كيف انقلب الفكر السياسي الإسلامي من منهج الشورى والتعددية إلى نزعة استبدادية تبحث عن “مستبد عادل”؟ ولماذا يفتخر البعض اليوم بـ”الأموية” بينما ينفرون من الاستشهاد بالراشدين وقيمهم، متهمين إياهم بالمثالية؟ وكيف يمكن لشعبٍ ذاق مرارة الاستبداد أن يهون عليه التضحية بحريته في مقابل جرعة من التقدم يعد بها “البطل المنقذ”؟ وماذا لو جاء الإسلاميون بحكم أوتوقراطي مغلف بالدين، فأثبتوا صحة مخاوف خصومهم؟
ظاهرة انتكاس الفكر السياسي الإسلامي
الفكر السياسي الإسلامي شهد عبر مراحل من تاريخه حالةً من الانتكاس والتراجع من أسبابها:
تنامي تيار رفض التعددية والدعوة إلى “المستبد العادل”
من يتابع الخطاب الإسلامي في السنوات الأخيرة، وخصوصا بعد خيبة ثورات الربيع العربي، سيلاحظ تناميًّا لتيّار فكري في أوساط الشباب تحديدًا يرفض التعددية السياسية وينادي بما يشبه “المستبدّ العادل”، ويرى أنّ تفويض الأمر للمجموعة “الإسلامية” التي وصلت إلى السلطة من باب أنها “أعلم بالمصلحة” هو الخيار المناسب.
وأن التعددية السياسية ونشوء الأحزاب سوف يفضي إلى التفرّق، ولا يمانع من الافتخار بـ “الأموية” في الوقت الذي ينفر فيه من الاستشهاد بالراشدين وقيمهم وطرائق حكمهم بدعوى “المثالية” وما شابه ممّا كنا نسمعه من الخطاب العلماني!
وما أشبه اليوم بالبارحة
وما أشبه اليوم بالبارحة! فقريب من هذا ما كان يحدث في أجواء الثلاثينيات والأربعينيات، وخصوصا في مسألة التعددية والأحزاب.
ولهذا أحثّ الشباب دائمًا على قراءة تجاربنا الحديثة، وكتابات الدعاة والعلماء والمفكّرين التي كتبت في القرن الماضي، وذلك حين لاحظت انكبابًا منهم على كتب فكرية إسلامية ألّفها أصحابها في آخر عقد أو عقدين، معظم أصحابها من نتاج بيئة “ملكية” لا تعرف الممارسة السياسية ولا تعترف بحقّ الأمة. هذا مع الجهل شبه التام بكتابات كبار رجال العمل الإسلامي والفكر والدعوة.
مقتطفات من تحذير الشيخ عبد المجيد الشاذلي
هذه المقتطفات تستعرض جانبًا من تحذيرات الشيخ عبد المجيد الشاذلي من التطلع لنظام الحزب الواحد والتضحية بالحرية.
التطلع إلى نظام الحزب الواحد والمستبد المستنير
يقول الشيخ: “إنّ الناس كانوا يتطلعون إلى نظام الحزب الواحد، ويفرّطون في حريتهم من أجل استقرار الحكم. وكان دعاة هذا التوجه يقولون: لا نريد أحزابًا ولا صراعات على السلطة، بل نريد حزبًا واحدًا وحكمًا مستقرًا و«مستبدًّا مستنيرًا»، ويستشهدون بما فعله هتلر والنظام النازي نموذجًا لما يستطيع الحكم المركزي القوي إنجازه.
وانتشرت القمصان الخضراء والزرقاء والسوداء، وفرق الجوالة والكشافة والروح العسكرية، وأصبح الجميع يتطلع إلى إقامة حكم ديكتاتوري يقوده «المستبد المستنير». وكانوا يستحضرون لهذا المعنى نماذج مختلفة، كهتلر ومحمد علي وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، بحسب تصوراتهم الخاصة.
التضحية بالحرية من أجل الاستقرار والتنمية
وكانوا يرون أن «المستبد المستنير» يعني تركيز السلطة واستقرارها حتى تتمكن من إنجاز المشروعات؛ لأن الحكومات المتعاقبة لا تكاد تمكث شهرين أو ثلاثة حتى ترحل، ثم تأتي حكومة أخرى فتلغي مشروعات سابقتها. ولذلك رأوا أن مشروعات التنمية تحتاج إلى استقرار الحكم، وأن استقرار الحكم والوحدة الوطنية لا يتحققان إلا من خلال الحزب الواحد.
