انتخابات

هل التصويت للأحزاب العربية في انتخابات الكنيست “واجب شرعي”؟ ومن قال ذلك، هل أصاب أم أخطأ خطأً فادحًا وتقوّل على الشرع فأوجب ما لم يوجبه الله تعالى؟ وهل مجرد الذهاب إلى صندوق الاقتراع يعني أن المرء قام بواجبه؟ وكيف دلّت تجارب عقود ماضية على أن هذا الطريق مسدود لا يغيّر شيئًا؟

خطأ الدعوى إلى وجوب التصويت

  • تقوّل على الشرع

الذي يقول إن التصويت للأحزاب العربية في انتخابات الكنيست “واجب شرعي” أخطأ خطأ فادحًا، وتقوّل على الشرع فأوجب ما لم يوجبه الله تعالى.

  • الجهل السياسي الفظيع

والأخطر أنه ينطلق من جهل سياسي فظيع، فإذا كان الواجب هو تغيير الحكومة اليمينية بأخرى أخف وطأةً كما يقال، فليدعُ إلى التصويت لبينيت أو أيزنكوت، أي إلى منافسي نتنياهو مباشرة، فهذا أجدى وفق نظام الانتخابات! دع عنك أن تجارب عقود ماضية دلّت على أن هذا طريق مسدود لا يغيّر شيئًا، وأنه ساحة للانتفاع الحزبي والنضال الوهمي.

مفهوم الاعتزال السياسي بين الفهم المغلوط والحقيقة الشرعية

  • وصف الاعتزال بالسلبية

ومن الأفكار المغلوطة الشائعة بين الناس وصفهم “الاعتزال السياسي” أو “المقاطعة” لانتخابات الكنيست بالسلبية وعدم الفعل، ويحسبون أن مجرد ذهاب أحدهم إلى صندوق الاقتراع يعني أنه قام بواجبه!

  • النقد والإنكار فعل شرعي

وكما أن كثيرًا من الناس يظنون “النقد” أو “الإنكار” أمرًا مذمومًا، بينما هو فعل شرعي من صلب رسالة الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران:110]، فكذلك الأمر قد يكون اعتزال الأوضاع السياسية الحاكمة نوعًا من العمل الشرعي الواجب.

الأدلة الشرعية على مشروعية الاعتزال

  • حديث أبي هريرة: “لو أن الناس اعتزلوهم”

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُهلك الناسَ هذا الحيّ من قريش». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم»1(1) أخرجه البخاري (برقم 3604) ومسلم (برقم 2917)...

  • حديث كعب بن عجرة: “فمن غشي أبوابهم”

وعن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنها ستكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه، وليس بواردٍ عليّ الحوض، ومن لم يصدّقهم بكذبهم ويعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ عليّ الحوض»2(2) أخرجه أحمد (18353).. وفي رواية: «فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض»3(3) سنن الترمذي..

  • القياس على الأوضاع الأسوأ

فهذه الأحاديث وأمثالها وردت في دول مسلمة، ولكنها كانت تمارس الظلم والجور، فأُمر الناس باعتزالها، مع العمل على الدعوة والتغيير المجتمعي، فكيف بأوضاع أسوأ من هذه؟! كيف يصلح أن نغشى أبوابها وأن يصبح الائتلاف معها أو دعم إحدى الحكومات مقصدًا لنا؟!

فوائد الاعتزال السياسي

  • تجنب إضفاء الشرعية على أوضاع جائرة

الواقع أن الاعتزال هو “فعل” سياسي مهم جدًّا، فمن فوائده: تجنّب إضفاء الشرعية على أوضاع جائرة، وأن يألف المسلم منظومة هذه الأوضاع ومعاييرها، وهو الملاحَظ على معظم من يمارس اللعبة السياسية في الكنيست، وقد عرضت قبل أيام نموذجًا لم يمض سنوات على خوضه، فإذا به يأتي بالطوام على مستوى الممارسات والتصريحات والمواقف والخطاب، فهناك تمييع يحدث تدريجيًّا.

