة الحكومة، على أساس أنه أقل ضررًا وسوءًا من نتنياهو. وساد يومها ارتياح لفوزه وتوليه رئاسة الحكومة.

اقتحام شارون للأقصى والانتفاضة الثانية

لكن في نهاية أيلول 2000، وفي عهد حكومة باراك، اقتحم شارون المسجد الأقصى بحماية الشرطة، وأعقبت ذلك مواجهات واندلاع الانتفاضة الثانية، التي سقط خلالها آلاف الشهداء والجرحى الفلسطينيين. وفي هبّة القدس والأقصى في تشرين الأول من العام نفسه، قتلت الشرطة الإسرائيلية 13 شهيدًا. وهكذا، أعادت الوقائع التذكير بتاريخ باراك العسكري ودمويته، وبحدود الرهان على الجنرال “الأقل سوءًا”.

إعادة تسويق السيناريو نفسه مع أيزنكوت

تقديم أيزنكوت كـ”أقل سوءًا“

واليوم، يُعاد تسويق السيناريو نفسه على ألسنة بعض الأصوات الفلسطينية والعربية، (وهنا لا أتحدث عن أصوات الداخل الفلسطيني). فقد بات أيزنكوت يُقدم وكأنه الحل الأقل ضررًا وسوءًا، مع تجاهل تاريخه العسكري ودوره في الحرب على غزة، وهو الذي كان من أبرز أعضاء مجلس الحرب المصغر منذ تشكيله في بدايتها، وشريكًا في قراراتها.

تفهم الغريق الذي يتعلق بقشة

صراحة، أتفهم أن الغريق يتعلق بقشة، وأن من أنهكته الأوجاع قد يقبل بأي دواء يرجو منه تخفيف ألمه، مهما اشتدت مرارته. لكن ما لا أتفهمه هو هذا الإصرار على توجيه السهام إلى مجموعة واحدة، وكأنها تملك الحل والربط، وبيدها وحدها تخفيف معاناة الفلسطينيين، وأهل غزة خاصة.

لماذا تُعفى الأنظمة من المسؤولية؟

السؤال المحوري

والسؤال هنا: لماذا لا تُوجه هذه السهام إلى الأنظمة العربية والإسلامية، وخاصة تلك التي تقيم علاقات مع إسرائيل؟ لماذا لا تُطالَب باستخدام علاقاتها وأوراق الضغط التي تملكها للتخفيف عن أهلنا في غزة؟ ولماذا لا تُحمل مسؤوليتها عن مواقفها وتقاعسها، بينما يُلقى هذا العبء على ثلة قليلة لا تملك من أدواتها إلا الكلمة والموقف والصوت؟

حال الثلة القليلة

وحال هذه الثلة كحال كثير من الفلسطينيين في الداخل، يأكل الخجل وجوههم لعجزهم عن تقديم العون لأهلهم في غزة، ولو على مستوى المساعدات الإنسانية. ونحن نعترف بهذا العجز بكل صراحة، ونشعر بمرارته وثقله.

فهل أصبحت هذه الثلة المقاطعة وحدها مسؤولة عن بقاء نتنياهو وعن استمرار معاناة أهل غزة، فيما يُعفى الجميع من المسؤولية؟

ما أشبه اليوم بالبارحة

تكرار المنطق والوجوه

نعم، ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه أيزنكوت بإيهود باراك، وما أشبه تاريخ كل منهما العسكري والدموي بتاريخ الآخر، وما أشبه منطق المحلل الأردني غازي السعدي آنذاك بمنطق بعض الأصوات الفلسطينية والعربية اليوم، منها ما ينطلق من حرقة صادقة على أهلنا، ومنها ما يروّج لأجندة الإمارات ومشاريع “الاتفاقيات الإبراهيمية”.

خاتمة

فيا من اخترتم المقاطعة انطلاقًا من مسؤوليتكم تجاه الهوية والانتماء، اثبتوا على الجبل الذي اخترتم الوقوف عليه، ولا تنزلوا عنه استجابةً للتخويف أو تحت ضغط الاتهام.

وليكن ثباتكم مقرونًا بالعمل وبناء البدائل ومراجعة التجربة، فالمقاطعة موقف نتحمل مسؤوليته، كما يتحمل المشاركون مسؤولية خيارهم. وهي حق سياسي لا يسقط لأن أصحابه أقلية، ولا يتوقف على امتلاك حلول مكتملة لكل ما عجز مسار المشاركة عن معالجته. واختلاف الخيارات لا يمنح أحدًا حق مصادرة موقف الآخر، ولا يجعل المقاطعين مسؤولين عن كل إخفاق في مسار المشاركة.

المصدر

صفحة ساهر غزاوي، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

التصويت في انتخابات الكنيست بين الدعوى الشرعية والاعتزال الواجب

التعليقات معطلة