ولم يكن الناس مقتنعين بالحزب الواحد في ذاته بقدر ما كانوا ينتظرون «البطل» الذي سيحل جميع المشكلات؛ وهو ما كان الرافعي يسميه «الرجل الإلهي»، بينما سماه آخرون «المستبد المستنير» أو «المهدي». وكان وصف «المستبد المستنير» مستمدًّا من تاريخهم القريب مع محمد علي.
تهيئة الشعب للحكم الفردي وعبادة الفرد
وهكذا أصبح الشعب مهيّأً للحكم الفردي وعبادة الفرد وأسطورة البطل، وللحكم العسكري والتوجه النازي ومصادرة الحريات وتركيز السلطة في يد شخص واحد. وكان مستعدًّا لأن يضحي بحريته في مقابل جرعة من التقدم، يحصل عليها من خلال نظام قوي مستقر، يقوم على الحزب الواحد ويفرض قبضته الحديدية على الشعب”.
التبعية والفساد والفراغ السياسي
تعرَّض الشيخ عبد المجيد الشاذلي للأسباب التي أدَّت إلى التبعية والفساد والفراغ السياسي، وبيَّن كيفية علاجها.
الاغتراب ناتج عن فراغ عقيدي وخلل في المفاهيم
وفي موضع آخر يتحدث الشيخ عن التبعية والفساد والفراغ السياسي فيقول: “إن التبعية والفساد اللذين نعانيهما ناشئان عن وجود ما يسمى «الفراغ السياسي»، وهذا الفراغ ناتج عن الاغتراب، والاغتراب ناشئ بدوره عن فراغ عقيدي أو خلل في المفاهيم، يصاحبهما ضعف المشاركة وفقدان الهوية وانتشار التشيع والافتراق.
وهذه الأمور مترابطة؛ فضعف المشاركة ووجود التشيع يُحدثان اغترابًا حتى مع بقاء الهوية، فإذا اجتمع إليهما فقدان الهوية أصبح الاغتراب عميقًا جدًّا.
الخروج من الاغتراب بتصحيح المفاهيم وإيجاد الهوية والمشاركة
ولكي تخرج الأمة من هذا الاغتراب، لا بد من إيجاد الهوية، وإيجادها مرتبط بتصحيح المفاهيم. ومن ثم لا بد من تصحيح المفاهيم، وإيجاد الهوية، وتحقيق المشاركة، ونفي التشيُّع والشيَع.
ولا يعني نفي الشيَع إقامة نظام الحزب الواحد؛ لأن الحزب الواحد نفسه شيعة، تقوم على عبادة فرد واحد والتشيع له دون سائر أهل الحل والعقد في الأمة. وإنما يتحقق نفي التشيع بوجود أهل الحل والعقد، واجتماع الأمة على ما يجتمعون عليه، لا على فرد واحد، ولو كان هذا الفرد هو الإمام.
الإمام وأهل الحل والعقد.. شراكة لا تفرد
فلا بد من احترام أهل الحل والعقد إلى جانب الإمام، وأن يحترم هو آراءهم، ويجتمع معهم، ويتصل بالأمة من خلالهم، ويجمعها خلفه بوساطتهم. وبهذا يُنفى التشيع، كما كان الحال في عهد الشيخين.
أما اجتماع الأمة على رجل واحد دون سائر أهل العقل والنُّهى والرأي السديد، فهو في ذاته تشيّع، بل من أفحش أنواعه؛ لأنه يتحول إلى عبادة للفرد، وينتهي إلى الاغتراب وإحداث فجوة بين الحاكم والمحكوم.
تعدد أطر العمل لا تعدد أطر الولاء
كذلك فإن نفي التعدد في أطر العمل يؤدي إلى اغتراب عميق؛ لأنه ينفي مشاركة الأمة، ومشاركة الأمة لا تتحقق إلا من خلال أطر متعددة ومتنوعة.
ولذلك لا يكون الخروج من الاغتراب إلا بتحقيق المشاركة عن طريق تعدد أطر العمل، لا تعدد أطر الولاء والانتماء. فالولاء والانتماء والهوية واحدة، أما أطر العمل فمتعددة ومتنوعة. وهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، تتحقق به المشاركة من غير تشيع لفرد أو لمجموعة من الأفراد”.
