هل تساءلت يوما لماذا لا تهزم الأوبئة وحدها الأجساد، بل يهزمها انهيار جهاز المناعة؟ وإذا كان الجسد لا يحتاج إلى وباء عظيم ليرديه صريعا إذا انهار جهاز مناعته، فما هو جهاز مناعة الأمة الذي يشكل جدار الحماية لها ولدينها؟
جهاز المناعة في الأمة
بحكوا لنا في علم الطب أنه ليست الأوبئة وحدها هي التي تهزم الأجساد، بل يهزمها انهيار جهاز المناعة. فإذا بقي هذا الحصن حيا قاوم المرض مهما اشتد، وإذا انهار لم يعد الجسد يحتاج إلى وباء عظيم، بل تكفيه هجمة ميكروبية لا ترى بالعين المجردة لترديه صريعا.
والأمم كالأجساد تماما. ليس أخطر ما يصيبها أن يظهر فيها باطل أو يطغى فيها ظالم، وإنما تبدأ نهاية الأمة يوم يموت فيها جهاز المناعة، فتفقد قدرتها على مقاومة الباطل.
فما هو جهاز مناعة هذه الأمة الذي يشكل جدار الحماية لها ولدينها؟ ليس السلاح ولا الثروة ولا كثرة السواد، بل فريضة جعلها الله مناطية هذه الأمة وحصنها الحصين.
قال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
فالله سبحانه لم يقيد الخيرية بكثرة عدد ولا بضخامة اقتصاد، بل بوجود حائط صد يدافع عن الأمة من الداخل، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا ظهر الفساد وجد من ينكره، وإذا استعلى الباطل وجد من يدمغه، وإذا طغى مسؤول وجد من يأخذ على يده.
كيف يموت جهاز المناعة؟
لكن كيف يموت هذا الجهاز؟ هل يتلاشى فجأة؟
أعداء الإسلام يعلمون جيدا طبيعة هذا الدين، ويدركون تماما أن الأمة إذا وضعت على خط النار بشكل مباشر مع الباطل فإنها ستدافع عن الحق الذي تحمله ولن تتخلى عنه حتى آخر رمق.
ويدركون أن الأمة وهي في هذه الساحة الواضحة في صراعها مع الباطل يستحيل هزيمتها وقتل فكرتها.
فكان لا بد من استهداف جهازها المناعي، لا بضربة واحدة، بل بعملية قتل بطيء حتى يخمد فيه آخر نبض للمقاومة. فإذا انهار ذلك الجدار سقطت الأمة ولو كانت تبدو للناظر بأن جسدها بكامل عافيته.
فتدبر معي كيف ينهار جهاز المناعة في الأمة:
حين يرى الناس المنكر أو التفريط، أول مرة يستنكرونه، ثم يرونه ثانية يسكتون عنه، ثم في الثالثة يعتادونه، ثم في الرابعة يشرعنونه ويدافعون عنه، حتى يبلغ الأمر بهم إلى أن يهاجموا من ينكره.
وهنا لا يكون المنكر قد انتصر، بل تكون الأمة قد ماتت فيها آخر خلية مقاومة.
حين تموت المناعة تتنزل السنن الإلهية
وعندما تصل الأمة إلى هذه المرحلة من تعطيل مناعتها، يسقط الله هيبتها، وتتنزل عليها السنن الإلهية القاطعة.
فاللعنة التي أصابت بني إسرائيل لم تكن لمجرد وقوع المعاصي فيهم، بل لأن جهاز المناعة لديهم قد مات بالكامل.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
انتبه هنا: الله سبحانه لم يقل في هذه الآية أن بني إسرائيل كانوا جميعا أهل منكر، بل قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. فقد استحق بنو إسرائيل لعنة الله عليهم لأنهم لم يعد بينهم من ينكر منكراتهم.
فالمنكر لم يختف، الذي اختفى هو من كان يقف في وجهه. لقد انهار جهاز المناعة.
حين يصمت أهل الحق عن الباطل
وقد قيلت كلمة تلخص هذه الحقيقة كلها: حين يصمت أهل الحق عن الباطل لا ينتصر الباطل بالحجة، بل يتوهم الناس أنه الحق.
فسكوت الناس لا يغير الحقيقة، لكنه يغير وعي الناس بها، ومع الزمن شيئا فشيئا يصبح المنكر مالوفا، ويتحول في أعين كثيرين إلى حق، ويصور المعروف وكأنه هو المنكر.
