كيف يمكن لمصطلحات معاصرة مثل “امرأة أعمال” أن تُسقط على السيدة خديجة رضي الله عنها، فنحذف الفروق الهائلة بين واقعها المبارك وواقع اليوم؟ وكيف يمكن لطلب العلم في بيت النبوة أن يُسقط على واقع التعليم المختلط في الجامعات العلمانية؟ وقفةٌ مع أخطر وسائل التلبيس المعاصرة، التي تحذف السياقات وتعمي الفروق، وتجعل من النماذج الإسلامية المباركة أدوات لتبرير واقع يختلف عنها في جوهره ومنطلقاته.
أسلوب الإسقاط التاريخي مع حذف الفروق الموضوعية
انتبه يا مسلم.. من أعظم أساليب التلبيس التي تمارَس اليوم: أسلوب الإسقاط التاريخي مع حذف الفروق الموضوعية بين الواقعين، الماضي والحاضر.
بل هذا الأسلوب قد تمارسه أنت نفسك فتقع في المغالطات والتلبيس.
النموذج الأول.. السيدة خديجة و”امرأة أعمال“
أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: كانت من الأغنياء، وكانت تشرك الرجال في العمل في تجارتها. كل هذا صحيح من الناحية التاريخية، وقد كان ذلك منها رضي الله عنها قبل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. يأتي المغالطون اليوم فيقولون: لقد كانت خديجة “امرأة أعمال”، إذن المسلمة اليوم يمكن أن تقتدي بخديجة في الانطلاق في العمل.
لكن أين سر المغالطة؟ إنه يكمن في كلمة “امرأة أعمال”، فهذا المصطلح معاصر، وهو يشير إلى أن هذه المرأة رئيسة ومديرة شركات وأعمال مختلفة في مناطق شتى، لديها حضور يومي أو شبه يومي إلى الشركة الأم مثلا، ولديها لقاءات أسبوعية أو شهرية مع كبار المساعدين، إضافة إلى المساهمين في شركاتها، وأيضا تسافر دوليا لعقد صفقات ولقاءات. فهل هذا ينطبق على خديجة رضي الله عنها؟ حاشا أن تكون كذلك قد نزّهها الله تعالى من لوثة “امرأة أعمال” بالاصطلاح المعاصر. فكما ترى، فقد أسقطوا مصطلحا معاصرا على حدث ماض في التاريخ مع حذف الفروق الهائلة بين الواقعين.
النموذج الثاني.. السيدة عائشة وطلب العلم
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كانت من الفقيهات العالمات، ولها مشاركات مهمة في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك. كل هذا صحيح تاريخيا. يأتي المغالطون اليوم فيقولون: لقد كانت عائشة “عالمة وفقيهة ومحدثة”، إذن المسلمة اليوم يمكن أن تقتدي بعائشة في طلب العلم في الجامعات داخليا وخارجيا، فطلب العلم قيمة عظيمة في الإسلام.
لكن، أين سر المغالطة؟ إنه يكمن في إسقاط واقع التعليم اليوم على واقع عائشة رضي الله عنها. عائشة حصّلت العلم في بيتها مباشرة من زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل خرجت وسافرت لتحصيل العلم؟ الجواب لا، قد نزّهها الله تعالى من ذلك، ولم يكن ذلك شأن “طالبات العلم” في العصور السالفة.
الفروق بين واقع عائشة وواقع التعليم اليوم
أما اليوم فالطالبة تعيش في واقع علماني/جاهلي، ونظام تعليم علماني/جاهلي، ويجب عليها رغما عنها أن تختلط بالشباب عبر مراحل الدراسة، مع الخروج اليومي، إلى حين التخرج النهائي، وقد يذهب بها هوس دعوى التحصيل العلمي لتسافر إلى مدن أو مناطق أخرى. فهل كانت عائشة رضي الله عنها وغيرها كذلك؟ بل وهل يمكن تصور أن فتاة ممتلئة شبابا وحيوية وتفيض بالغرائز المختلفة أن تبقى بمنأى عن التأثر بهذا الخروج اليومي والدراسة والاختلاط؟ لا يمكن، اللهم إلا ما تبذله البعض من جهود نفسية للحفاظ على أنوثتهن من التلوث الناتج عن الخروج والاختلاط.
قياس على النموذجين.. الخوارج والاعتزال السياسي
ولكي لا أطيل: يمكن أن تقيس على هذا، قضية الخوارج (الخوارج كانوا في واقع إسلامي شرعي، أما اليوم فنحن في واقع علماني يحارب الشرع بضراوة وبكل الأساليب الناعمة والشرسة، فمن الخيانة لله ولرسوله وللأمة ولأجيال القادمة إسقاط مصطلح الخوارج وواقع الخوارج قديما على الواقع القائم اليوم).
قضية الاعتزال السياسي
ويمكنك أيضا ذكر قضية الاعتزال السياسي، فقد اعتزل بعض الصحابة والتابعين واقع الفتنة السياسية التي وقعت في ذلك العصر، لكن ما هي منطلقاتهم؟ وما هو واقعهم؟ أما اليوم فالقضية ليست صراعا بين قطبين إسلاميين شرعيين كما كان في الماضي، رغم أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ، وإنما القضية اليوم أنك تعيش في واقع علماني جاهلي يستغل سلطته ووسائلها في محاربة الشرع، وتزييف وعي الأجيال، وسلخ الشباب عن هويتهم الإسلامية.
فك الارتباط بين الدين والواقع.. إسقاط تاريخي كبير
ويمكنك أيضا ذكر قضية فك الارتباط بين الدين والواقع عند العلمانيين (المصطلح الشرعي: المنافقين نفاقا أكبر مخرجا من الملة)، فقد قاموا بإسقاط واقع الكنيسة والمجتمع الأوروبي على واقع المسلمين، ليقولوا: يجب إبعاد الإسلام عن الحياة والشرع عن القوانين، بدليل أن الكنيسة لما كانت لها السلطة كان الظلم والتخلف، فلما انفصل الدين عن السياسة والحكم والمجتمع قفزت أوروبا إلى الحضارة الزاهرة. دون أن يذكروا أن ازدهار أوروبا كان على حساب ملايين الناس في العالم الذين مارست عليهم الإبادة، والنهب والسرقة لثرواتهم وخيرات بلادهم، ودمرت ثقافتهم وهويتهم التاريخية.
المصدر
صفحة نورالدين قوطيط، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
محمد سليم العوّا: العلمانية في ثوب “إسلامي”
شؤون الدنيا للحكام، وشؤون الآخرة للعلماء! (3-3)..الاحتجاج بحديث «أنتمْ أعلم بأمر دنياكمْ»