مشاركة الأمة بعد التمكين
رؤية الشيخ عبد المجيد الشاذلي لدور الأمة في مرحلة ما بعد التمكين.
المشاركة لا تنتهي بإحداث التغيير
وقال رحمه الله عن مشاركة الأمة بعد التمكين: “لا تكتمل مشاركة الأمة بمجرد أن يكون لها دور في التغيير، بل لا بد أن تستمر مشاركتها بعد التمكين. فإذا شاركت الأمة في إحداث التغيير، لم يجز بعد ذلك أن يقال لها إن الشورى مُعلِمة غير مُلزِمة، ثم يُقام حكم قَبَلي أو جَبّارية أو مُلك عَضوض ويُسمّى ذلك حكمًا إسلاميًّا كما وقع في القرون الإسلامية المتأخرة.
فمثل هذا المصير يصيب الأمة بالإحباط من النتائج التي ترتبت على مشاركتها، ويحقق ما يحذرها منه العلمانيون.
تحذير الشيخ من حكم أوتوقراطي مغلف بالدين
فهم يقولون إن التوجه الديني سيأتي بحكم أوتوقراطي، دكتاتوري نازي، متغلف بغلاف ديني، يصادر الحرية كما يصادرها الحكم العسكري؛ وإن العلمانية هي الطريق إلى الحرية، بينما يؤدي الحكم الديني إلى سلبها.
وهذا هو المعنى الذي كتبه توفيق الحكيم في أواخر حياته، في رسالته التي نشرها في الأهرام ووجهها إلى لويس عوض؛ إذ عبّر عن خوفه على العلمانية، ورأى أن التوجهين الديني والعسكري يلتقيان في مصادرة الحريات. وعدّ العقاد علمانيًّا من جهة قيام موقفه على حرية الفكر والديمقراطية ورفض الجبر، أي رفض إجبار الناس على آراء لا يريدونها.
شرعية الضرورة مقابل الشرعية المستقرة
ومن هنا، لا بد من العودة إلى الشرعية المستقرة، لا إلى شرعية الضرورة.
والشرعية المستقرة تعني:
- أن تكون البيعة حرة.
- أن يأتي الإمام بشورى المسلمين، لا بمُلك عَضوض، ولا بجَبّارية، ولا بالتوارث.
- أن يوجد أهل الحل والعقد، مستوفين شروط اختيارهم ومتمتعين بحقوقهم؛ فحقوقهم هي الشورى والحسبة والاختيار والعزل، وشروط اختيارهم هي الكفاءة والعدالة والتمثيل.
المرجعية العلمية مجلساً لا رجلاً واحداً
أن يوجد أهل النظر والاجتهاد، وألا يصدر الإمام – فيما يتعلق بالشرع – إلا عن رأيهم؛ لأنهم أعلى مرجعية علمية قائمة.
أن تكون المرجعية العلمية مجلسًا، لا رجلًا واحدًا كما عند الشيعة، وأن يكون رأي الأغلبية في هذا المجلس هو المرجعية العلمية الشرعية؛ فهذه طريقة أهل السنة، خلافًا لطريقة الشيعة. وهكذا تكتمل مشاركة الأمة: تشارك في التغيير، ثم تظل شريكة بعد التمكين”.
استشراف الشيخ ودروس للمستقبل
اللافت في كلام الشيخ وهو في منتصف التسعينيات أنه استشرافي، فهو لا يكتفي بنقد الاستبداد العلماني والعسكري بل يحذّر صراحة من أن يأتي الإسلاميون بحكم أوتوقراطي مغلف بالدين، ويقرّ بأن تخوف خصومهم يصبح له أساس من الحقيقة إذا لم تُربَّ الكوادر على المشاركة ونفي التعصب.
كذلك تمييزه بين مشاركة الأمة في التغيير ومشاركتها بعد التمكين متقدم جدًا، فكثير من الحركات تستدعي الجماهير للوصول ثم تعتبرها بعد الوصول عبئًا، وتعود إلى القول بأن الشورى غير ملزمة أو أن القيادة أدرى بالمصلحة.
أما الشيخ رحمه الله فقد كان يرى في ذلك خيانة لمفهوم الإحياء نفسه، وأن البيعة يجب أن تكون حرة، وأن للأمة حق المشاركة والمحاسبة والعزل.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
الطريق إلى إقامة الشريعة في ظل الهيمنة الدولية
التصوّرات السياسية الإسلامية الحديثة: ثلاثة مستويات لتغيير النظام الحاكم