وقد صاغ النبي ﷺ هذه الحقيقة بكلمات تقشعر لها الأبدان فقال: «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم».
أي أن الأمة التي ينهار جهاز مناعتها وتهاب محاسبة حكامها وكبح جماح المفسدين فيها، فقدت أسباب بقائها وعزتها، وأصبحت جسدا هامدا يستحق العقاب الشامل.
استراتيجيات تدمير جهاز المناعة
وأنظروا كيف يمارس القائمون على الفساد تدمير هذا الجهاز عمدا عبر استراتيجيات خبيثة:
- أولا: التشتيت الممنهج
بإغراق الناس بمعارك هامشية حتى يفقدوا القدرة على رؤية المعركة الحقيقية، فتقام الحفلات الترفيهية المختلطة، وتعلن المنكرات يوميا، وذلك لتعطيل مجسات الاستشعار لديهم، وللتعمية عن القضايا المصيرية، ولهدم المنظومة الأخلاقية للأسرة، وللتفريط بالبلاد والمقدسات، وهدر الحقوق والخدمات.
- ثانيا: الابتزاز السياسي والعاطفي
بالادعاء الوقح بأن المراجعة والمحاسبة والمطالبة بالحقوق المشروعة هي خروج على الصف في هذه الأوقات العصيبة، مستغلين جراح الأمة وآلامها في بقاع أخرى لكسر إرادة الشعوب وفرض الاستسلام القسري عليها.
- ثالثا: تشويه المصلحين
وحين ينهض المخلصون ليمارسوا دورهم كمصلحين وكمحيين لجهاز المناعة هذا، عبر نقد السلطة ومحاسبة الحكام وطرح برنامج الأمة المستمد من شرع الله، تنبري أجهزة التضليل لتصمهم بصناع الفتن وأصحاب الأجندات.
الانقلاب الشاذ في المفاهيم
وفي هذا التناقض الصارخ تبدو المفارقة: إذ كيف تصبح المؤسسات المنفذة لأجندات الاختراق الفكري والإفساد الأخلاقي أعمالا مشروعة، بينما يحضر العمل المبدئي الواعي الساعي لاستئناف الحياة الإسلامية وتطبيق شرع الله؟
هل أصبح القيام بأمانة الرسالة والنهي عن منكرات النظام والدفاع عن حمى الإسلام والتمسك بالوحي هو الأجندة الخارجية؟
بينما استدعاء النظام الرأسمالي والإذعان لإملاءات المستعمر والانبطاح لأجندات الممول الغربي في إفساد الأسر وهدم العملية التعليمية والصحية وتسميم أطفالنا ونسائنا بفكر هادم لعقيدتهم وطهارة عيشهم هو الأجندة الداخلية التي تتبناها الأمة؟
ما لكم كيف تحكمون؟
توجيه النبي ﷺ للأمة
لقد وجه النبي ﷺ الأمة لصدم هذا الانقلاب الشاذ في المفاهيم بوجوب إحياء المناعة والمواجهة الحاسمة فقال:
«كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا».
فليعلم كل مسؤول أو حاكم يتحدى أحكام الشريعة ويستقوي بسلطانه لحماية الفساد أن سنة الله في الظالمين لا تتخلف، فإن الله يمهل ولا يهمل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: 5].
القوة العاتية التي استكبرت في الأرض
أين قوم عاد وفرعون وهامان؟ لقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
إن الحقيقة الجلية التي يجب أن تستقر في الوجدان هي أن المواقف الرمادية في صراع الحق والباطل ليست إلا انحيازا صريحا للباطل.
والعقاب الإلهي حين ينزل لا يستثني أحدا، بل يعم الظالم والساكت عنه سواء.
سؤال يوم القيامة
فلتتخيل موقفك غدا بين يدي الحاكم العدل حين تسأل عن موقفك يوم انتهكت الحرمات وعطلت الأحكام وسيقت الأمة نحو التبعية والهوان.
فغدا لن يسألنا الله: ماذا فعل الظالم؟ بل سنسأل: ماذا فعلت أنت حين رأيته؟ وهل كنت جزءا من جهاز المناعة أم جزءا من المرض؟
وتدبروا هذه الآية العظيمة التي تفزع القلوب وتستحث الإيمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].
والله المستعان.
المصدر
سائد مرعي “جهاز المناعة في الأمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” محاضرة مفرغة بتصرف.