  • تجنيب الناس اتخاذ الرؤوس الجهّال

ومن فوائد الاعتزال تجنيب الناس اتخاذ الرؤوس الجهّال الذين يتسابقون في مضمار الكنيست وهم يحملون أفكارًا علمانيّة بعيدة كل البعد عن الدين، بل يحمل بعضهم مشاريع تضرّ بمجتمعاتنا، فهم بين متعلمن يحمل شعار الإسلام، أو شيوعي أو قومي علماني محض. وما زلت أذكر تلك المرأة من حزب عربي قومي التي اقترحت مشروعًا في الكنيست لرفع سنّ الزواج بسبب انتشار الزواج المبكّر المبارك بين المسلمين. فهؤلاء – كلهم بلا استثناء – قوم يبعدوننا عن قيمنا الراسخة، وجعْلهم رؤوسًا وقيادات فيه خطر على المجتمع.

  • تجنيب الناس إهدار أوقاتهم في أحلام فارغة

ومن فوائد الاعتزال أيضًا تجنيب الناس إهدار أوقاتهم في أحلام فارغة حول “التغيير من الداخل” في نظام صهيوني لن يسمح لأقلية تملك بضع مقاعد في الكنيست بتغيير أهدافه وغاياته، بل سيتمكّن بما يمتلك من أدوات وخبرات وموارد وقدرات من تمييعها وتدجينها مع السنوات كما حدث وما زال يحدث. وحين يقطع الناس الأمل من هذا الباب الوهمي ينصرفون إلى العمل التربوي والدعوي والمجتمعي النافع المجدي.

المفارقة في معالجة مشكلة العنف

  • حلول وهمية

ومن المفارقات المضحكة المؤلمة، أنّ الناس يضعون مشكلة العنف في المجتمع العربي على رأس الأولويات، ويتّهمون الحكومات الصهيونية المتتابعة بالتقصير والتسبب في تفاقم هذه الأزمة، ثم يكون مشروع هؤلاء المرشّحين هو حثّ هذه الحكومات على إيجاد حلول لمشكلة العنف!

  • الحل الواقعي: تغيير قيمي

والواقع أنّ مشكلة العنف لا يمكن الحدّ منها إلا بتغيير قِيَمي يتأسّى بطريق الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتربية، فحين يكون للشباب الصغير هدف ورسالة دعوية ثقيلة يحملها، فإنّ هذا خير صارف له عن الانخراط في منظومات الإجرام التي تولّد العنف. لكنّ الناسَ صُرفوا عن هذا الحلّ الواقعي الواضح أو انصرفوا عنه في دنيا الاستهلاك ليلاحقوا أوهام المطالبات وصرف المخصصات المالية وبناء المرافق الحكومية وما شابه من حلول وهمية!

سلامة القلب وخطر الانسلاخ التدريجي

  • حكمة الاعتزال

حين يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم باعتزال الأوضاع السياسية الجائرة حتى لو كانت مسلمة؛ فلا بدّ أن يكون ذلك لحكمة، وعلى رأس ذلك سلامة قلب الإنسان، إذ يصعب الانخراط في مثل هذه المنظومات السياسية مع الحفاظ على ميزان القيم والمواقف سليمًا؛ لأنّ المفردات والقواعد التي تعمل بها تلك المنظومة تجعل الإنسان ينسلخ من جلده شيئًا فشيئًا، ويصل إلى مرحلة يفقد فيها كثيرًا من مبادئه، مع ظنّه أنّه يُحسن صنعًا!

  • الأخسرون أعمالًا

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[الكهف:103].

الهوامش

(1) أخرجه البخاري (برقم 3604) ومسلم (برقم 2917)..

(2) أخرجه أحمد (18353).

(3) سنن الترمذي.

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

انقلاب تاريخي” ضد الهيمنة الإسرائيلية على مراكز الحكم الأمريكية

التعليقات معطلة